الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

يطير الحمام.. يحطّ الحمام..

Author
وحيد حمود 09 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

معلّقٌ أنا على مشانق الوقت، لا شيء بيدي، أحرّك قدميّ في الهواء في محاولةٍ فاشلةٍ لأن يلتقيا، ولكن عبثًا، لا شيء ممّا أفكّر به يحدث، وحده عنقي يتأرجح على الحبل، وهناك في الأسفل أقف طفلًا في السابعة والنصف صباحًا وأردّد كالكثيرين أمامي: كلنا للوطن! للعلى للعلم!

ينقطع الحبل، أسقط، ويسقط جسدي، “طَمْ طا طَمْ”…

يطير الحمام، يحطّ الحمام…

على شرفة الضجر، قبالتي، يغنّي عندليبٌ نشيد الصبر، شاهدته قبيل لحظات وهو يفرد جناحيه، راح يمضغ الهواء بمنقاره، فجأةً، دوّى صوتٌ رصاصيّ الهيئة، تجشّأ العصفور، دار في الهواء كالدراويش دورتَين، زقزق دمعتَين، ثمّ هوى سريعًا كأمنيةٍ لفظتها السّماء نحو الأرض، “طَمْ طا طَمْ”…

يطير الحمام، يحطّ الحمام…

شيءٌ فيّ ينزف، أمدّ يدي، أتلمسّ جبيني، لا شيء، أجسّ نبضي، لا شيء، أمرّغ وجهي بكف يميني، لا شيء، أقف أمام المرآة، أسمع صوت شلّالٍ من الدماء، ولا شيء يتحرّك قبالتي، عيناي، شفتاي، يداي، قدماي، كلّ شيء ثابت، من أين يأتي صوت ذاك الشلّال؟ أسمعه يرتطم، “طَمْ طا طَمْ”…

يطير الحمام، يحطّ الحمام…

أحدّثكم من تحت الرّكام، محطّمٌ أنا، فوق رأسي ساعة بيتٍ قديم، تِك تَك.. تِك تَك، لا يكفّ العقرب عن الدوران، كلّ شيءٍ متوقّف عن العمل، إلا الوقت، ماضٍ في طريقه، البيوت مهدّمة، الكنيسة تبكي في زاوية الزقاق، سقطت أمام عينيها مئاتُ الضحايا، في لحظةٍ واحدة، مات الكثيرون، والمسجد كُسِر كتفه، ركع أمام هول ما رأى، مات الأنبياء، مات الرّسل، مات القدّيسون، صاح: الله أكبر! الله يعلم كلّ شيء، الله يرى كلّ شيء، الله غاضبٌ من كلّ شيء، المدينة تتمزّق، الأطفال يرضعون الموت، الأمهات تحت الأنقاض، الوطن كلّه تحت الأنقاض، ونحن كلّنا.. كلّنا للوطن.. للعلى للعلم، “طَمْ طا طَمْ”…

يطير الحمام، يحط الحمام…

كالجميع أنا، أفكّر في أن أبيع حصّتي في هذا الوطن، لكنّني أبكي، أبكي بحرقة، طفلٌ بوجهٍ مشوّه أثار سخطي على هذا الكوكب الأحمق كله، وطني المذبوح من الوريد إلى الوريد، من الجنوب إلى الشمال، وطني، هذا الطفل البريء، بأيّ ذنبٍ يُقتَل؟

“طزّ” بكلّ الصفقات!

“طزّ” بكلّ الاتّفاقيات! كلّها كذب وافتراء.

هذا العدوّ الغدّار لا يفهم إلا لغة الشتم والقباحة، أريد أن أبصق في وجوه جميع السفلة القتلة.

أيتها الوحوش!

أيها الهمجيّون!

أوقفوا الحرب!

لم لا يسمع صوتي أحد؟

أوقفوا الحرب!

أريد أن ألعن طبول هذه الحرب التي لا تسكت.

أسكتوها!

أسكتوها!

أسكتوها!

يطير الحمام… يموت الحمام…