الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

هل يُمهّد انفتاح قطاع السكن على المؤسسات الناشئة لثورة في البناء والتعمير بالجزائر؟


في سياق التحوّلات التي يشهدها قطاع السكن في الجزائر، خاصة مع التوجه نحو إدماج التكنولوجيا والابتكار في مشاريع البناء والتعمير، يطرح انفتاح هذا القطاع على المؤسسات الناشئة نفسه كخيار استراتيجي يعِد بإعادة صياغة طرق الإنجاز والتسيير.

وفي هذا الإطار، أكد وزير السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية، محمد طارق بلعريبي، خلال إشرافه، يوم الأحد الماضي، على افتتاح الطبعة الـ28 للصالون الدولي “باتيماتاك”، أن انفتاح قطاع السكن على المؤسسات الناشئة يُمكن أن يُشكل رافعة حقيقية لإدماج الابتكار في مشاريع البناء والتعمير في الجزائر.

وفي هذا الشأن، أوضح الأستاذ في العمران، طارق مجاج، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا الانفتاح يُعد نقلة نوعية من شأنها إدماج تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي ونمذجة معلومات البناء (BIM) وأنظمة المعلومات الجغرافية، بما يساهم في تحسين التخطيط وترشيد التكاليف ورفع كفاءة المشاريع، وصولا إلى تطوير نماذج أكثر استدامة في قطاع البناء.

كما اعتبر الخبير في الاقتصاد الدولي، البروفيسور فارس هباش، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا التوجه يعكس تحوّلا في فلسفة تسيير القطاع نحو اقتصاد قائم على المعرفة، حيث تصبح المؤسسات الناشئة رافعة حقيقية لتطوير البناء المستدام، وخلق قيمة مضافة، وتعزيز الابتكار في المجال العقاري.

في هذا الصدد، يرى الأستاذ مجاج أن انفتاح قطاع السكن على المؤسسات الناشئة يُعد خطوة استراتيجية من شأنها إحداث نقلة نوعية في مجال البناء والتعمير في الجزائر، من خلال إدماج الابتكار والتكنولوجيا الحديثة في مختلف مراحل الإنجاز.

إحداث نقلة نوعية في مجال البناء والتعمير في الجزائر

وأوضح المتحدث أن مساهمة هذه المؤسسات يمكن أن تبدأ أساسا بإدخال حلول رقمية متطورة، على غرار الذكاء الاصطناعي وتقنيات نمذجة معلومات البناء (BIM)، إلى جانب أنظمة المعلومات الجغرافية، وهو ما من شأنه تحسين التخطيط العمراني، وترشيد النفقات، وتقليص الأخطاء، وبالتالي تحقيق اقتصاد معتبر في التكاليف.

وأضاف أن هذه المقاربة الرقمية لا تقتصر فقط على الجانب التقني، بل تفتح المجال أمام تطوير نماذج ذكية في إدارة المشاريع، بما يعزز كفاءة قطاع البناء ويدفع بعجلة الاقتصاد الوطني.

كما أشار إلى أهمية إشراك المؤسسات الناشئة في مجال الطاقات، خاصة فيما يتعلق باقتصاد الطاقة، مبرزا أن الجزائر تعاني، لا سيما في المناطق الجنوبية، من ارتفاع كبير في استهلاك الكهرباء بسبب ضعف جودة المواد المستعملة في البناء، وعلى رأسها الإسمنت التقليدي الذي وصفه بغير الصديق للبيئة، بل وقد تكون له انعكاسات سلبية على صحة الإنسان.

وفي هذا السياق، شدد الأستاذ في العمران على أن إشراك المؤسسات الناشئة سيساهم في تطوير مواد بناء جديدة أكثر كفاءة واستدامة، بما يحقق التوازن بين الجودة والنجاعة الطاقوية، مؤكدا أن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال من منطق الكم، الذي حققت فيه الدولة إنجازات معتبرة لامتصاص أزمة السكن، إلى منطق النوعية الذي يركز على جودة السكن واستدامته.

ومن جهة أخرى، لفت مجاج إلى أن تسريع وتيرة إنجاز المشاريع السكنية يمثل تحديا محوريا، في ظل الطلب المتزايد على السكن، معتبرا أن المؤسسات الناشئة قادرة على تقديم حلول مبتكرة في هذا المجال، من خلال تبني تقنيات حديثة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي من شأنها تقليص آجال الإنجاز بشكل ملحوظ.

كما نوّه بظهور مبادرات محلية واعدة، على غرار بعض المؤسسات الناشئة التي تنشط في تطوير تقنيات مقاومة الزلازل، مثل ما يُعرف بـ”البسكويت الخرساني”، الذي يُدمج ضمن الهياكل الحديدية للبنايات بهدف امتصاص الموجات الزلزالية والتقليل من حجم الأضرار المحتملة، مشيرا إلى أن هذه التجارب بدأت تلقى اهتماما من قبل بعض المتعاملين في قطاع البناء.

خِتاماً، أكد طارق مجاج أن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الديناميكية يتطلب دعما فعليا من الدولة، من خلال مرافقة المؤسسات الناشئة وتسهيل ولوجها إلى الصفقات العمومية، فضلا عن تفعيل النصوص القانونية المحفزة، بما يشجع الشباب، خاصة خريجي الجامعات، على الانخراط في مسار الابتكار والمساهمة في تطوير هذا القطاع الحيوي.

تحوّل نوعي في فلسفة تسيير قطاع السكن

من جانبه، أفاد الخبير في الاقتصاد الدولي، البروفيسور فارس هباش، بأن انفتاح قطاع السكن على المؤسسات الناشئة يُمثّل تحوّلا نوعيا في فلسفة تسيير هذا القطاع، ويعكس إرادة واضحة لإدماج الابتكار كرافعة أساسية في مشاريع البناء والتعمير.

وأوضح هباش في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا التوجه لا يندرج فقط في إطار تحديث تقنيات البناء، بل يتجاوز ذلك ليؤسس لنموذج اقتصادي جديد قائم على إنتاج القيمة المضافة من خلال المعرفة والتكنولوجيا، مشيرا إلى أن المؤسسات الناشئة قادرة على تقديم حلول مبتكرة تساهم في تحسين جودة المشاريع وتسريع وتيرة إنجازها، إلى جانب تقليص التكاليف المرتبطة بالبناء.

وأضاف أن قطاع السكن في الجزائر ظل لعقود يعتمد بشكل أساسي على مبادرات الدولة وبرامج الإسكان العمومية مثل AADL وPNL، غير أن هذا النموذج التقليدي، رغم ما حققه من نتائج، لم يعد كافيا لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة واحتياجات الاستدامة والتنافسية.

وأشار المتحدث إلى أن الدعوة إلى إشراك المؤسسات الناشئة تأتي في سياق تحوّل تشهده الجزائر نحو تنمية منظومة الابتكار، التي باتت تُعتبر أحد محركات التنمية المستقبلية، خاصة في ظل التوجه نحو تنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد على المحروقات.

كما أفاد بأن إدماج المؤسسات الناشئة في قطاع البناء لا يقتصر على تقديم حلول تقنية فقط، بل يؤسس لنمط جديد من القيمة المضافة في الاقتصاد العقاري، يشمل حلول البناء المستدام والصديق للبيئة.

وأوضح الخبير في الاقتصاد الدولي، أن بعض هذه المؤسسات تعمل على تطوير مواد بناء مبتكرة، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحسين الأداء الحراري للمباني، بما يساهم في تقليل آثار التغيرات المناخية وخفض التكاليف على المدى الطويل.

خلق فرص عمل وتشجيع ريادة الأعمال

وأضاف أن هذا التوجه يساهم أيضا في تعزيز الكفاءة في استخدام الموارد عبر اعتماد حلول رقمية وتقنيات إنشائية حديثة، ما يرفع من كفاءة المشاريع ويقلص الهدر، مُشيرا إلى أن هذا الانفتاح من شأنه خلق فرص عمل وتشجيع ريادة الأعمال، من خلال تمكين الشباب من تأسيس مشاريعهم والاستفادة من آليات الدعم والتمويل.

كما أوضح هباش أن الإطار التشريعي الداعم للمؤسسات الناشئة في الجزائر تطور في السنوات الأخيرة، سواء عبر التسهيلات المالية أو البرامج الداعمة مثل  Algeria Startup Challenge.

وأفاد بأن الدولة، من خلال مؤسسات مثل صندوق دعم المشاريع الناشئة  (ASF)، تسعى إلى توفير مناخ يوازن بين دعم الابتكار وضمان الاستقرار الاقتصادي، في انسجام مع التوجهات الاقتصادية العالمية.

وأضاف محدثنا أن هذا التوجه، على المستوى المحلي، قد ينعكس إيجابا على جودة الحياة من خلال حلول سكن أكثر ذكاءً، وتقليص كلفة البناء، ورفع الطلب على الكفاءات المتخصصة في التكنولوجيا الحديثة والبناء الذكي.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز البروفيسور فارس هباش، أن الجزائر، في حال نجاح هذا المسار، يمكن أن تصبح نموذجا إقليميا في الابتكار العمراني في شمال إفريقيا، خاصة مع تنامي الاهتمام العالمي بمشاريع البناء المستدام والأخضر.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي