الخميس : 06-10-2022

“وعد بلفور”..شؤم بريطاني وآثام صهيونية ورهان عربي قادم

تطلّ الذكرى الـ 104 لـ “وعد بلفور”، الثلاثاء، لتتفاعل معها عدّة أسئلة وطروحات عما مضى وما سيكون، فبعدما تسبّبت يد بريطانية رعناء في تعميق مآسي الفلسطينيين، وأمعنت الآثام الصهيونية في تقتيلهم واستنزافهم وتشريدهم، تبرز أهمية نشوء رهان عربي مغاير على أهبة القادم.

يمثّل “وعد بلفور” تلك الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور، وزير خارجية بريطانيا بتاريخ الثاني نوفمبر 1917 إلى اللورد اليهودي ليونيل والتر دي روتشيلد، مبرزًا فيها تأييد حكومة بريطانيا لإنشاء “وطن قومي لليهود” على أرض فلسطين، علمًا أنّ الحكومة البريطانية عرضت وعد بلفور على الرئيس الأمريكي توماس وودرو ولسون (1856 – 1924)، الذي أقرّ محتواه إلى جانب فرنسا وإيطاليا.

وتضمّنت الرسالة: “تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤت بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.

بيد أنّ آل صهيون استخدموا الوعد لإقامة كيانهم المزعوم في أرض فلسطين، رغم أنّهم لم يشكّلوا آنذاك سوى 50 ألفًا أي 5% فقط من عدد السكان الأصليين، إضافة إلى بعض الشتات عبر العالم، في وقت كان عدد الفلسطينيين يربو عن 650 ألفًا، ومع ذلك ارتضى عرّابو “وعد بلفور” التمكين للأقلية المستقدمة على حساب الغالبية المتجذرة، وهو ما أفرز بعد 31 عامًا، منعرجًا أكثر إجرامية حيث أجهزت العصابات الصهيونية بإسناد بريطاني على الفلسطينيين في سلسلة مجازر فظيعة طالت 530 قرية عام 1948 الموسوم “نكبة فلسطين” والذي انتهى بطرد قرابة مليون فلسطيني من أراضيهم، وإقامة مستوطنات.

وبعد سلسلة الفجائع التي نهشت الفلسطينيين في “بلدة الشيخ”، “دير ياسين”، “أبو شوشة”، “الطنطورة”، “قبية”، “قلقيلية”، “كفر قاسم”، “خان يونس” وغيرها، لا يزال الفلسطينيون يكابدون ألوانًا من الإبادة والحصار والنهب وتكريس الاستيطان، وسط تواطؤ دولي وخذلان عربي

ويرى متابعون أنّ القضية الفلسطينية مقبلة على مرحلة جديدة لها ما بعدها، خصوصًا بعد الإرباك الذي وقعت فيه الحكومة الصهيونية غداة العدوان الأخير على غزة، ويملك الفلسطينيون أوراقا رابحة كثيرة أبرزها مواصلة الانتفاضة والمقاومة بكل أشكالها وفي كل أراضيهم، كما هو حاصل حاليا ما سيخلق ارتباكًا أكبر لدى الاحتلال ويزيد من التعاطف الدولي مع الفلسطينيين وسط الأمة العربية والإسلامية والعالم أجمع، على اعتبارهم شعبا أعزل يقاتل دولة نووية بصدور عارية بالحجارة والأسلحة الخفيفة.

يضاف إلى ذلك النشاط الديبلوماسي، حيث تتحرك القيادة الفلسطينية لمطالبة المجتمع الدولي والجامعة العربية ومجلس الأمن باتخاذ قرارات إيجابية لصالح الفلسطينيين ولجم حكومة الكيان، ودفع الأنظمة العربية المطبعة لوقف التطبيع وسحب سفرائها، وهذا إن حصل سيكون له تأثير كبير على مجرى الأحداث.

تصنيع بذور الحياة بعيدًا عن طوق الواجهات

يقود الحديث عن مشهد العام الـ 104 لوعد بلفور إلى حتمية استشراف المستقبل العربي، حتى وإن كان ذاك صعبًا اعتبارًا لأنّ صناعة المستقبل في هذه الرقعة من العالم محكومة بنوعين من العوامل:

عوامل القوة والضعف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية المعروفة، وعوامل أخرى تتعلق بالمعتقدات والموروث الديني والقيمي الذي كثيرا ما يوظّف من طرف القوى الراغبة في تغيير التوازنات وصناعة واقع مختلف.

ومن الأمثلة العاكسة لذلك الثورة الجزائرية، والمقاومة الإسلامية في لبنان، وحركة الكفاح في فلسطين، ومن البداهة أنّ هذه الرقعة من العالم تعتبر أكثر المناطق حساسية وأهمية لما تحتويه من ثروات مادية وبشرية ومعنوية، ولما تمتلكه من تاريخ وتراث حضاري عريق عكسته مختلف مراحل وصور الصراع بين الحضارة العربية الإسلامية والقوى الدولية المعادية لها قديمًا وحديثًا.

وإذا كان العالم العربي يمرّ بمرحلة ضعف مؤقت، لكنه يحمل في ثناياه بذور الحياة التي تتمثل في الكثير من المحاولات الجادة من أجل صناعة مستقبل أفضل رغم الطوق المحكم من طرف أنظمة وأجهزة الحكم والكثير من النخب والواجهات المصنوعة.

ولذلك فنهايات الصراع بين بذور الحياة والواجهات المصنوعة ونتائجه هي التي ستحدّد المستقبل العربي، والاستشراف الصحيح هو القادر على رصد بذور الحياة في ثنايا الوطن العربي، وقدرتها على التفاعل والتأقلم والتموقع ضمن التوازنات الحالية، وإصرارها الدائم على تغييرها باستمرار من أجل القضاء على الضعف المؤقت وصناعة القوة المنشودة، واسترجاع الحق المشروع للوطن العربي على الأقلّ في التمتّع بعوامل القوة التي يمتلكها، ولما لا في الطموح المشروع لقيادة العالم أو على الأقل جزء منه.

فبعد أن تحرّرت جميع الأقطار العربية من الاستعمار المباشر (عدا فلسطين والصحراء الغربية)، يشهد الوطن العربي اليوم الكثير من التطورات الإيجابية، كروح المقاومة التي سكنت في وجدان المواطن العربي، وصمود الشعب الفلسطيني واختياره لمشروع المقاومة، كل ذلك وغيره شكل إرباكًا للآخر تجلى  في فشل مشروع السلام وخارطة الطريق الخاصة بمشروع “الشرق الأوسط الكبير”، وما تفعله أمريكا وحلفاؤها في صناعة بؤر توتر جديدة، وهذا يؤسس لتموقع عربي إسلامي في مواجهة اللوبي الصهيوني في أمريكا والغرب، والواقع أنّ الحرب النفسية والضغط الكبير جدا الممارس في هذه المرحلة على المهاجرين العرب، يفرض على الدول العربية مد يد العون لهؤلاء على الصعيدين الرسمي والشعبي، وتشجيعهم على مواصلة بناء اللوبي العربي الذي يمثل هدفا استراتيجيًا لا بدّ منه.

والملاحظ أنّ وسائل المواجهة البارزة هذه جاءت بعد أن فشلت مخططات ومحاولات التخويف من الإسلام، وإلصاقه زورًا بالإرهاب، وصناعة الواجهات المزيّفة كـ “داعش” و”القاعدة” وغيرهما من وسائل الصراع المنتجة في مخابر دولية متخصصة لا تخفى على أي مثقف عربي واعٍ.

إنّ روح المقاومة التي ستتجذر كثقافة سائدة وستتحول مع الوقت إلى عامل تغيير مهمّ، ستدفع بالمواطن العربي ليتجرأ على كسر الأطواق وتجاوز سياسات الأمر الواقع وصناعة المبادرة على جميع الأصعدة، وستتقلص قبضة الأطواق المضروبة على القوى الحية في الأمة من طرف الواجهات المصنوعة، علمًا أنّه طوال المرحلة التي تلت التحرّر من الاستعمار عملت الكثير من الأنظمة والأجهزة والنخب والواجهات التي صُنعت، على قتل روح المبادرة لدى المواطن العربي وغرست فيه اليأس والقنوط، وساهمت في برمجته على قبول سياسات الأمر الواقع، في استعمار جديد بوسائل جديدة أريد لها أن تتقاطع مع ضرورات “الاستقلال السياسي الشكلي” في كثير من البلدان، إلاّ أنّه كما يقال الضغط يولّد الانفجار، إذ تشي الثقافة الجديدة لعرب 2021، بتصنيع معادلة أخرى ستدفع بالمواطن العربي إلى الانخراط في مبادرات تحرّره من كل المؤثرات السلبية المذكورة، وسيتسابق على الالتفاف حول المبادرات الجادة التي ستساهم بفعالية في صناعة المستقبل .