الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

واشنطن وبكين من حافة الحرب التجارية إلى هدنة المصالح.. صراع مؤجل بثمن عالمي باهظ

Author
ربيعة خطاب 24 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعكس نتائج المشاورات الاقتصادية والتجارية الأخيرة، بين الصين  وواشنطن، توجها جديدا نحو تهدئة التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، عبر البحث عن صيغ تعاون أكثر توازنا في مجالات الرسوم الجمركية والتجارة الزراعية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. كما تكشف هذه التفاهمات عن إدراك متبادل لأهمية الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي وتفادي تداعيات الحروب التجارية، خاصة في القطاعات الحساسة المرتبطة بالطاقة والصناعات التكنولوجية والنقل الجوي.

وفي هذا السياق، يصرح وائل خليل ياسين، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، والباحث والاستشاري المتخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا، لـ”الأيام نيوز”، بأن التفاهمات الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة تعكس إدراكا متبادلا لدى الطرفين بأن استمرار التصعيد الاقتصادي والتجاري ستكون له كلفة مرتفعة ليس فقط على البلدين، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله. ويرى أن ما جرى لا يقتصر على ملفات الرسوم الجمركية أو التجارة الزراعية، بل يمتد إلى التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية، وهو ما يكشف عن محاولة لإدارة التنافس بطريقة تمنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة.

ويؤكد وائل خليل ياسين أن هذه التفاهمات يمكن أن تسهم في تخفيف حدة التوتر الاقتصادي إذا ما تحولت إلى خطوات عملية ومستدامة، موضحاً أن إعادة فتح قنوات الحوار وتوسيع مجالات التعاون تمثل مؤشرات إيجابية تساعد تدريجيا على بناء قدر من الثقة بين الجانبين. لكنه يشدد في المقابل على أن هذه الثقة ستظل محدودة بسبب استمرار الخلافات البنيوية المرتبطة بالصراع على الريادة الاقتصادية والتكنولوجية، معتبرا أن ما يحدث حاليا أقرب إلى “إدارة للخلاف” وليس تسوية نهائية له.

وفيما يتعلق بالعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، يرى وائل خليل ياسين أن الاتفاقات المرتبطة بهذا الملف تحمل أهمية استراتيجية كبرى، نظراً لارتباطها المباشر بالصناعات التكنولوجية المتقدمة، من أشباه الموصلات إلى تقنيات الطاقة النظيفة. ويشير إلى أن أي تنسيق بين بكين وواشنطن في هذا المجال يساهم في تعزيز استقرار سلاسل الإمداد العالمية ويمنح الأسواق الدولية قدراً أكبر من اليقين، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من اضطرابات الإمدادات العالمية. غير أنه يلفت إلى أن هذا التعاون لا يلغي استمرار توجه الولايات المتحدة وحلفائها نحو تنويع مصادر التوريد وتقليص الاعتماد على الصين، بما يعكس استمرار منطق الحذر الاستراتيجي رغم مظاهر التفاهم القائمة.

وعلى مستوى التعاون الزراعي وصفقات الطائرات، يعتبر وائل خليل ياسين أن دلالات هذه الخطوات تتجاوز أبعادها الاقتصادية المباشرة، إذ إن توسيع واردات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية يساعد على تحقيق توازن نسبي في الميزان التجاري ويدعم قطاعات إنتاجية حساسة داخل الولايات المتحدة، في وقت تعكس فيه صفقات الطائرات، خاصة مع شركات كبرى مثل “بوينغ”، عودة جزئية للثقة في بعض المجالات الصناعية الكبرى. ويرى أن هذه المؤشرات قد تفتح المجال أمام توسيع التعاون في قطاعات أقل حساسية سياسيا مقارنة بملفات التكنولوجيا المتقدمة والأمن القومي.

ويضيف وائل خليل ياسين أن هذه التفاهمات تكشف عن نمط جديد في إدارة العلاقات الدولية، يقوم على الفصل النسبي بين مجالات التعاون ومجالات التنافس، بحيث يسعى الطرفان إلى الحفاظ على التعاون في الملفات ذات المنفعة المشتركة، مع استمرار التنافس في القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالنفوذ العالمي والتفوق التكنولوجي. ويؤكد وائل خليل ياسين أن العالم لا يعيش اليوم مرحلة نهاية الصراع بين القوى الكبرى، بل مرحلة تنظيم هذا الصراع وإدارته بطريقة تمنع تحوّله إلى مواجهة مفتوحة.

وفي قراءته لمستقبل النظام الدولي، يرى وائل خليل ياسين أن المشهد العالمي يتجه نحو معادلة معقدة تجمع بين التعددية والتنافس في آن واحد، حيث يستمر التعاون في القضايا العالمية الكبرى، مثل الاقتصاد والطاقة والمناخ، بالتوازي مع احتدام المنافسة في مجالات النفوذ والابتكار والتكنولوجيا. ويشير إلى أن الحفاظ على نظام دولي قائم على القواعد واحترام التوازنات الدولية يظل أمراً ضرورياً لتفادي الانزلاق نحو صراعات أوسع قد تهدد الاستقرار العالمي.

ويؤكد وائل خليل ياسين أن التفاهمات التجارية الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة لا تمثل تحولا جذريا في طبيعة العلاقة بين القوتين، بقدر ما تعكس “مرحلة تهدئة محسوبة” داخل سياق أوسع من التنافس طويل الأمد. فهذه التفاهمات، تخفف من حدة التوتر لكنها لا تنهيه، وتفتح آفاقاً للتعاون دون أن تلغي الصراع القائم حول موازين القوى العالمية. ويؤكد أن مستقبل العلاقة بين بكين وواشنطن سيبقى رهنا بقدرتهما على إدارة التوازن الدقيق بين الشراكة والمنافسة، لأن العالم اليوم لا يحتاج إلى غياب الخلافات، بقدر حاجته إلى منع تحولها إلى صدام مفتوح يعيد تشكيل النظام الدولي على وقع الأزمات والمواجهات الكبرى.