“وأج” في ذكرى تأسيسها الـ 61.. من رهانات الإعلام الثوري إلى تحدّيات الحروب الرقمية

أحيَت وكالة الأنباء الجزائرية “وأج” الذكرى الواحدة والستّين لتأسيسها في الأول من شهر ديسمبر 1961. وهي ذكرى تسترجع تاريخ الإعلام الثوري ودوره الرائد في دعم الثورة بواحد من أهمّ الأسلحة في الدعاية والإعلان ومجابهة الحروب النفسية وحملات التضليل الاستعمارية لتشويه المقاصد الثورية النبيلة، وأيضا للتعريف بالقضية الجزائرية في المحافل الدولية، وفضح جرائم الاستعمار الفرنسي، بالإضافة إلى الأدوار الداخلية في توعية الجزائريين وتوحيدهم في جبهة مُتلاحمة لمواجهة التحديات وتحقيق أهداف ثورة التحرير الوطني.

بيان أول نوفمبر فاتحةُ الإعلام الثوري

اعتمدت ثورة التحرير الوطني كل الوسائل الممكنة في الإعلام الثوري، ووظّفت “الشفوي” من خلال الحصص والبرامج الإذاعية التي كانت تُبثّ من أقطار عربية شقيقة، وحتى الشعر الملحون والأغنية والحكايات الشعبية، والمسرح والسينما، بالإضافة إلى “المكتوب” الذي تَمثّل في الصحف والنشريات والمطبوعات. ويرى بعض الدّارسين بأن بيان أول نوفمبر يُعتبر أول عمل إعلامي يعلن عن ميلاد الثورة الجزائرية، وقد استطاع “اختراق إعلام الاستعمار بنجاح تام، وتوجّه إلى الجماهير الجزائرية ليخاطبها بلغة الثورة والتحرّر، وقد وجدت صداها الكبير لدى الجماهير لتعبئتها”.

الاتصال بين الثورة والشعب

سعى الإعلام الثوري إلى تحقيق أهداف أساسية منها: تحقيق الاتصال بين الثورة والشعب، وتوفير المعلومات الصحيحة والموثوقة للجزائريين حول حقيقة الصراع مع الاستعمار، بالإضافة إلى تحصينهم ضد دعايات العدو وحملات تضليله وتزييفه، وكسر مخططات حربه النفسية والإيديولوجية التي اعتمدها لترهيب الجزائريين، وفي الوقت نفسه تشويه المُجاهدين والمناضلين وطعن الثورة من خلال “اختراع” توصيفات تُوهّن من شأن ثورة التحرير وما كانت تحقّقه من بطولات على أرض الواقع. إضافة إلى تعبئة الجزائريين وتحفيزهم من أجل الاتفاق حول الثورة ودعمها بمختلف الأشكال.

مؤتمر الصومام المُنعطفُ الحاسمُ

شكّل مؤتمر الصومام منعطفا حاسما في تاريخ الإعلام الثوري، فقد سعى إلى معالجة جميع المشاكل التي كانت تواجه ثورة التحرير في مجال الإعلام والدعاية، لا سيما في انعدام التنسيق بين الأجهزة الإعلامية الناطقة باسم الثورة، حيث قام بإلغاء جريدة “المقاومة الجزائرية”، بمختلف طبعاتها، وتعويضها بجريدة “المُجاهد”. ويُذكر أن القسم الثالث من المنهج السياسي للميثاق، الذي كان تحت عنوان: “وسائل العمل والدعاية”، تضمن تحقيق هدف “الرد بسرعة وبوضوح على جميع الأكاذيب واستنكار أعمال الاستفزاز، وتعريف أوامر جبهة التحرير الوطنية بنشر مكاتب كثيرة ومتنوعة تبلغ جميع الدوائر حتى المحصورة منها، إكثار مراكز الدعاية وتزويدها بآلات الكتابة والطباعة والورق لنسخ الوثائق الوطنية وطبع المنشورات المحلية، وطبع رسائل في الثورة ونشرة داخلية للتعليمات والإرشادات الموجهة للإطارات”.

التركيز على البث الإذاعي

ركّز الإعلام الثوري على البث الإذاعي في الاتصال بالجزائريين، وتوصيل قضيته العادلة إلى كل العالم. واستعان في بداياته بإذاعات بعض الدول العربية التي دعّمت ثورة التحرير الوطني، مثل إذاعة صوت العرب من القاهرة التي انطلقت سنة 1955 في بث أخبار الثورة، وذلك من خلال ثلاثة برامج هي: اعتمدت الثورة الجزائرية في بداية الأمر على إذاعات بعض الدول العربية التي وقفت إلى جانب الثورة ومن هذه الإذاعات، إذاعة صوت العرب من القاهرة التي لعبت دورا حاسما في بث أخبار الثورة الجزائرية ابتداء من سنة 1955، وذلك من خلال بعض البرامج، ومنها: برنامج “جزائري يخاطب الفرنسيين” باللغة الفرنسية، الذي كان يُذاع من إذاعة القاهرة الدولية لمدة ربع ساعة يوميا واستهدف الرأي العام في فرنسا. وبرنامج “صوت جبهة التحرير الوطني يخاطبكم من القاهرة”، الذي ركّز على بث تعليق سياسي يومي، ثم تغيّر عنوانه، فصار “صوت الجمهورية الجزائرية” وكان يذاع بالفرنسية.

صوت الثورة من قلب الجزائر

يُذكر أن الإعلام الثوري قام في أواخر 1956 بتعديل جهازين كبيرين حصل عليهما، في البث الإذاعي اعتمادا على مناضلين وجنود من ثورة التحرير الوطني. وقد استعمل عبارةً مشهورة تقول: “هنا الجزائر الحرة المكافحة، صوت جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني يخاطبكم من قلب الجزائر”. وهكذا بدأت إذاعة الجزائر تبث برامجها بتسيير جزائريين من جنود ومناضلين من جبهة التحرير الوطني، وفي خطابها إلى الشعب الجزائري كانت تستعمل العبارات التالية: “هنا الجزائر الحرة المكافحة، صوت جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني يخاطبكم من قلب الجزائر”. كما يُذكر بأنه في عام 1957 قامت قيادة ثورة التحرير بتكوين الطلبة الجزائريين وتدعيمهم بأجهزة من صنع ألماني، إضافة إلى اعتماد الإذاعة المتنقلة عبر الشاحنة التي كانت تبثّ الإرسال بلغات متعدّدة.

وزارة الأخبار” في الحكومة المؤقتة

تبلور الإعلام الثوري بشكل أكثر تنظيما، بعد تخصيص وزارة للإعلام، كان اسمها “وزارة الأخبار”، وذلك بعد تشكيل الحكومة المؤقتة في سبتمبر 1958، وحدّدت مهامها في الاضطلاع بكل ما يتعلّق بالإعلام الثوري. ومن تلك المهام: عقد المؤتمرات الصحفية للرد على الدعايات الفرنسية المغرضة، وإصدار النشرات السياسية، والإشراف على جريدة “المُجاهد” والإذاعة ولجان الدعاية الداخلية، بالإضافة إلى الإشراف على كل مكاتب الإعلام الثوري في الجزائر، بمختلف أشكاله وأنواعه.

أوّل منشور لـ “وأج

تضمّن أول منشور لوكالة الأبناء الجزائرية الإعلانَ عن أهدافها ورسالتها، وفي هذا السياق، قال المؤرخ الجزائري “أبو القاسم سعد الله” في كتابه “تاريخ الجزائر الثقافي”، “وقد أعلنت في أول منشور لها أنها ستكون في خدمة الشعب، والثورة وأنها ستكون الوجه الحقيقي للجزائر في العالم، وأنها ستُعرّف الرأي العام بالنشاط الحكومي، وأنها ستهتم بأخبار المدن والقرى والدواوير البعيدة، وقد تمثّل نشاطها في إصدار نشرة يومية بالعربية والفرنسية تتضمن أخبار الجزائر الداخلية سواءٌ كانت سياسية أو عسكرية أو اجتماعية، كما تتضمن الأخبار الدولية، وكانت هذه النشرة تُوزع على الوكالات واسعة الانتشار، كما توزع على المُنظمات الوطنية، وكانت الوكالة مدرسة لتكوين إعلاميين شباب ليتولّوا قيادة الإعلام مستقبلا، وبهذه الطريقة أصبحت الوكالة رُكنا أساسيا من أركان الكفاح الوطني رغم أنها أنشئت متأخرة”.

وأج” المصدرُ الوحيد لأخبار الثورة

وأضاف المؤرخ قائلا: “ومن صلاحيات الوكالة عقد الاتفاقيات مع الوكالات الأجنبية لتتبادل معها الأخبار، أما قبل إنشائها فقد كانت الجبهة تتعامل مع وكالة أنباء الشرق الأوسط فيما يتعلق بالأخبار في الدول العربية، بينما تتعامل مع وكالة أنباء تشيكية فيما يتعلق بأخبار المعسكر الاشتراكي، أما بعد إنشاء الوكالة الوطنية فقد أصبحت هي مصدر أخبار الثورة والمصحّح لصورتها عند تشويهها من قبل بعض الوكالات الأجنبية”.

منصة رقمية جديدة لمواكبة تكنولوجيا العصر

مرّت وكالة الأنباء الجزائرية بمراحل عديدة خلال مرحلة بناء وتشييد الجزائر، وذلك وفقا للوسائل والأدوات التي كانت تستعملها. وهي ماضية في طريق تحديث وعصرنة تكنولوجيتها لتنسجم مع روح العصر، وتضمن تقديم أرقى الخدمات “سواء تعلّق الأمر بالخبر أو المحتوى متعدد الوسائط”. وقد أعلنت عن مخطّطها المستقبلي في “تنويع دعائمها من خلال إطلاق منصة جديدة لبث المحتويات (السمعية – البصرية) تكون أكثر استجابة وتكيّفا مع حاجيات المستخدمين”، إضافة إلى “دعائمها الإعلامية من خلال إطلاق النسخة الإسبانية من موقعها على شبكة الإنترنت، لتضاف إلى تلك الموجودة باللغة العربية والأمازيغية بنسخها الثلاث (العربية والتيفيناغ واللاتينية) والإنجليزية والفرنسية”.

كما أعلنت الوكالة أنها تنتظر بأن يتم تزويدها “بقانون أساسي جديد بعد الموافقة المبدئية للحكومة على هذا المشروع المندرج في إطار مخطط تطوير الوكالة كوسيلة إعلام شاملة”. وفي هذا السياق، أعرب الوزير الأول “أيمن بن عبد الرحمان” عن إسدائه لتعليمات تهدف إلى مراجعة القانون الأساسي للوكالة.

تأهيل الإعلام لخوض تحديات الرّقمنة

يُذكر أن الدولة الجزائرية اعتمدت استراتيجية وطنية لترقية الإعلام الوطني والمحلي بمختلف أشكاله وأنواعه، في سياق تفعليه ليكون مرافقا لبرامج التنمية الوطنية عموما، وعلى مستوى الولايات، إضافة إلى تحقيق الشفافية وتعميق الثقة بين المواطن والإدارة. وأيضا من أجل إكساب الإعلام الوطني القدرات والإمكانيات التي تؤهّله لخوض المعارك الرقمية خاصة، تلك التي تستهدف الجزائر وشعبها وهويتها واستقرارها.