الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

يستهلكنا التوتر بصمت.. لماذا نمرض رغم الطعام الصحي؟

Author
بثينة صايفي 09 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عالم لا يتوقف عن إنتاج الضغوط، لم يعد الخطر الذي يهدد الإنسان بالضرورة مرئيًا أو مباشرًا؛ فقد يكون رسالة مقلقة قبل النوم، أو خوفًا من فقدان العمل، أو ضغطًا ماليًا متواصلًا، أو ساعات طويلة أمام شاشة الهاتف.

وبينما يعتقد كثيرون أن الأمراض المزمنة ترتبط فقط بالغذاء ونمط الحياة، يلفت مختصون إلى عامل آخر لا يقل أهمية، وهو التوتر المزمن الذي قد يُبقي الجسم في حالة استنفار مستمرة، فكيف يؤثر الضغط النفسي المتواصل في وظائف الجسم؟ وما علاقة هرمونات التوتر بالصحة الجسدية والعقلية؟

التوتر المزمن.. الخطر الذي لا نراه

يرى الدكتور المختص في التغذية العلاجية، عماد سلامة، أن التوتر المزمن أصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في صحة الإنسان، موضحًا أن نمط الحياة الحديث يجعل الجسم في حالة تأهب مستمرة، حتى في غياب خطر حقيقي، فالمخاوف المهنية، والضغوط المالية، والمقارنات الاجتماعية، والإفراط في متابعة الأخبار واستخدام الهواتف، كلها عوامل قد تدفع الجسم إلى التعامل مع الحياة اليومية وكأنها حالة طوارئ متواصلة.

ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في التوتر بحد ذاته، إذ إن الاستجابة للتوتر تعد آلية طبيعية تساعد الإنسان على التعامل مع المواقف الصعبة والخطيرة، وإنما في استمرار هذه الاستجابة لفترات طويلة دون أن يحصل الجسم على فرصة كافية للراحة واستعادة توازنه. ومع مرور الوقت، قد يتحول التوتر من رد فعل مؤقت إلى حالة شبه دائمة تؤثر في النوم والمزاج والطاقة والتركيز، وتنعكس كذلك على الشهية والعادات الغذائية.

ويضيف أن الجسم تحت الضغط المستمر قد يفرز هرمونات مرتبطة بالاستجابة للتوتر، ما يجعل الإنسان أكثر استعدادًا للتعامل مع الخطر، حتى عندما لا يكون هناك خطر فعلي. ومع تكرار هذه الحالة، يمكن أن يشعر الشخص بالإرهاق المستمر، وسرعة الانفعال، وصعوبة الاسترخاء، واضطراب النوم، كما قد يلجأ البعض إلى الإفراط في تناول الطعام، خصوصًا الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون، بحثًا عن شعور سريع بالراحة.

ويؤكد سلامة أن خطورة التوتر المزمن تكمن أيضًا في أنه قد يكون “خطرًا صامتًا“؛ فالشخص قد يعتاد على القلق والانشغال الدائم إلى درجة أنه يعتبرهما جزءًا طبيعيًا من حياته، من دون أن ينتبه إلى تأثيرهما المتراكم، لذلك، فإن الاهتمام بالصحة لا ينبغي أن يقتصر على الغذاء والنشاط البدني فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا إدارة الضغوط، وتنظيم النوم، وتقليل التعرض المستمر للمحفزات الرقمية والأخبار، وإيجاد فترات يومية للراحة والاسترخاء.

ويشدد على أن التعامل مع التوتر المزمن لا يعني الهروب من مسؤوليات الحياة، وإنما تعلم كيفية إدارة الضغوط بطريقة تمنعها من التحول إلى حالة مستمرة تستنزف الجسم والعقل. فالتوقف لبعض الوقت، والتنفس بعمق، وممارسة النشاط البدني، والحصول على نوم كافٍ، والتواصل الاجتماعي، وتقليل استخدام الهاتف قبل النوم، كلها ممارسات بسيطة يمكن أن تساعد على استعادة قدر أكبر من التوازن.

وفي النهاية، فإن الاستماع إلى إشارات الجسم وعدم التعامل مع الإرهاق المستمر والقلق واضطرابات النوم باعتبارها أمورًا عابرة، يمثل خطوة مهمة نحو الوقاية،فالتوتر الذي لا نراه قد لا يترك أثرًا واضحًا في البداية، لكنه عندما يصبح جزءًا دائمًا من نمط الحياة، قد ينعكس تدريجيًا على الصحة الجسدية والنفسية وجودة الحياة.

الكورتيزول والأدرينالين.. عندما يستمر إنذار الطوارئ

يوضح المتحدث أن الجسم يفرز هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين بصورة طبيعية عند مواجهة الخطر، بهدف تجهيز الإنسان للاستجابة السريعة، غير أن المشكلة تظهر عندما يستمر هذا الإنذار لفترات طويلة نتيجة الضغط النفسي المزمن، ما قد ينعكس على وظائف الجسم المختلفة، مثل النوم والتركيز وضغط الدم والجهاز الهضمي والمناعة.

ويضرب الدكتور مثالًا بشخص يتلقى فجأة رسالة مقلقة أثناء استعداده للنوم، حيث يمكن لمجرد الشعور بالخطر أن يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وارتفاع التوتر واضطراب النوم، ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في هذه الاستجابة العابرة، بل في تكرارها يوميًا بسبب تراكم الضغوط، الأمر الذي يجعل الجسم يعيش لفترات طويلة في حالة من الاستنفار.

ليست المشكلة دائمًا في الغذاء وحده

ويؤكد المختص أن الاهتمام بالغذاء الصحي يبقى عنصرًا مهمًا للحفاظ على الصحة، لكنه يرى أن نمط الحياة النفسي والعصبي لا يقل أهمية، فالتعامل مع الأمراض المزمنة، حسب قوله، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار عوامل متعددة، من بينها التغذية والنشاط البدني والنوم والحالة النفسية ومستوى التوتر.

وللحد من آثار التوتر، يدعو الدكتور إلى تبني عادات يومية تساعد على استعادة الهدوء والتوازن، وفي مقدمتها التقرب إلى الله وممارسة ما يعزز الشعور بالطمأنينة، إلى جانب التنفس العميق الذي يساعد على تهدئة الاستجابة العصبية المرتبطة بالتوتر.

الحركة والطبيعة.. مساحة لاستعادة الهدوء

كما ينصح بالحركة المعتدلة والابتعاد عن نمط الحياة الخامل، مؤكدًا أن المشي وقضاء بعض الوقت في الأماكن المفتوحة والطبيعية يمكن أن يساهم في تحسين المزاج والتخفيف من الضغوط اليومية، دون أن يكون الهدف بالضرورة ممارسة تدريبات رياضية شاقة.

ويشدد المتحدث على أهمية النوم المنتظم، باعتباره أحد أهم عوامل استعادة التوازن الجسدي والعصبي، فالحصول على قسط كافٍ من الراحة يساعد الجسم على تنظيم وظائفه المختلفة والتعافي من آثار الإرهاق والضغط المتراكم خلال اليوم.

العلاقات الإنسانية والضحك كوسيلة لتخفيف الضغط

ولا يغفل الدكتور أهمية التواصل الاجتماعي في مواجهة الضغوط اليومية، داعيًا إلى قضاء وقت منتظم مع الأشخاص الذين يمنحون الإنسان الشعور بالأمان والراحة، ويتيحون له التعبير عن مشاعره دون خوف أو أحكام، فالعلاقات الإنسانية الداعمة يمكن أن تمنح الشخص مساحة للتفريغ النفسي، وتخفف من الإحساس بالعزلة، وتساعده على التعامل مع المشكلات بقدر أكبر من الهدوء والمرونة.

ويشير إلى أن الضحك وممارسة الأنشطة الممتعة لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد وسائل للترفيه، بل يمكن أن يكونا جزءًا من العناية بالصحة النفسية وإدارة الضغط. فاللحظات البسيطة التي تجمع الإنسان بأصدقائه أو أفراد أسرته، مثل الحديث العفوي أو مشاركة موقف مضحك أو ممارسة هواية محببة، تساعد على كسر روتين التوتر وتمنح العقل فرصة للابتعاد مؤقتًا عن التفكير المستمر في المشكلات.

وفي المقابل، ينصح بالانتباه إلى العلاقات التي تستنزف الطاقة النفسية وتبقي الإنسان في حالة دائمة من القلق أو الصراع، والعمل على وضع حدود صحية معها قدر الإمكان. فالحفاظ على دائرة اجتماعية داعمة، إلى جانب تخصيص وقت للمتعة والراحة والضحك، قد يكون من الوسائل البسيطة والفعالة التي تساعد الإنسان على استعادة توازنه ومواجهة ضغوط الحياة بصورة أكثر صحة.

وأشار المختص إلى بعض المواد التي قد تساعد، وفقًا للحالة الصحية وتحت إشراف مختص، في دعم الاسترخاء وتحسين النوم وإدارة التوتر، مثل المغنيسيوم والبابونج واللافندر والشاي الأخضر وبعض الأعشاب الأخرى، مؤكدًا أن هذه الخيارات لا تعوّض أهمية تحسين نمط الحياة ومعالجة أسباب التوتر الأساسية.

رسالة أخيرة.. أطفئ إنذار الطوارئ

ويخلص الدكتور إلى أن الإنسان المعاصر بحاجة إلى إعادة النظر في تفاصيل حياته اليومية، من خلال تقليل التعرض المستمر للأخبار المزعجة، والحد من إشعارات الهاتف، وتخصيص وقت للراحة والهوايات والحركة والنوم، فالجسم، بحسب تعبيره، ليس مصممًا للبقاء في حالة طوارئ طوال الوقت، والراحة النفسية ليست رفاهية، بل جزء أساسي من الحفاظ على التوازن والصحة.

↑