الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

وليد عبد الحي لديه إجابة.. كيف يجب أن تتصرّف إيران تفاوضيا بعد الحرب؟

Author
ربيعة خطاب 24 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

ينطلق وليد عبد الحي، في مقاله المعنون “ما بعد المعركة الإيرانية – نداء للدبلوماسية الإيرانية”، من تقديم تصوّر عملي موجّه للدبلوماسية الإيرانية، حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا يكتفي بتشخيص مآلات الصراع، بل يطرح ما يشبه خارطة طريق لما ينبغي أن تركّز عليه طهران على طاولة المفاوضات. وفي هذا السياق، يدعو إلى توظيف اللحظة الدولية الراهنة لصياغة أجندة ذكية، تضع القضية الفلسطينية والملف النووي في صلب التفاوض، باعتبارهما المدخل الأكثر فاعلية لتعزيز الموقف الإيراني، وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

أول ما يلفت أن مقال وليد عبد الحي، المنشور على صفحته بموقع فيسبوك، يأتي بوصفه نصا موجّها بشكل مباشر إلى صانع القرار الدبلوماسي في طهران، أكثر منه مجرد قراءة تفسيرية لمسار الصراع. فعبد الحي لا يكتفي بوصف البيئة الدولية أو تشخيص أهداف الخصوم، بل يبني طرحه على سؤال عملي: كيف يجب أن تتصرف إيران تفاوضيا بعد الحرب؟ وما هي الأولويات التي تضمن لها تعظيم مكاسبها السياسية؟

هذا السؤال نفسه طرحته “الأيام نيوز” على الدكتور عبد الحي، الذي أوضح أن طبيعة التصرف الإيراني تبقى رهينة بنتائج الحرب وتعقيداتها، مشيرا إلى تعدد السيناريوهات المحتملة التي تحكم سلوك طهران التفاوضي. فالأمر، بحسبه، يتوقف أولا على ما إذا كان النظام السياسي سيبقى على حاله أو سيتعرض لتغيير، كما يرتبط بإمكانية حدوث تدخل بري من عدمه، أو تراجع الولايات المتحدة عن الانخراط في الحرب.

ويضاف إلى ذلك عامل اقتصادي لا يقل أهمية، يتمثل في احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، فضلا عن مواقف القوى الدولية والإقليمية، وعلى رأسها روسيا والصين وإسرائيل ودول الخليج. كل هذه المحددات، كما يؤكد، تفرض مقاربات مختلفة، وتستدعي دراسة كل احتمال على حدة، خصوصا أن نهاية القتال نفسها قد تأخذ أشكالا متعددة، سواء نتيجة إنهاك متبادل بين الأطراف، أو عبر وساطة دولية، أو من خلال تدخل مجلس الأمن.

ومن جانبه، فإن المحلل السياسي سليمان الفهد، يضيف – عبر تصريحه لـ”الأيام نيوز” – بعدا تكميليا لفهم هذه المرحلة الدقيقة. فقد أشار الفهد إلى أن الحكومات الإيرانية على مر العقود لم تغلق أبدا باب المفاوضات، بل كان من ثوابتها أن تقبل النقاشات مع الولايات المتحدة من موقع القوة، دون الخضوع لشروط أمريكية مسبقة.

المطلوب.. تثبيت ما تحقق ميدانيا

وأوضح الفهد أن إيران لم تفاوض على أي ملفات سوى البرنامج النووي العسكري، متمسكة بعدم التنازل بشأن البرنامج النووي السلمي، أو الصواريخ، أو محور المقاومة. ووفق الفهد، فإن المرحلة القادمة تتطلب من طهران التعامل مع ما بعد الحرب بواقعية وحذر، عبر الحفاظ على موقعها التفاوضي القائم على القوة، دون تقديم تنازلات تمس ركائز سيادتها الوطنية. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت ما تحقق ميدانيا، وتحويله إلى مكاسب سياسية واضحة، مع التركيز على رفع الضغوط والعقوبات، وضمان الاعتراف بالدور الإقليمي لإيران، وإدارة التفاوض بخطوات محسوبة تجمع بين الانفتاح والحزم.

في هذا السياق، كان الكاتب وليد عبد الحي – في مقاله سالف الذكر – قد وضع قاعدة مركزية مفادها أن ما بعد الحرب هو لحظة حاسمة لإعادة إنتاج النتائج عسكريا في المجال السياسي، وهو ما يعبّر عنه بقوله إن “ما يحصده منجلُ الحرب تظهرُ محاصيلُه على بيدرِ التفاوضِ السياسي”.

هذه الفكرة تؤسس لكل ما يليها، إذ يعتبر أن أي إنجاز عسكري، ما لم يُترجم إلى أوراق تفاوضية، يظل ناقص الأثر. ومن هنا، ينتقل مباشرة إلى تحديد طبيعة الصراع، معتبرا أن الهدف الحقيقي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل هو “تغييرُ النظام السياسي في إيران”، وهو توصيف يمنح مقاربته طابعا استراتيجيا، لأنه يفترض أن التفاوض ليس حول ملفات جزئية، بل حول موقع إيران ودورها في الإقليم.

انطلاقا من هذا الفهم، قدّم عبد الحي توصية جوهرية تتمثل في عدم انطلاق إيران من ملفاتها الخاصة المباشرة، مثل العقوبات أو النفوذ الإقليمي، بل من قضايا كبرى ذات بعد دولي. وهنا تتضح دقة طرحه، إذ لا يدعو إلى تجاهل هذه الملفات، بل إلى تأجيلها تكتيكيا، مقابل فرض أجندة أوسع تمنح إيران موقع المبادِر. لذلك يضع في صدارة هذه الأجندة القضية الفلسطينية، ليس باعتبارها مجرد قضية تضامن، بل بوصفها، حسب تعبيره، “القضة الأم” وذلك، “لعدم الاستقرار في المنطقة”، بل ويربطها بسلسلة الحروب التي شهدها الشرق الأوسط، معتبرا أن معظمها يرتبط بها بشكل أو بآخر.

 

فلسطين والملف النووي أساس التفاوض

تحليل عبد الحي لطرح القضية الفلسطينية يقوم على ركيزتين: الأولى تتعلق بالتحول في البيئة الدولية، حيث يشير إلى أن مستوى التعاطف العالمي مع الفلسطينيين بلغ مرحلة غير مسبوقة، بقوله “لم يكن التعاطف الشعبي أو الرسمي في العالم متفهما للمعضلة الفلسطينية كما هو الآن”. والثانية تتعلق بالمصالح الأوروبية والأمريكية، إذ يرى أن استمرار الصراع بات ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي، من الطاقة إلى التجارة والهجرة، فضلا عن وجود مؤشرات “تململ” داخل الولايات المتحدة من كلفة الدعم غير المشروط لإسرائيل. هذه المعطيات، في نظره، تخلق فرصة يجب أن تستثمرها إيران عبر وضع هذا الملف في صلب التفاوض.

لكن أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في وظيفته التفاوضية. فعبد الحي يرى أن إدراج القضية الفلسطينية سيضع إسرائيل في موقع دفاعي صعب، سواء قبلت بمناقشتها أو رفضت، لأن كلا الخيارين يحمل كلفة سياسية. كما أنه يمنح إيران غطاء أوسع، ويضعف الحجة الأمريكية التي تبرر الصراع باعتباره متعلقا بالشأن الداخلي الإيراني.

أما في الملف النووي، فإن عبد الحي لا يقدمه من زاوية الدفاع عن حق إيران، بل يدعو إلى إعادة صياغته ضمن إطار مبدئي قائم على المساواة، من خلال طرح فكرة “اعتبار الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي”. هذا الطرح، كما يقدمه، ينقل النقاش من مستوى تقني يخص إيران وحدها، إلى مستوى استراتيجي يشمل كل المنطقة، ويضع إسرائيل أمام اختبار مباشر، خاصة في ظل عدم خضوعها للرقابة الدولية. كما يعزز هذا الطرح بالدعوة إلى ربطه بالتصريحات الإسرائيلية المتعلقة باستخدام السلاح النووي، بما يمنحه بعدا أخلاقيا وقانونيا إضافيا.

اللافت في تحليل عبد الحي أنه لا يكتفي بتحديد هذين الملفين، بل يشدد على ضرورة ربط مسار التفاوض بهما بشكل صريح، حين يدعو إلى “خلق انطباع بأن مصير أي تفاوض مرتبطٌ بهما تحديدا”. هذا يعني، في جوهره، رفض تجزئة الملفات، والسعي إلى فرض إطار تفاوضي شامل، يعيد ترتيب الأولويات ويمنح إيران قدرة أكبر على المناورة.

وفي الطرح، يقدّم عبد الحي تحذيرا واضحا من الانزلاق إلى منطق المقايضة، أي استخدام هذين الملفين للحصول على مكاسب خاصة. ويصف هذا الخيار بأنه “مخاطرةٌ كبيرة ستفقد إيران كثيرا من مصداقيتها”، ما يعكس إدراكه أن قوة هذه الاستراتيجية تكمن في طابعها المبدئي، لا في تحويلها إلى ورقة تفاوض تقليدية.

كما يوسّع الكاتب دائرة التحليل لتشمل البعد العربي، معتبرا أن نجاح هذه المقاربة يتطلب وعيا عربيا بأهميتها، لأن تحقيق تقدم في الملفين الفلسطيني والنووي يخدم، في نظره، الاستقرار الإقليمي ككل. ومن هنا، يدعو ضمنيا إلى نوع من الإسناد السياسي، بما يحوّل التفاوض إلى ساحة متعددة الأطراف.