السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

واشنطن تورطت في طريق بلا خروج اسمه: الفخ الإيراني

Author
الأيام نيوز 12 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تجد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسها أمام مأزق متصاعد في مواجهة إيران، بعدما أخفقت الحرب في تحقيق الحسم الذي راهنت عليه واشنطن لإجبار طهران على التنازل بشأن برنامجها النووي سابقا، ومضيق هرمز حاليا، فيما عجزت الضغوط الدبلوماسية عن انتزاع اتفاق ينهي المواجهة حتى وفق الحد الأدنى من الشروط الأمريكية. ومع تعثر الخيارين العسكري والسياسي، تعود الإدارة إلى العقوبات والضغط المالي، لتستأنف بأداة قديمة محاولة تحقيق أهداف لم تتمكن القوة العسكرية من فرضها، رغم أن ترامب نفسه جعل فشل عقود من العقوبات أحد مبررات اللجوء إلى الحرب. وتكشف عودة واشنطن إلى العقوبات حجم المأزق الذي وصلت إليه استراتيجيتها تجاه طهران؛ فالحرب لم تنتزع الاستسلام الذي راهنت عليه، والمفاوضات لم تفرض التسوية التي أرادتها، والعقوبات التي تعود إليها الإدارة سبق أن أخفقت، وفق اعترافات أمريكية، في تغيير الموقف الإيراني. وهكذا تبدو واشنطن أمام خيارات تتقلص من الحرب إلى التفاوض ثم إلى العقوبات، من دون أن تضمن أي منها النتيجة التي تريدها. وتضع هذه المعضلة القوة الأمريكية أمام سؤال صميمي: ما جدوى التفوق العسكري والاقتصادي إذا عجز عن فرض الشروط السياسية أو فتح مخرج من مواجهة تستنزف أدوات واشنطن أكثر مما تقرّبها من أهدافها؟

أشار تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» إلى أن إدارة ترامب عادت إلى التعويل على العقوبات والضغط المالي ضد إيران، بعد أشهر من العمليات العسكرية التي راهنت واشنطن خلالها على تحقيق نتائج سريعة وحسم المواجهة. وتدعي الإدارة الأمريكية أن القصف والضغوط العسكرية أضعفا الاقتصاد الإيراني إلى درجة قد تدفع القيادة في طهران إلى تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط والغاز، غير أن العودة إلى العقوبات تكشف عن حاجة واشنطن إلى أداة أخرى بعدما لم تحقق حملتها العسكرية الأهداف التي طرحتها في بداية الحرب.

وتأتي العودة إلى الأداة الاقتصادية في ظرف تواجه فيه واشنطن حسابات عسكرية وسياسية أكثر صعوبة. فقد تحدثت تقارير أمريكية عن تراجع مخزونات الولايات المتحدة من بعض الأسلحة الرئيسية، بينما توقفت المحادثات المتقطعة مع إيران مجددا. وتضيف كلفة المواجهة العسكرية ضغوطا اقتصادية على الولايات المتحدة نفسها، خصوصا مع ارتفاع أسعار الوقود وتداعيات اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية، في وقت تواصل فيه طهران التمسك بمواقفها الأساسية.

وتنقل «أسوشيتد برس» أن استمرار الحرب يحمل مخاطر تضخمية على اقتصادات عدة، بينها الاقتصاد الأمريكي، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط الخام بعد مؤشرات على انخفاض عدد السفن التي تعبر المضيق. ويؤثر اضطراب الملاحة في إمدادات البنزين ووقود الطائرات والغاز الطبيعي ومصادر أخرى للطاقة، ما يزيد كلفة المواجهة على واشنطن ويضع حساباتها الاقتصادية أمام تداعيات مباشرة للحرب التي راهنت عليها لحسم خيارات طهران.

ويضيف هذا الوضع عنصرا آخر إلى المعضلة الأمريكية، إذ تحتاج إدارة ترامب إلى تحقيق نتائج سياسية من الحرب، بينما ترفع العمليات العسكرية كلفة المواجهة وتزيد الضغوط الاقتصادية على الداخل الأمريكي. وفي الوقت نفسه، لا تضمن الضغوط العسكرية السيطرة على مضيق هرمز أو إجبار إيران على قبول الشروط الأمريكية، وهو ما يدفع واشنطن إلى العودة للعقوبات والضغط المالي بحثا عن نتائج لم تحققها القوة العسكرية.

وتدعم معطيات نقلتها شبكة «NBC News» هذا الوضع، إذ أفادت بأن مسؤولين عسكريين أمريكيين أبلغوا ترامب بأن أي عملية للسيطرة على مضيق هرمز ستكون طويلة ومكلفة ودموية، مع غياب ضمان لتحقيق النصر. وتحدث تقييم أمريكي عن انتقال أولوية إيران من الملف النووي إلى المضيق، في وقت تؤكد فيه طهران أن حركة الملاحة ترتبط بالظروف الميدانية وشروطها الخاصة.

وكان ترامب قد أعلن أن البحرية الأمريكية تسيطر حاليا على المضيق، في وقت تواجه إدارته انتقادات بسبب صعوبة التوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب. وتضع هذه المعطيات الرئيس الأمريكي أمام مسار بالغ التعقيد: مواصلة مواجهة عسكرية لم تحقق الحسم الذي راهنت عليه واشنطن، أو العودة إلى العقوبات والضغط الاقتصادي في محاولة جديدة لدفع إيران إلى التراجع، بينما يظل الاتفاق السياسي الذي ينهي المواجهة وفق الشروط الأمريكية بعيد المنال.

واشنطن تبدّل أدوات الضغط بحثا عن مخرج

وفي الجانب الإيراني، يقدم وزير الخارجية عباس عراقتشي نتائج الحرب باعتبارها ورقة سياسية عززت موقف طهران في مواجهة واشنطن. ويؤكد أن إيران أثبتت قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن ترامب بدأ الحرب بهدف دفع طهران إلى الاستسلام دون شروط، قبل أن يعود إلى طلب التفاوض بعد نحو عشرين يوما من المواجهة. ويضع عراقتشي هذا الانتقال بين التصعيد العسكري والتفاوض في سياق ما يعتبره فشلا في فرض الاستسلام الذي سعت إليه واشنطن في بداية الحرب.

ويرى عراقتشي أن تسلسل الأحداث قدم لطهران دليلا على قدرتها على الصمود أمام الضغط العسكري، موضحا أن إيران واجهت الحرب بدعم أمريكي وإسرائيلي وتمكنت من الحفاظ على قدرتها على المقاومة، قبل انتقال واشنطن إلى خيار التفاوض. ويربط وزير الخارجية الإيراني بين التطورات الميدانية والمسار الدبلوماسي، مشيرا إلى أن مسؤولين من دول مختلفة أبلغوا الجانب الإيراني بأن طهران حققت نتائج في الحرب والدبلوماسية معا، وهو ما يستخدمه لتدعيم الرواية القائلة إن الضغط العسكري لم يدفع إيران إلى القبول بالشروط الأمريكية.

ويقدم عراقتشي الرواية الإيرانية للحرب باعتبارها اختبارا لقدرة الدولة على الصمود أمام قوة عسكرية كبرى، مشيرا إلى أن الإيرانيين حافظوا، وفق تقديره، على عمل مؤسسات الدولة واستمرار أجهزتها في أداء مهامها خلال المواجهة. ويرى أن هذه المعطيات أظهرت قدرة إيران على تحمل الضغط ومواصلة إدارة شؤونها الداخلية، رغم حجم الضربات التي تعرضت لها.

ولا تنفصل هذه الرواية عن موقف طهران من العقوبات. فقد اعتبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن واشنطن تلجأ إلى العقوبات كلما عجزت عن ممارسة الدبلوماسية، محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يغلق فرص التوصل إلى مخرج سياسي. وتربط طهران بين العودة إلى العقوبات وتعثر المسار العسكري والدبلوماسي، معتبرة أن واشنطن تبحث عن أداة ضغط جديدة بعدما اصطدمت حدود القوة العسكرية بصعوبة فرض الشروط التي طرحتها في بداية المواجهة.

في المقابل، تحاول إدارة ترامب تقديم العقوبات باعتبارها امتدادا للضغط الذي تمارسه على إيران، وليس تراجعا عن أهداف الحرب. وتنقل «أسوشيتد برس» أن الإدارة الأمريكية تنفذ منذ 16 أفريل ما تسميه «عملية الغضب الاقتصادي» ضد إيران، فيما وصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الحملة بأنها المكافئ المالي للعمليات العسكرية. وقد تشمل هذه السياسة فرض عقوبات على الدول التي تشتري النفط الإيراني أو تتعامل مصرفيا مع طهران، بما يوسع نطاق الضغط الاقتصادي في محاولة لدفع إيران إلى تغيير مواقفها.

جاستن روسيل، مدير تنفيذي – مركز السياسات الخارجية بواشنطن

هنا تبرز المفارقة التي يركز عليها المدير التنفيذي لمركز السياسات الخارجية بواشنطن، جاستن روسيل، في حديثه لـ«الأيام نيوز». فهو يرى أن واشنطن تتعامل مع العقوبات باعتبارها أداة جاهزة تعود إليها عند تعثر الوسائل الأخرى، رغم أن الإدارات الأمريكية نفسها أقرت في مراحل سابقة بأن عقودا من العقوبات والضغوط الاقتصادية لم توقف البرنامج النووي الإيراني.

ويصف روسيل السياسة الحالية بأنها إعادة استخدام لأدوات سبق أن اختبرتها واشنطن، مشيرا إلى انتقال الإدارة بين الضغط والتصعيد والعمل العسكري ثم العودة إلى الضغط الاقتصادي عندما ترتفع كلفة المواجهة. ويرى أن هذا التسلسل يطرح سؤالا عن غياب استراتيجية مختلفة قادرة على تحويل التفوق الأمريكي إلى نتائج سياسية، بدل الانتقال من أداة إلى أخرى من دون مراجعة عميقة لأسباب الإخفاق.

ويمنح الخبير العقوبات قيمة تفاوضية عندما ترتبط بهدف سياسي واضح، لأنها تستطيع رفع كلفة الموقف المقابل ودفعه إلى الحوار. لكن العقوبات تفقد جزءا من هذه الوظيفة عندما تتحول إلى سياسة دائمة منفصلة عن مسار تفاوضي. وفي الحالة الإيرانية، يرى روسيل أن واشنطن تحتاج إلى تحديد ما تستطيع تقديمه مقابل التزام إيراني واضح، لأن القوة المالية تستطيع رفع الكلفة الاقتصادية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج اتفاق أو بناء ثقة بين طرفين متخاصمين.

ويحذر روسيل من أن استمرار الضغط دون مسار تفاوضي واضح قد يدفع إيران إلى تعزيز تحصينها الاقتصادي والسياسي، وتقوية التيار الذي يرى أن التفاوض مع واشنطن لا يؤدي إلى رفع العقوبات، بل إلى جولة جديدة من المطالب. ومن هذه الزاوية، قد تتحول العقوبات إلى عامل يقوي الموقف الذي تحاول واشنطن إضعافه.

من رفض الاستسلام إلى التفاوض.. رواية طهران

ويتوسع الدكتور محمود الهاشمي، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، في تفسير هذه المعضلة، معتبرا أن القضية تتجاوز العقوبات ذاتها إلى طريقة إدارة الولايات المتحدة لصراعها مع طهران. ويشير إلى أن واشنطن ما زالت تراهن على نفوذها المالي لإعادة صياغة سلوك الدول، في وقت تغيرت فيه البيئة الدولية وظهرت مسارات اقتصادية وسياسية تسمح للدول المستهدفة بتقليص أثر العقوبات.

محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية

ويرى الهاشمي أن عودة واشنطن إلى العقوبات قد تكشف ضيق الخيارات الاستراتيجية أكثر مما تدل على استعادة المبادرة. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقا عسكريا وماليا وتكنولوجيا كبيرا، لكن امتلاك هذه الأدوات لا يضمن تحويلها إلى نتائج سياسية حاسمة عندما تواجه دولة ذات إرادة استراتيجية وعمق جيوسياسي وقدرة على تحمل الضغوط.

ويشرح مدير المركز أن العقوبات تستطيع الضغط على الاقتصاد الإيراني ورفع كلفة المواجهة، لكنها لا تستطيع تحديد القرار السياسي في طهران. وقد تدفع إيران إلى تطوير بدائل وشراكات ومسارات اقتصادية جديدة تقلل اعتمادها على الأدوات الأمريكية، خصوصا بعد سنوات طويلة من العقوبات التي منحت طهران خبرة واسعة في التعامل مع الضغوط المالية والتجارية.

ويضع الهاشمي هذه الديناميكية ضمن اختبار أوسع للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فإذا تمكنت إيران من الحفاظ على هامش واسع للمناورة وتوسيع علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية منافسة لواشنطن، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مشكلة تتجاوز الملف الإيراني إلى قدرة نفوذها على التأثير في خيارات دول المنطقة.

ويحذر المتحدث أيضا من الإفراط في استخدام النظام المالي العالمي كسلاح سياسي، لأن الدول المستهدفة وبعض شركاء واشنطن قد يبحثون عن بدائل تقلل تعرضهم للعقوبات الأمريكية. وقد يدفع هذا المسار نحو ترتيبات اقتصادية أكثر تعددية وأقل اعتمادا على الأدوات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، وهو ما يضع القوة المالية الأمريكية أمام اختبار طويل المدى.

ويعتبر هاني الباسوس، أستاذ العلاقات الدولية، أن الرئيس الأمريكي يواجه مفارقة بين صورة القوة التي يريد ترسيخها وبين الأدوات التي يعود إليها عندما تصطدم حساباته بالواقع. ويوضح أن ترامب بنى جزءا كبيرا من خطابه على فرض الشروط الأمريكية بالقوة والضغط، لكنه يعود إلى العقوبات عندما لا تحقق المواجهة النتائج المطلوبة، ما يكشف صعوبة الجمع بين التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي والتفاوض ضمن مسار واحد.

هاني الباسوس، أستاذ في العلاقات دولية

ويرى الباسوس أن إيران لا تتعامل مع العقوبات باعتبارها قضية اقتصادية منفصلة، بل تضعها داخل صراع أوسع حول موقعها الإقليمي واستقلال قرارها. لذلك قد ترفع العقوبات كلفة المواجهة وتضر الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تضمن دفع القيادة الإيرانية إلى تقديم التنازلات التي تطلبها واشنطن.

ويحدد أستاذ العلاقات الدولية جوهر المعضلة في رغبة ترامب في تحقيق إيران ضعيفة بما يكفي لقبول الشروط الأمريكية، مع تجنب حرب مفتوحة ذات كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة. ويرى أن الرئيس الأمريكي يريد ممارسة ضغط كبير من دون تحمل نتائج التصعيد، والوصول إلى تفاوض من موقع قوة من دون تقديم مقابل سياسي يجعل الاتفاق قابلا للاستمرار، وهي أهداف يصعب جمعها داخل استراتيجية واحدة.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة، وفق الباسوس، بسبب البيئة الدولية التي تتحرك فيها إيران. فقد طورت طهران علاقات وشبكات اقتصادية وسياسية تساعدها على تقليص جزء من آثار العقوبات، ما يجعل أدوات الضغط الأمريكية تعمل داخل نظام دولي أكثر تنافسا وأقل قابلية للانقياد خلف خيارات واشنطن.

ويحذر الخبير من اعتبار العقوبات بديلا عن السياسة، لأن العقوبة تستطيع رفع كلفة المواجهة، لكنها لا تستطيع تحديد قرار الطرف الآخر. وقد يؤدي الضغط المتواصل في الحالة الإيرانية إلى تعزيز القناعة داخل طهران بأن تقديم التنازلات تحت الضغط لن ينهي العقوبات، بل قد يفتح الباب أمام مطالب أمريكية جديدة.

ولا تتوقف تداعيات هذا المسار عند حدود العلاقة بين واشنطن وطهران. فدول الشرق الأوسط تراقب قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها عندما تواجه دولة ترفض الخضوع للضغط. وإذا عجزت واشنطن عن تحقيق أهدافها رغم امتلاكها أدوات اقتصادية وعسكرية ضخمة، فإن ذلك قد يؤثر في صورة الردع الأمريكي وفي حسابات حلفائها وخصومها على حد سواء.

ويؤكد الباسوس أن أي صفقة سياسية تحتاج إلى توازن في المصالح وضمانات ومخرج للطرف الآخر، ولا يمكن بناؤها بالتهديدات وحدها. ويرى أن الاعتقاد بقدرة واشنطن على دفع إيران إلى الاستسلام عبر رفع كلفة المواجهة يصلح للخطاب السياسي أكثر مما يصلح لإدارة صراع دولي شديد التعقيد.

هرمز.. ورقة إيرانية أمام حسابات واشنطن

ويظهر هذا التحدي بوضوح في ملف مضيق هرمز، الذي تحول إلى عنصر رئيسي في المواجهة. فطهران تربط فتح المضيق بالظروف وشروطها، بينما ترى واشنطن أن ضمان حرية الملاحة جزء أساسي من أهدافها. وفي هذا السياق، تجري إيران وسلطنة عمان محادثات حول ترتيبات الملاحة، تشمل قضايا سيادة الدول الساحلية وأمنها وآليات إدارة الحركة البحرية وإنشاء مركز تنسيق مشترك وتبادل المعلومات الخاصة بالسفن العابرة.

وتمنح هذه المحادثات الملف بعدا دبلوماسيا إضافيا، خصوصا مع رفض طهران إشراك طرف ثالث في إدارة الترتيبات الخاصة بالمضيق. وتدرك إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها ورقة استراتيجية في أي تفاوض حول أمن الملاحة، بينما تدرك واشنطن أن أي محاولة عسكرية لفرض السيطرة على المضيق قد تفتح مواجهة طويلة ومكلفة.

وتتداخل هنا الحسابات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. فالولايات المتحدة لا تستطيع بسهولة تحمل حرب طويلة في منطقة تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة الطاقة العالمية، وإيران لا تستطيع تجاهل الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي اضطراب طويل في الملاحة. لذلك يصبح المضيق ورقة ضغط متبادلة، وليس ساحة يمكن لأي طرف حسمها بسهولة.

ويعتبر الباحث الأمريكي ريتشارد نيفيو أن العقوبات لا تستطيع إحداث تأثير بالسرعة التي أحدثها الإغلاق شبه الكامل للمضيق، مشيرا إلى أن فاعلية الضغط الاقتصادي ترتبط بوضوح الأهداف الاستراتيجية. ويرى أن تردد الإدارة الأمريكية بين منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وضمان حركة الملاحة في هرمز، والضغط على برنامج الصواريخ الباليستية، يطرح إشكالا حول الهدف النهائي للحرب.

وتعزز هذه الملاحظة ما أوردته «أسوشيتد برس» بشأن عودة ترامب إلى العقوبات بعد أن انتقد سابقا الإدارات الأمريكية التي اعتمدت عليها ضد إيران. وقد اعترف ترامب نفسه بأن عقوبات أمريكية تعود إلى عام 1979 لم تحقق الأهداف التي وضعتها واشنطن، وهو ما يضع الإدارة أمام سؤال يصعب تجاوزه: إذا كانت العقوبات القديمة لم تحقق أهدافها، فما الذي سيجعل العقوبات الجديدة تنتج نتيجة مختلفة؟

من هنا تتبلور المعضلة الأساسية في السياسة الأمريكية تجاه إيران. الحرب لم تحقق الحسم الذي وعد به ترامب، والمفاوضات لم تنتج اتفاقا بالشروط التي تريدها واشنطن، والعقوبات تحتاج إلى مسار سياسي حتى تتحول من أداة ضغط إلى وسيلة تفاوضية منتجة. وفي الوقت نفسه، يفرض مضيق هرمز كلفة إضافية على أي خيار عسكري، بينما تواصل طهران تقديم قدرتها على الصمود باعتبارها ورقة تفاوضية.

ويختصر الباسوس هذه الفجوة بالقول إن ترامب يستطيع توقيع العقوبات بسرعة، لكنه لا يستطيع توقيع استسلام دولة بحجم إيران، ويستطيع رفع كلفة الصراع لكنه لا يستطيع ضمان نتائجه. ويرى أن إدارة القوة تحتاج إلى تحديد واضح لما يمكن تحقيقه ومتى ينبغي الضغط ومتى ينبغي التفاوض، بينما تراهن طهران على عامل الوقت وعلى قدرتها على امتصاص الضغوط.

وتلتقي هذه الخلاصة مع تقدير روسيل بأن القوة المالية لا تنتج وحدها تسوية سياسية، ومع تحذير الهاشمي من أن الاستخدام المفرط لأدوات القوة الأمريكية قد يدفع الخصوم إلى بناء بدائل تقلل تأثيرها. وبينما تقدم إيران نفسها باعتبارها قادرة على تحمل الحرب والعقوبات، تبحث واشنطن عن صيغة تمنحها مخرجا يحفظ أهدافها ويمنع استمرار الاستنزاف.

وبذلك لا تبدو العقوبات في المرحلة الحالية أداة منفصلة عن الحرب، بل جزءا من محاولة أمريكية لإعادة ترتيب ميزان الضغط بعد تعثر الحسم العسكري وتعقد المسار الدبلوماسي. ويبقى نجاح هذا الخيار مرتبطا بقدرة واشنطن على تحويل الضغط الاقتصادي إلى تفاوض منتج، وهو أمر يتطلب أهدافا محددة ومقابلا سياسيا واضحا، وليس رفع مستوى العقوبات فقط.

أما إذا استمرت الإدارة الأمريكية في تدوير أدواتها بين الحرب والعقوبات والتفاوض، من دون انتزاع تسوية من طهران، فإنها تخاطر بتحويل تفوقها العسكري والاقتصادي إلى مصدر استنزاف بدل أن يكون طريقا إلى الحسم: تستطيع رفع كلفة الصراع، لكنها تجد صعوبة متزايدة في إنهائه بالشروط التي تريدها.