الثلاثاء، 19 مايو 2026 — 1 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

“واش يقولوا الناس؟”.. ضغط المجتمع يدفع الأولياء لقولبة أبنائهم

Author
بثينة صايفي 19 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

في مجتمعات تُعلي من شأن الصورة الجماعية، وتمنح نظرة الآخرين سلطة غير معلنة، يجد كثير من الأولياء أنفسهم أمام ضغط اجتماعي متزايد يدفعهم، أحيانا دون وعي، إلى توجيه أبنائهم نحو قوالب جاهزة سلفا؛ فبدل أن تكون التربية مساحة لاكتشاف الذات وبناء شخصية مستقلة، تتحول في بعض الحالات إلى عملية “قولبة” تُراعى فيها توقعات العائلة والمحيط قبل ميول الأبناء وطموحاتهم.

هذا الضغط، الذي يتغذى على الخوف من “كلام الناس” والحفاظ على صورة العائلة، لا ينعكس فقط على اختيارات الأبناء الدراسية والمهنية، بل يمتد ليطال طريقة تفكيرهم ونظرتهم لأنفسهم، وبين رغبة الأولياء في حماية أبنائهم وضمان “قبولهم الاجتماعي”، وحق هؤلاء الأبناء في رسم مساراتهم بحرية، تتشكل إشكالية عميقة تستحق التوقف والتحليل.

 

توقعات الآخرين… القيد الخفي الذي يحكم اختياراتنا

وفي هذا السياق، تؤكد المختصة النفسية، تيطراوي سمية، أن الخوف من كلام الناس يُعدّ من أعمق العوائق النفسية – الاجتماعية التي تواجه الفرد في مجتمعنا، وهي ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الرهاب الاجتماعي الجمعي” أو “العيش من أجل الآخر”، فالفرد لا يعيش وفق قناعاته واختياراته، بل وفق ما يتوقعه الآخرون منه، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على الأبناء والشباب ويؤثر في قراراتهم المصيرية وطموحاتهم المستقبلية.

وترجع المختصة جذور هذه الظاهرة إلى أسباب نفسية عميقة، ففي العقلية التقليدية لا يُنظر إلى الفرد ككيان مستقل، بل كامتداد لسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية، وهنا لا يكون الخوف من الناس كأشخاص، بل من فقدان المكانة الاجتماعية المتخيلة. كما يمارس بعض الأهل ما يُعرف بـ”الإسقاط القلق”، إذ يُسقطون مخاوفهم وهشاشة ثقتهم بأنفسهم على قرارات أبنائهم، فتصبح “الهدرة” (كلام الناس) هي المعيار الذي يُقاس به النجاح أو الفشل، بدلا من أن تكون السعادة الشخصية وتحقيق الذات هما المعيار الحقيقي.

سمية تيطراوي مختصة ومعالجة نفسية عيادية
سمية تيطراوي مختصة ومعالجة نفسية عيادية

أما من حيث الآثار النفسية على الأبناء والشباب، فتظهر النتائج بوضوح عند اصطدامهم بسؤال: “ماذا سيقول الناس عنا؟”، أولى هذه النتائج تآكل الهوية، إذ يبدأ الشاب في التساؤل عن ذاته ورغباته الحقيقية، ومع مرور الوقت تذوب طموحاته الخاصة ليصبح نسخة ترضي المجتمع، ما يولد شعورا بالاغتراب النفسي، كما ينخفض تقدير الذات، لأن قيمة الشاب تصبح مرتبطة برضا الآخرين لا بإنجازاته وقيمه الشخصية، ويضاف إلى ذلك القلق المزمن والاحتراق النفسي الناتج عن العيش تحت مراقبة دائمة وضغط مستمر، ما قد يتطور إلى اضطرابات قلق أو اكتئاب بسبب كبت الطموحات والصراع الداخلي بين “ماذا أريد أنا؟” و”ماذا يريدون مني؟”.

 

مجتمعنا يعيش بوجهين: وجه مثالي أمام الناس، وواقع مثقل بالإحباط خلف الأبواب المغلقة

وتشير المختصة كذلك إلى الصراع القائم بين “الأنا” و”النحن”، فالشباب اليوم يعيشون عصر الانفتاح بفضل الإنترنت وتعدد الفرص، بينما لا يزال بعض الأهل متمسكين بنمط اجتماعي منغلق تحكمه نظرة الآخرين، هذه الفجوة تخلق توترا حادا في التواصل، حيث يرى الشاب أن اختياره لتخصص فني أو سفر أو أسلوب حياة مختلف هو حق مشروع، في حين يراه الأهل مخاطرة بسمعة العائلة.

ومن التداعيات الاجتماعية لهذه الفوبيا ما يمكن تسميته بـ”التزييف الاجتماعي”، حيث ينشأ مجتمع يعيش بوجهين: وجه مثالي أمام الناس، وواقع مثقل بالإحباط خلف الأبواب المغلقة هذا التزييف يقتل الإبداع، لأن الإبداع بطبيعته يتطلب الجرأة والخروج عن المألوف، وهو ما تخشاه العائلات التي يحكمها هاجس كلام الناس.

وتوجه المختصة رسالتها إلى الأهل مؤكدة أن الناس لن يعيشوا حياة أبنائهم، ولن يتحمّلوا عنهم نتائج اختياراتهم، فحماية الأبناء لا تكون بسجنهم داخل توقعات اجتماعية ضيقة، بل بتمكينهم نفسيا، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومنحهم مساحة للاختيار والمبادرة وتحقيق نجاحهم الذاتي، في إطار القيم الدينية والأخلاقية التي لا تتعارض مع الطموح المشروع.

 

يجب تفكيك سلطة كلام الناس والتركيز على الإنجاز بدل المظهر الاجتماعي

لا تكتفي المختصة بتشخيص الظاهرة، بل تنتقل إلى طرح حلول عملية لمواجهتها، من خلال تقديم أساليب تساعد على إدارة هذا الصراع، خاصة عبر ما تسميه “التفاوض النفسي” مع الأهل بهدف تفكيك سلطة “كلام الناس”، ومن أبرز هذه الأساليب “إعادة توظيف السمعة”، حيث يتم تحويلها من عامل ضغط إلى دافع إيجابي، عبر ربطها بالنجاح والتميز بدل الخوف من النقد، كما تشير إلى أهمية اعتماد مبدأ “النتائج الصغيرة”، أي تحقيق إنجازات تدريجية وملموسة تُطمئن الأهل وتخفف من قلقهم تجاه الخيارات غير المألوفة.

وفي هذا السياق، تشدد على ضرورة إعادة ترتيب الأولويات، بالتركيز على الإنجاز الحقيقي بدل الانشغال بالمظهر الاجتماعي، مع دعم الأبناء في المسارات التي يختارونها بأنفسهم، حتى وإن بدت خارج النمط السائد، شرط مرافقتهم بالتوجيه الواعي والثقة.

وتخلص المختصة إلى أن التحرر من هيمنة “كلام الناس” لا يعني التمرد على المجتمع، بل هو خطوة أساسية نحو بناء أفراد متوازنين نفسيا، قادرين على الإبداع والإسهام بفاعلية داخل مجتمعهم.

 

فوبيا كلام الناس… حين تتحول التربية إلى قيد يكبّل شخصية الأبناء

من جهة أخرى، تؤكد المختصة النفسية، سميرة فكراش، أن فوبيا “كلام الناس” تُعد من أخطر السلوكات التربوية السلبية، لما تخلّفه من تأثيرات عميقة على الأبناء والشباب، فهي تندرج ضمن ما يُعرف بالرسائل القهرية التي يتلقاها الفرد داخل الأسرة أو المدرسة أو في محيطه الاجتماعي، حيث يصبح رأي المجتمع المرجع الأساسي في تقييم السلوك والاختيارات، ما يحوّله إلى وسيلة ضغط غير مباشرة تُمارَس على الطفل منذ سنواته الأولى.

سميرة فكراش مختصة نفسية
سميرة فكراش مختصة نفسية

وتوضح المختصة أن هذا النوع من الرسائل يترك آثارًا نفسية عميقة، إذ يدفع الطفل إلى الانسياق داخل قالب جاهز ومحدد سلفًا، بدل أن يُمنح فرصة حقيقية لاكتشاف ذاته وبناء هويته الخاصة، ومع مرور الوقت، ينعكس هذا الأسلوب سلبًا على توازن الشخصية، وعلى مهارات التواصل، ويُضعف تقدير الذات والثقة بالنفس، لأنه يقوم في جوهره على كبت الطموح الفردي مقابل السعي المستمر لإرضاء الآخرين.

 

الأسرة تطلب من الأبناء أن يكونوا صورة طبق الأصل عن العائلة الكبيرة

كما تشير المختصة إلى أن الخوف من ردة فعل المجتمع يجعل الأسرة تخشى أن تُتهم بالتقصير في تلبية توقعات العائلة الكبيرة، فتعيش تحت ضغط أن تكون صورة طبق الأصل عنها. ونتيجة لذلك، يُمارس الضغط على الأبناء باعتبارهم امتدادًا لصورة العائلة، فيُطلب منهم أن يكونوا نسخة مكررة من الجيل السابق، لا أفرادًا بملامحهم الخاصة وطموحاتهم المستقلة.

وتحذر المختصة من أن هذا النمط من المعاملة يُنمّي لدى الابن الشعور بالذنب، خاصة عندما يُخاطب بعبارات مثل “يجب أن تكون مثاليًا” أو “عليك أن تكون نموذجًا للآخرين” هذه الرسائل المشفرة والقهرية تتراكم مع مرور الوقت، فتُضعف ثقته بنفسه وبالآخرين، وتجعله يعيش في صراع داخلي بين ما يريده لنفسه وما يُفرض عليه، وإذا اختار الابن مسارا مخالفا لرغبة الأسرة، تنشأ صراعات حادة، لأن بعض الأسر تسعى إلى تحقيق أحلامها المؤجلة من خلال أبنائها.

 

يجب اعتماد فن الحوار بدل أسلوب اللوم والعتاب المستمر

وتؤكد المختصة النفسية، في ختام حديثها، على ضرورة اعتماد فن الحوار بدل أسلوب اللوم والعتاب المستمر، فالإنصات للأبناء والتفاعل مع طموحاتهم بوعي وتفهم يفتح باب التوافق النفسي والأسري، بدل أن تكون حياتهم موجهة فقط بكلام الآخرين، كما تدعو إلى تحقيق توازن نفسي وجماعي داخل الأسرة، بعيدا عن منطق التضحية المشروطة بالعتاب، مثل العبارات المتكررة: “أنا ضحيت من أجلكم”.. فالتربية السليمة تقوم على الدعم والتوازن، لا على تأنيب الضمير أو الضغط باسم المجتمع.

 

المجتمع أصبح مثقلا بظاهرة “كلام الناس”

وفي نفس السياق، ترى المختصة في علم الاجتماع، زهرة فاسي، أن النسيج المجتمعي أصبح مثقلًا بظاهرة “كلام الناس”، سواء داخل الأسر أو خارجها، وحتى في محيط الأقارب المقرّبين، فقد تحوّل هذا السلوك إلى منبع للعديد من الخلافات اليومية، إذ يشعل فتيل الأحقاد والبغضاء، ويغذي صراعات قد تبدأ بكلمة عابرة وتنتهي بقطيعة طويلة الأمد.

زهرة فاسي مختصة في علم الاجتماع
زهرة فاسي مختصة في علم الاجتماع

وتوضح المختصة أن فوبيا الكلام الزائد والمسيء لم تعد مجرد سلوك فردي، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تُهدد الروابط الأسرية وصلة الرحم، خاصة بين الإخوة والأعمام والأصهار، وتشير إلى أن كثيرا من القضايا التي تصل إلى المحاكم يكون أصلها كلاما جارحا أو قذفا أو سبا وشتما، ما يعكس خطورة الكلمة حين تتحول إلى أداة هدم بدل أن تكون وسيلة تواصل وبناء.

وتُرجع زهرة فاسي استمرار هذه الظواهر الاجتماعية إلى ضعف الوازع الديني وتراجع ثقافة التسامح والحوار داخل المجتمع، فغياب قيم التغاضي، وضبط اللسان، واحترام خصوصيات الآخرين، يجعل الخلافات تتضخم لأتفه الأسباب، وتتحول إلى نزاعات يصعب احتواؤها.

كما تؤكد أن هذا الفكر المجتمعي الخاطئ لا يقتصر أثره على العلاقات الخارجية، بل يمتد إلى داخل الأسرة نفسها، حيث يتأثر الآباء والأمهات بهاجس كلام الناس، فيلجؤون إلى كبح أبنائهم ومنعهم من اختياراتهم وطموحاتهم خوفا من الانتقاد الاجتماعي، غير أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يخلق لدى الأبناء حالة من التمرد والرفض، ويدفعهم أحيانا إلى اتخاذ قراراتهم بعيدا عن توجيه الأولياء، ما يعمق الفجوة داخل الأسرة بدل أن يحافظ على تماسكها.

وتخلص المختصة إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب وعيا جماعيا بأثر الكلمة، وتعزيز ثقافة الاحترام والتسامح، إلى جانب إعادة الاعتبار للحوار داخل الأسرة والمجتمع، حتى لا يبقى “كلام الناس” سببا في تفكك العلاقات وضياع الطموحات.