السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ثقافة

يوسف منتالشتة.. “الأب الروحي” للإعلام الآلي في الجزائر

Author
حنين غدار 02 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

يُعدّ البروفيسور يوسف منتالشتة من القامات العلمية التي صنعت مسارًا استثنائيًا في تاريخ الجزائر المعاصرة، إذ جمع بين النضال الوطني والرؤية العلمية الاستشرافية، وأسّس مبكرًا لثقافة الإعلام الآلي باعتباره رهان المستقبل. وبفضل إيمانه بدور المعرفة في بناء السيادة، تحوّل إلى أحد أبرز مهندسي العقل التقني للجزائر المستقلة، ومرجعًا في ربط العلم بالمشروع الوطني.

يعتبر هذا العالم الفذ “الأب الروحي” للإعلام الآلي في الجزائر، والرجل الذي استشرف “الثورة الرقمية” قبل أوانها بعقود، حين كانت الدول تتسابق نحو الطاقة النووية، فاختار هو الرهان على “الخوارزميات” والعقول الإلكترونية.

ولم تكن مسيرة ابن “البليدة” و”تاشتة” مجرد رحلة أكاديمية باردة إذ كانت ملحمة إنسانية ونضالية، بدأت من فقر المدن الاستعمارية، مرورا بزنزانة السجن في فرنسا، وصولا إلى تأسيس صرح المدرسة الوطنية للإعلام الآلي (CERI).

ويقدم منتالشتة نموذجا نادرا للمثقف الذي جمع بين “البندقية” و”القلم”، وبين “الوطنية” و”الصرامة العلمية”، تاركا بصمة لا تمحى في سجل الذاكرة الجزائرية، كأول دكتور دولة في الفيزياء، وكمؤسس لأهم صرح تكنولوجي في البلاد.

​الجذور والنشأة: من “تاشتة” إلى البليدة.. كفاح العائلة الفقيرة

​ولد يوسف منتالشتة في 27 نوفمبر 1934 بمدينة البليدة، لكن جذوره تمتد عميقا إلى الغرب، وتحديدا إلى منطقة “تاشتة” بولاية عين الدفلى، التي يفخر بالانتساب إليها قائلا: “أنا من البليدة.. لكنني تشتاوي وأفتخر”.

وتنقلت عائلته قسرا بسبب الظلم الاستعماري، حيث سُلبت أراضي أجداده ومُنحت للمعمرين، ما اضطر الجد والوالد للهجرة نحو حجوط ثم موزاية، ليستقر المقام بالعائلة أخيرا في البليدة.

ونشأ الطفل يوسف في كنف أسرة ريفية معوزة تتكون من عشرة أبناء، حيث كان الوالد يكافح لتحصيل قوت يومه، بينما اضطرت الوالدة “زليخة” للعمل منظفة مكاتب في بنك لإعالة الأسرة.

ولم يخجل الابن من وضع عائلته فكان يساعد والدته وهو في سن السادسة في جمع الأوراق، متربيا على قيم العمل والكرامة، قائلا عبارته الشهيرة: “لا يزعجني أن تعمل أمي منظفة، ما يزعجني هو ألا يعمل أبي”.

وعاش الطفل في جو تكافلي ميز المجتمع الجزائري آنذاك، حيث كان الجوع يواجه بتقاسم الخبز والزبدة بين الجيران، ما غرس في نفسه قيم التضامن التي ظلت تلازمه طيلة حياته.

​تحدي النظام الاستعماري: التفوق المدرسي كسلاح للمقاومة

​التحق يوسف بالمدرسة في سن السادسة، ليصطدم مبكرا بجدار التمييز العنصري الذي وضعه الاستعمار، والذي كان يمنع “الأهالي” من الوصول إلى التعليم الثانوي عبر حيل إدارية تتعلق بالسن.

وكان النظام الفرنسي مصمما ليجعل من الجزائريين مجرد يد عاملة بسيطة تتقن القراءة والكتابة فقط، لكن نبوغ الطفل يوسف وذكاءه الحاد مكّناه من كسر هذه القاعدة.

واستطاع اجتياز اختبارات القبول للثانوية وهو في سن الحادية عشرة، بفضل مساعدة أساتذة أكفاء (مثل بن سطالي وڨيراب) لاحظوا تفوقه وساعدوه على اختصار السنوات الدراسية.

وتلقى يوسف تعليما ممزوجا بالروح الوطنية بفضل معلمين مثل “الشيخ ياكر”، الذي كان يمرر جرعات التاريخ الوطني للتلاميذ خلسة بعد دروس التاريخ الفرنسي الرسمي.

وبسبب الفقر المدقع وعدم توفر اللباس اللائق لمزاحمة أبناء المعمرين في الثانوية، اختار يوسف مسارا بديلا بالتحاقه بالمدرسة الخاصة للطيران في “برج البحري” (Cap Matifou).

وهناك، واصل تفوقه في الرياضيات والتكنولوجيا، ونجح في افتكاك البكالوريا بتفوق، محتلا المرتبة 13 وسط منافسة شرسة شملت طلبة فرنسيين، ليكون واحدا من القلة القليلة من الجزائريين الذين نالوا هذا الاستحقاق.

ولم ينسَ البروفيسور فضل بعض المعلمين الفرنسيين المنصفين، أمثال السيد “فيجي” والسيد “باركو”، الذين رأوا فيه النبوغ فتجاوزوا عقدة العرق والدين، وعاملوه كطالب ذكي يستحق التشجيع.

ويستذكر منتالشتة تلك المرحلة بكثير من الامتنان لهؤلاء، مؤكدا أن العلم كان أحيانا جسرا للتواصل الإنساني الذي يخترق جدار الكراهية الذي بناه النظام السياسي الاستعماري.

وكانت المنافسة في “كاب ماتيفو” شرسة للغاية، حيث كان عليه أن يثبت جدارته أمام طلبة قادمين من فرنسا بظروف اجتماعية ومادية أفضل بكثير، لكن إرادته كانت أقوى من كل الامتيازات الطبقية.

​الثورة والدراسة: الأستاذ الفدائي في قلب فرنسا

​مع اندلاع الثورة التحريرية في نوفمبر 1954، وجد الشاب يوسف نفسه في قلب المعركة، حيث اضطر لمغادرة الوطن سرا نحو فرنسا بعد اكتشاف الشرطة الفرنسية لصلاته بالمناضلين.

واستقر في مارسيليا حيث عمل أستاذا للرياضيات والفيزياء، وصحفيا رياضيا يغطي أخبار اللاعبين القادمين من شمال إفريقيا، لكن هذه الوظائف كانت غطاء لنشاطه الحقيقي.

وانخرط منتالشتة في خلايا جبهة التحرير الوطني بفرنسا، مكلفا بنقل الوثائق السرية وحراسة الاجتماعات، كما كان عضوا فاعلا في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين (UGEMA).

وشارك بفعالية في إضراب الطلبة التاريخي في 19 مايو 1956، الذي أثبت للعالم أن الثورة هي ثورة شعب تقودها نخبة مثقفة.

ودفع ضريبة نضاله بالسجن لمدة تسعة أشهر، تنقل فيها بين سجون مارسيليا و”فران” بباريس، حيث التقى بقامات ثورية مثل محمد غفير.

ولم يمنعه السجن من ممارسة رسالته التعليمية، حيث حوّل الزنزانة إلى قسم لمحو أمية المساجين الجزائريين، في تحدٍ صارخ للسجان.

وتوجت هذه المرحلة بعملية فرار هوليودية ليلة عيد الميلاد (24 ديسمبر 1960)، حيث استغل انشغال الحراس بالاحتفالات ليهرب نحو سويسرا، ثم ألمانيا، ليستقر به المطاف في تونس بتخطيط من وزارة التسليح (MALG).

​بناء الدولة: من “البوصوفية” إلى تأسيس السيادة الرقمية

​التقى منتالشتة في تونس بمهندس المخابرات الجزائرية عبد الحفيظ بوصوف، الذي رسم له ولرفاقه خارطة طريق بناء الدولة الحديثة قائلا: “الاستعمار سيترك وراءه صحراء قاحلة، وعلينا نحن بناؤها”.

وكلفه بوصوف بتكوين الإطارات التقنية في مجال الإذاعة والتلفزيون والاتصالات، تحضيرا لاستلام السيادة، وهو التكوين الذي أنقذ البث الإذاعي والتلفزيوني من التوقف بعد خروج المهندسين الفرنسيين وتخريبهم للمعدات.

وبعد الاستقلال، عاد منتالشتة إلى مقاعد الدراسة بفرنسا (جامعة بواتييه) بأمر من القيادة لنيل الدكتوراه، ليعود إلى الجزائر ويصبح أول جزائري يحوز دكتوراه دولة في العلوم الفيزيائية عام 1967.

وواجه عند عودته للتدريس بالجامعة المركزية سياسة “الأرض المحروقة” التي مارستها منظمة الجيش السري (OAS)، حيث وجد الأجهزة المخبرية مخربة والأسلاك مقطوعة، مع رسائل تهديد وشتائم.

ولم ييأس البروفيسور إذ شمّر عن ساعديه لإصلاح ما أفسده الاستعمار، وساهم في وضع اللبنات الأولى للجامعة الجزائرية، فارضا احترامها ومصداقيتها العلمية أمام الجامعات العالمية.

وفي تلك الفترة الحساسة بتونس، كان منتالشتة يطبق معايير صارمة في اختيار وتكوين التقنيين، معتمدا نفس الاختبارات المعمول بها في “ديوان البث الفرنسي”، لضمان جودة لا تقل عن المستعمر.

وكان يدرك أن الخطأ ممنوع في مرحلة بناء الدولة، وأن “الاستقلال الشكلي” لا قيمة له إذا لم يتبعه “استقلال كفاءة” يضمن استمرار دوران عجلة المؤسسات الحيوية.

وعبر عن حبه الجارف لوطنه في رسالة الدكتوراه التي ناقشها بجامعة بواتييه عام 1962، حيث كتب في الصفحة الأولى “إهداء إلى وطني”، في سابقة أكاديمية جعلت اللجنة الفرنسية تدرك أن الجزائر قد استقلت فعلا، حتى في عقول أبنائها.

​الأب الروحي للإعلام الآلي: “CERI” ورؤية المستقبل

​تجلت عبقرية يوسف منتالشتة في رؤيته الاستشرافية الثاقبة، فبينما كان العالم منبهرا بالطاقة الذرية، أدرك هو أن المستقبل يكمن في “الإعلام الآلي” (Informatique).

ورفض عرضا مغريا من الرئيس الراحل هواري بومدين لتولي حقيبة وزارية بعد استقالته من منصبه كمدير للتعاون العلمي، مفضلا التفرغ لمشروعه الحلم.

وأقنع منتالشتة الرئيس بومدين بضرورة الاستثمار في العقول الإلكترونية، ليؤسس عام 1969 “مركز الدراسات والأبحاث في الإعلام الآلي” (CERI)، الذي تحول لاحقا إلى المدرسة الوطنية العليا للإعلام الآلي (ESI).

ويعتبر هذا الصرح أول مدرسة متخصصة في الكمبيوتر في إفريقيا والعالم العربي، ومنها تخرجت آلاف الإطارات التي قادت التحول الرقمي في الجزائر، وشكلت النواة الأولى لربط الجزائر بشبكة الأنترنت لاحقا.

وآمن منتالشتة بضرورة “الاستقلال التكنولوجي”، محذرا من التبعية للبرمجيات الأجنبية، ومؤكدا أن “الحروب القادمة ستحسم في المخابر لا في ساحات المعارك”.

وساهمت رحلاته العلمية المبكرة، خاصة زيارته إلى الصين ولقاءه بالزعيم “ماو تسي تونغ”، ثم رحلته إلى الولايات المتحدة عام 1965، في توسيع أفقه الاستراتيجي بشكل كبير.

وأدرك من خلال معاينته للتجارب العالمية أن “القوة القادمة” تكمن في “المعلومة” وكيفية معالجتها، وهو ما جعله يصر على مشروع “الإعلام الآلي” رغم غرابة الفكرة آنذاك.

واستلهم من أستاذه ألفرد كاسلر، الحائز على نوبل، مبدأ “تواضع العلماء”، حيث كان كاسلر يردد: “في العلوم لا توجد طبقية، نحن جميعا خدام للعلم”، وهي القيمة التي زرعها منتالشتة في طلابه بالمدرسة الوطنية.

​فلسفة المربي: الحكمة في التعامل مع الشباب والوطن

​تميز البروفيسور منتالشتة بحكمته البالغة وأسلوبه التربوي الفريد، حيث كان يرفض منطق اليأس و”المكتوب” السلبي، محفزا الشباب على صناعة أقدارهم بأيديهم.

وكان يردد دائما: “لو آمنا أن الاستعمار قدر ومكتوب، لما استقلت الجزائر”، داعيا الشباب إلى التسلح بثلاثية: الإرادة، الدقة، والطموح.

ويمتلك البروفيسور نظرة متقدمة جدا حول إشكالية “هجرة الأدمغة”، حيث يرفض تخوين المهاجرين، معتبرا أن “أرجلهم في الخارج وقلوبهم في الجزائر”.

ويدعو إلى استثمار هؤلاء العلماء كقوة ناعمة وجسور للمعرفة، بدلا من الدخول في صراع عبثي معهم، مؤكدا أن خدمة الوطن ممكنة من أي مكان في العالم إذا صدقت النوايا.

ويؤمن منتالشتة بمبدأ “المتسلق الأول” (Le premier de cordée)، الذي يفتح الطريق لزملائه في الجبال الوعرة، معتبرا أن القيادة هي مسؤولية لتمهيد الطريق للأجيال القادم.

ومن قصصه المعبرة عن تواضعه، اعترافه بعجزه عن حل “المكعب السحري” (Rubik’s Cube) بطرق رياضية معقدة، بينما حله ابنه ببساطة، ليعلمه الابن درسا قائلا: “أبي، أنت تفكر أكثر من اللازم”.

وتعكس هذه الروح انفتاحه على التعلم من الشباب، وإيمانه بأن لكل جيل أدواته ومهاراته التي قد تتفوق على خبرة الشيوخ، داعيا الآباء لمنح الثقة لأبنائهم وتركهم يعيشون شغفهم.

​مع مالك بن نبي: تواضع العلماء في حضرة المفكرين

​جمع القدر بين الفيزيائي يوسف منتالشتة والمفكر مالك بن نبي في رحاب الجامعة الجزائرية، حيث نشأت بينهما علاقة احترام متبادلة ونادرة.

ورغم أن منتالشتة كان يملك أعلى درجة أكاديمية (دكتوراه) التي تؤهله إداريا لرئاسة الجامعة، بينما كان بن نبي مهندسا ومديرا للتعليم العالي، إلا أن يوسف ظل ينظر لبن نبي نظرة التلميذ لأستاذه.

وكان هذا التعاون بين “الفيزيائي” و”المفكر” تجسيدا راقيا لتكامل العلوم، إذ كان منتالشتة يرى في بن نبي “بوصلة حضارية” توجه العلم نحو خدمة المجتمع، وتمنعه من التحول إلى تقنية صماء.

وساهم هذا القرب في بلورة رؤية منتالشتة حول “الاستقلال المعرفي”، إذ كان يرفض استيراد البرمجيات الجاهزة (Logiciels) لأنها تحمل في طياتها ثقافة صانعها وطريقة تفكيره.

وكان يردد صدى أفكار بن نبي حول “القابلية للاستعمار”، مؤكدا أن التحرر الحقيقي يكمن في إنتاج “الخوارزمية الوطنية” التي تشبهنا وتعالج مشاكلنا بخصوصية جزائرية.