السبت، 05 سبتمبر 2026 — 21 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

واشنطن وفرض الهيمنة الامبريالية بقوة السلاح

Author
ميخائيل ماهر 19 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عالم يتغير بسرعة لم تعد أدوات السيطرة التقليدية قادرة وحدها على فرض الهيمنة، ومع ذلك ما زالت واشنطن تعتمد بشكل كبير على القوة العسكرية، باعتبارها الوسيلة الأسرع والأكثر حسما لفرض النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات الدولية، هذا النهج الذي تشكل عبر عقود من التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، يفترض أن التفوق العسكري كفيل بضمان الاستقرار وفق الرؤية الأمريكية، لكنه يتجاهل تحولا جوهريا في طبيعة الصراع الدولي وهو صعود الحروب غير المتماثلة.

الحرب غير المتماثلة لم تعد مواجهة تقليدية بين جيوش نظامية، بل أصبحت صراعا مفتوحا تستخدم فيه الجماعات غير النظامية تكتيكات مرنة تعتمد على الاستنزاف والمباغتة وتفكيك إرادة الخصم بدلا من مواجهته بشكل مباشر، هذا النوع من الحروب أظهر محدودية القوة العسكرية التقليدية، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها في أكثر من ساحة عاجزة عن تحقيق حسم نهائي رغم التفوق التكنولوجي والعسكري، ما كشف عن فجوة بين أدوات القوة الكلاسيكية وطبيعة التهديدات الجديدة.

في المقابل تتبنى بكين مقاربة مختلفة تقوم على توسيع النفوذ عبر الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية دون الانخراط المباشر في صراعات عسكرية واسعة النطاق، هذه الاستراتيجية التي توصف بالقوة الناعمة أو الأقل حدة تركز على خلق شبكات اعتماد متبادل، تجعل الدول المرتبطة بها اقتصاديا أقل ميلا لمعارضتها سياسيا. بكين لا تفرض سيطرتها عبر الدبابات بل عبر الموانئ والطرق والتمويل والمشروعات الكبرى التي تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية

الفرق بين النموذجين لا يكمن فقط في الوسائل بل في النتائج أيضا، فبينما يؤدي الاستخدام المكثف للقوة العسكرية إلى خلق بيئات غير مستقرة وردود فعل مقاومة طويلة الأمد، فإن النفوذ الاقتصادي غالبا ما يتسلل بهدوء ويترسخ بمرور الوقت دون إثارة نفس القدر من العداء المباشر، ومع ذلك فإن هذا النهج ليس خاليا من التحديات إذ قد يثير مخاوف من التبعية الاقتصادية أو النفوذ غير المتكافئ.

المقارنة بين واشنطن وبكين تكشف عن صراع بين نموذجين للهيمنة: الأول يعتمد على الردع والقوة الصلبة والثاني يستثمر في الترابط الاقتصادي والتأثير التدريجي، ومع تغير طبيعة النظام الدولي يبدو أن القدرة على التكيف مع أدوات الصراع الجديدة ستكون العامل الحاسم في تحديد من ينجح في فرض نفوذه ومن يظل أسير أدوات لم تعد كافية لتحقيق السيطرة في عالم متعدد الأقطاب.

Author ميخائيل ماهر
خبير قانون دولي