السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

وليد تغيوارت لـ”الأيام نيوز”: معرض “دزايرنا” إحساس عميق بضوء الوطن

Author
هارون عمري 13 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يقدم الفنان والمهندس، وليد تغيوارت، تجربة بصرية استثنائية ضمن معرضه الجديد “دزايرنا”، الذي تحتضنه الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي في فضاء دار عبد اللطيف التاريخي بالعاصمة، حيث يغوص هذا المبدع المنحدر من ولاية برج بوعريريج في أعماق الذاكرة المكانية الجزائرية، مستحضرا تفاصيل معمارية وجمالية من مدن متفرقة. وتتميز أعماله بتوظيف ذكي للهندسة والأشكال المتداخلة والألوان المعبرة التي تعكس عمق الانتماء وتبرز الجوانب الروحية للفضاءات اليومية بعيدا عن النقل التوثيقي المباشر.

تفتح هذه التجربة التشكيلية المنجزة حديثا نوافذ متعددة لقراءة المشهد العمراني الجزائري، من منظور يزاوج بين الصرامة الهندسية والتدفق العاطفي للألوان والظلال، وهو ما يستدعي تفكيكا دقيقا لخبايا هذا المعرض وفلسفة الفنان في التعامل مع الذاكرة عبر هذا النقاش المفصل.

معرض دزايرنا في دار عبد اللطيف

“الأيام نيوز”: يحمل معرضك عنوان “دزايرنا” المنفتح على قراءات متعددة.. فماذا تمثل الجزائر في هذا المشروع، وهل تعكس مكانا عشته أم إحساسا بصريا ثبّته على القماش؟

وليد تغيوارت: يشكل معرض “دزايرنا” بالنسبة لي إحساسا عميقا وذكريات وعلاقة شخصية مع الوطن، وتتجسد في الجزائر كما رأيتها وعشتها وشعرت بها في الضوء وفي التفاصيل الصغيرة وفي الأماكن وفي الأجواء التي يتركها الفضاء داخلنا، حيث حاولت أن أنقل هذا الإحساس في اللوحات لتجاوز التقديم المباشر للمكان.

“الأيام نيوز”: تتجاوز لوحات دزايرنا الجانب التوثيقي لتعانق أبعادا تأملية.. فما أسباب اختيارك للاقتراب من الجزائر عبر الإيحاء والذاكرة وتجاوز الصورة الواقعية المباشرة؟

وليد تغيوارت: سعيت في هذا المعرض إلى إيصال روح المكان والابتعاد عن التوثيق الواقعي المباشر، وتتميز الجزائر بكونها تحمل الحنين والذاكرة والإحساس، ولهذا اشتغلت بكثافة على الإيحاء والضوء والجو العام حتى يجد كل شخص مساحة يشعر ويتأمل من خلالها بطريقته الخاصة.

“يشكل معرض دزايرنا بالنسبة لي إحساسا عميقا وذكريات وعلاقة شخصية مع الوطن، وتتجسد في الجزائر كما رأيتها وعشتها وشعرت بها في الضوء وفي التفاصيل”.

“الأيام نيوز”: يحضر المكان المعماري بقوة في تفاصيل أعمالك.. فهل تنظر إلى العمارة كعنصر جمالي وحامل أساسي للذاكرة والهوية في تجربتك التشكيلية؟

وليد تغيوارت: تمثل العمارة بالنسبة لي ذاكرة وهوية متجذرة تتجاوز الأبعاد الجمالية المحضة، وتحكي الأزقة والأبواب والأقواس وحتى الفراغات عن الناس وعن الزمن الذي مر من هناك، وربما تكويني كمهندس جعلني أنظر إلى المكان بحساسية خاصة، غير أنني في اللوحة أهتم بالجانب الإنساني والشعوري الذي يحمله.

“الأيام نيوز”: يشتغل اللون في معرضك كحالة شعورية عميقة.. فكيف تبني علاقتك بالضوء، وما الذي يمثله الأزرق على وجه الخصوص داخل دزايرنا؟

وليد تغيوارت: يرتبط اللون عندي بالإحساس قبل أي شيء، ويشكل الضوء عنصرا مهما جدا في عملي لمنحه الحياة والروح للمكان، ويمتلك الأزرق مكانة خاصة داخل دزايرنا لتعبيره عن الهدوء والعمق والتأمل، وعن البحر والسماء اللذين يظلان حاضرين دائما في ذاكرتنا الجزائرية.

“تمثل العمارة بالنسبة لي ذاكرة وهوية متجذرة تتجاوز الأبعاد الجمالية المحضة، وتحكي الأزقة والأبواب عن الزمن الذي مر من هناك”.

“الأيام نيوز”: تمنح إقامة المعرض في دار عبد اللطيف بعدا رمزيا.. فإلى أي حد شعرت أن هذا الفضاء التاريخي حاور لوحاتك وأعاد توجيه قراءتها؟

وليد تغيوارت: تمتلك دار عبد اللطيف روحا خاصة وتاريخا فنيا كبيرا يمنح المعرض معنى إضافيا، وقد شعرت بتحاور اللوحات والمكان بطريقة طبيعية، حيث عاش الجمهور الأعمال بشكل مختلف بفضل الجو والذاكرة التي يحملها هذا الفضاء.

“الأيام نيوز”: تقدم قراءة شخصية للجزائر بينما يدخل الزائر بذاكرته الخاصة.. فكيف تتخيل علاقة المتلقي بهذه الأعمال، وهل يهمك تفاعله العاطفي معها؟

وليد تغيوارت: يهمني بقوة أن يعيش المتلقي اللوحة ويشعر بها بطريقته الخاصة، حيث تنتفي القراءة الواحدة الصحيحة للفن، ويأتي كل شخص بذكرياته وإحساسه الخاص، وتتجلى الأهمية بالنسبة لي في استطاعة اللوحة خلق إحساس أو استرجاع ذكرى لدى المتلقي متجاوزة الفهم الحرفي.

“تمتلك دار عبد اللطيف روحا خاصة وتاريخا فنيا كبيرا يمنح المعرض معنى إضافيا، ويخلق حوارا طبيعيا متبادلا مع اللوحات”.

“الأيام نيوز”: ما الذي يمكن أن يميز المرحلة المقبلة في مسارك الفني، وهل سيظل المكان الجزائري مركز انطلاقك نحو آفاق تعبيرية جديدة؟

وليد تغيوارت: تشكل دزايرنا مرحلة مهمة جدا بالنسبة لي وتؤسس لمحطات قادمة، وسيبقى المكان الجزائري حاضرا في أعمالي لكونه جزءا من هويتي، وأطمح في نفس الوقت إلى الانفتاح على تجارب وتعبيرات جديدة أكثر حرية وتجريدا، مع الحفاظ دائما على العلاقة المتينة بين الضوء والذاكرة والإحساس بالمكان.

“الأيام نيوز”: تتشكل الشخوص في لوحاتك من المفردات الهندسية ذاتها للعمارة المحيطة بها.. فهل ترمز هذه البنية المتداخلة إلى ذوبان الإنسان الجزائري في تفاصيل مكانه وانصهاره التام مع ذاكرته العمرانية؟

وليد تغيوارت: تمثل الشخوص في أعمالي امتدادا طبيعيا للمكان وتتفاعل معه بانسجام، وكنت أبحث عن علاقة الإنسان الجزائري بفضائه اليومي وكيفية تحول العمارة مع الزمن إلى جزء من هويته النفسية والبصرية، وجاءت الأجساد لذلك مبنية بالمفردات الهندسية نفسها التي تشكل الجدران والأقواس، وكأن الإنسان يحمل ذاكرة المكان داخله ويذوب تدريجيا في تفاصيله محتفظا بحضوره الإنساني.

“سيبقى المكان الجزائري حاضرا في أعمالي لكونه جزءا من هويتي، وأطمح في نفس الوقت إلى الانفتاح على تجارب وتعبيرات جديدة”.

“الأيام نيوز”: يتكرر عنصر القوس المظلم كخلفية صامتة تحتضن الشخوص في عدة أعمال فما الدلالة النفسية أو الرمزية لهذا الفراغ الداكن الذي يمتد في عمق اللوحة ويؤطر المشهد الإنساني؟

وليد تغيوارت: يشكل القوس المظلم بالنسبة لي مساحة صمت وتأمل عميقة، ويمثل ذاكرة تستوعب المشهد وتحمل شيئا من الغموض والحنين في الوقت نفسه، ويخلق هذا العمق الداكن توازنا مع الضوء والألوان، ليمنح الشخصيات إحساسا بالعزلة أحيانا وبالحماية أحيانا أخرى وكأنها تعيش داخل ذاكرة مفتوحة على الماضي.

“الأيام نيوز”: تعتمد في صياغة الفضاء البصري على تراكم هندسي يشبه المتاهة المعقدة.. فكيف يعكس هذا التشابك الكثيف للأشكال والخطوط تعقيدات الذاكرة وتداخل مساراتها الزمنية؟

وليد تغيوارت: تمثل الذاكرة بالنسبة لي شبكة متداخلة من التفاصيل والمشاعر والأماكن المتشابكة، ويظهر الفضاء البصري لهذا السبب بشكل متراكم متقارب مع المتاهة المفتوحة، ويعكس هذا التعقيد الهندسي الطريقة التي تختلط بها الذكريات داخلنا، حيث تتعايش لحظات من الطفولة وأماكن قديمة وإحساس بالزمن المتراكم في مساحة واحدة داخل اللوحة.

“يشكل القوس المظلم بالنسبة لي مساحة صمت وتأمل عميقة، ويمثل ذاكرة تستوعب المشهد وتحمل شيئا من الغموض والحنين”.

“الأيام نيوز”: قدمت عنصر الشجرة الطبيعي بالمنطق الهندسي الصلب نفسه الذي تبني به الجدران.. فهل تخضع كل العناصر الحية في رؤيتك الفنية لسطوة الذاكرة العمرانية، وما سر هذا التطويع الهندسي للطبيعة؟

وليد تغيوارت: تخضع العناصر الطبيعية في أعمالي بدورها للبناء الهندسي نفسه، بناء على رؤيتي للذاكرة التي تعيد تشكيل كل ما نراه بأسلوبها الخاص، وتصبح الشجرة هنا جزءا من اللغة البصرية العامة للعمل متجاوزة النقل الحرفي للطبيعة، ويمنح هذا التطويع الهندسي انسجاما بين الإنسان والمكان والطبيعة، وكأن جميع العناصر تنتمي إلى الذاكرة نفسها وتتحرك داخل الإيقاع ذاته.

“الأيام نيوز”: تبدو ملامح الشخوص مجردة وأقرب إلى الأقنعة الهندسية الثابتة.. فهل تعمدت تغييب الملامح الفردية الدقيقة لصالح إبراز الحالة الشعورية العامة للمكان، وتركيز الانتباه على لغة الجسد المندمج مع محيطه؟

وليد تغيوارت: تعمّدت تبسيط الملامح وتحييد التفاصيل الفردية لتقديم حالة شعورية جماعية مرتبطة بالمكان بعيدا عن البورتريهات المحددة، وأردت أن تصبح الشخصيات أقرب إلى رموز إنسانية تحمل الإحساس وتتجاوز الهوية الفردية الضيقة، وركزت لذلك على وضعية الجسد وعلى اندماجه مع المحيط المعماري حتى يشعر المتلقي بأن الإنسان والمكان يتحدثان اللغة البصرية نفسها.

“تعمدت تبسيط الملامح وتحييد التفاصيل الفردية لتقديم حالة شعورية جماعية مرتبطة بالمكان بعيدا عن البورتريهات المحددة”.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"