الأحد، 16 أغسطس 2026 — 1 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

يوم العلم في الجزائر.. من إرث ابن باديس إلى بناء دولة المعرفة

Author
إيمان عبروس 15 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحتفل الجزائر في الـ16 أفريل من كل سنة بيوم العلم، وهي مناسبة وطنية ذات دلالات عميقة، تتجاوز الطابع الاحتفالي لتغوص في صميم الهوية الجزائرية ومسارها الحضاري. ويأتي اختيار هذا التاريخ تخليدا لذكرى وفاة رائد النهضة الإصلاحية عبد الحميد بن باديس سنة 1940، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد عالم دين، بل كان مشروع أمة بأكملها، حمل همّ الإصلاح، وآمن بأن العلم هو الطريق الوحيد للتحرر الحقيقي وبناء الإنسان.

لقد تم إقرار هذا اليوم رسميا سنة 1976، ليكون محطة سنوية تستحضر فيها الجزائر مسارها الفكري والثقافي، وتجدد التزامها بجعل العلم في صميم مشروعها الوطني. وفي عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والمعرفية، يكتسب يوم العلم بعدا استراتيجيا، حيث يتحول إلى فرصة لتقييم واقع المنظومة التعليمية، واستشراف آفاق المستقبل، في ظل رهانات السيادة المعرفية والتنمية المستدامة.

السياق التاريخي.. مشروع إصلاحي في مواجهة التجهيل

لم يكن ظهور عبد الحميد بن باديس حدثا عابرا في تاريخ الجزائر، بل جاء في سياق استعماري معقد، سعت فيه فرنسا إلى طمس الهوية الوطنية، من خلال ضرب اللغة العربية، وتهميش التعليم، ونشر الجهل كأداة للسيطرة. وفي مواجهة هذه السياسات، برز مشروع إصلاحي متكامل، قاده ابن باديس، قائم على إعادة بناء الإنسان الجزائري فكريا وثقافيا.

عمل ابن باديس على تأسيس المدارس الحرة، ونشر التعليم باللغة العربية، وإحياء العلوم الشرعية، مع التركيز على قيم الوسطية والاعتدال.

ولم يكن هذا المشروع مجرد نشاط تعليمي، بل كان حركة فكرية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي، وربط الجزائريين بهويتهم الحضارية.

وقد أدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين دورا محوريا في هذا المسار، حيث شكلت إطارا تنظيميا لنشر الفكر الإصلاحي، وتوسيع دائرة التعليم، ومواجهة محاولات الاستلاب الثقافي. لقد كانت هذه الجمعية بمثابة مدرسة وطنية كبرى، ساهمت في إعداد جيل واعٍ، أدرك أن التحرر يبدأ من تحرير الفكر.

يوم العلم.. دلالات رمزية تتجاوز الزمن

يحمل يوم العلم دلالات رمزية عميقة، تجعله أكثر من مجرد مناسبة سنوية. فهو يجسد استمرارية المشروع الإصلاحي، ويؤكد أن معركة الوعي لم تنتهِ، بل تتجدد مع كل جيل. كما يعكس هذا اليوم العلاقة الوثيقة بين العلم والسيادة، حيث لا يمكن لأي دولة أن تحقق استقلالها الحقيقي دون امتلاك أدوات المعرفة.

إن يوم العلم هو أيضا تعبير عن الوفاء لرجال حملوا مشعل الفكر في أحلك الظروف، وآمنوا بأن التعليم هو السبيل الوحيد لبناء مجتمع قوي ومتماسك. وهو في الوقت ذاته رسالة موجهة إلى الأجيال الصاعدة، مفادها أن مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث تقع على عاتقهم.

كما يعكس هذا اليوم تحول العلم من مجرد قيمة ثقافية إلى رافعة استراتيجية للدولة الحديثة. فالدول اليوم لم تعد تقاس قوتها فقط بمواردها الطبيعية، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها في الابتكار والتكنولوجيا، ومن هذا المنطلق، يكتسب يوم العلم بعدا اقتصاديا وتنمويا يجعل منه جزءا من رؤية الدولة المستقبلية.

وفي ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبحت المعرفة هي العملة الأهم في العالم المعاصر. وهو ما يفرض على الجزائر تسريع وتيرة التحول نحو اقتصاد قائم على الابتكار، من خلال دعم البحث العلمي، وتطوير حاضنات الأعمال، وتشجيع المؤسسات الناشئة. ويُعد هذا التوجه امتدادا طبيعيا لفلسفة يوم العلم التي تربط بين العلم والعمل والتنمية.

كما يبرز البعد المجتمعي لهذا اليوم من خلال دوره في ترسيخ ثقافة الاعتراف بالعلماء والأساتذة والباحثين. فبناء مجتمع المعرفة لا يقوم فقط على السياسات، بل أيضا على تقدير الفاعلين في المنظومة العلمية، وتعزيز مكانتهم داخل المجتمع، بما يخلق بيئة محفزة على الإبداع والتميز.

أهداف الاحتفال.. بين الذاكرة والتحفيز

تتعدد أهداف إحياء يوم العلم، حيث تسعى الجزائر من خلاله إلى ترسيخ مكانة العلم في الوعي المجتمعي، وإبراز دوره في تحقيق التنمية. كما يشكل هذا اليوم فرصة لاستحضار جهود العلماء والمصلحين، وتكريم رموز الفكر والمعرفة.

ومن جهة أخرى، يُعد يوم العلم مناسبة لتحفيز الشباب على الانخراط في مسار التعلم والبحث العلمي، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها العصر الرقمي. فالعالم اليوم يشهد تنافسا حادا في مجال الابتكار، ما يفرض على الدول الاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير مهارات الأجيال الصاعدة.

كما يسهم هذا اليوم في تعزيز الانتماء الوطني، من خلال ربط الشباب بتاريخهم، وإبراز أن الهوية ليست مجرد موروث، بل هي مشروع متجدد يقوم على التفاعل مع العصر دون فقدان الأصالة.

الفعاليات الوطنية.. تجسيد حي لقيمة العلم

تتحول الجزائر في يوم العلم إلى فضاء مفتوح للاحتفاء بالمعرفة، حيث تُنظم مختلف المؤسسات التربوية والثقافية فعاليات متنوعة، تعكس أهمية هذه المناسبة. وتشمل هذه الأنشطة ندوات علمية، ومحاضرات فكرية، ومعارض للكتاب، ومسابقات ثقافية.

كما يتم تكريم التلاميذ المتفوقين والأساتذة والباحثين، في خطوة تهدف إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف بالجهد العلمي. وتُعد هذه الفعاليات فرصة لتعزيز روح التنافس الإيجابي، وغرس قيم الاجتهاد والتميز لدى الناشئة.

ولا تقتصر هذه الأنشطة على المؤسسات التعليمية، بل تمتد إلى وسائل الإعلام، التي تخصص برامج خاصة لتسليط الضوء على دور العلم في بناء المجتمع، واستعراض مسيرة العلماء والمفكرين.

المنظومة التربوية.. تحديات الواقع ورهانات الإصلاح

رغم الجهود المبذولة، تواجه المنظومة التربوية في الجزائر تحديات متعددة، تفرض ضرورة التفكير في إصلاحات عميقة. فالتطور التكنولوجي السريع، وتغير متطلبات سوق العمل، يفرضان إعادة النظر في المناهج التعليمية، وطرق التدريس.

لقد أصبح من الضروري الانتقال من نموذج يعتمد على الحفظ والتلقين، إلى نموذج قائم على التفكير النقدي والابتكار. كما يبرز دور الرقمنة في تحسين جودة التعليم، من خلال استخدام الوسائط التكنولوجية، وتوفير منصات تعليمية حديثة.

وفي هذا السياق، يظل الأستاذ العنصر الأساسي في العملية التعليمية، حيث يتطلب الأمر الاستثمار في تكوينه، وتمكينه من الأدوات اللازمة لمواكبة التحولات. كما تؤدي الجامعة دورا محوريا في إنتاج المعرفة، ما يستدعي تعزيز البحث العلمي، وربطه بحاجيات الاقتصاد.

العلم والتنمية.. نحو اقتصاد المعرفة

أصبح العلم اليوم المحرك الرئيسي للتنمية، حيث تتجه الدول إلى بناء اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار. وفي هذا الإطار، تسعى الجزائر إلى تطوير منظومتها البحثية، وتشجيع المؤسسات الناشئة، ودعم الابتكار. ويبرز الاهتمام بمجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقات المتجددة، كدليل على توجه استراتيجي نحو المستقبل.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب بيئة محفزة، تقوم على الشراكة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، وتدعم تحويل الأفكار إلى مشاريع ملموسة.

كما يعد الاستثمار في البحث العلمي عنصرا أساسيا في تحقيق الاستقلال الاقتصادي، حيث يسمح بتقليل التبعية، وتعزيز القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

الشباب.. صنّاع المستقبل وحملة الرسالة

يمثل الشباب الجزائري القوة الحقيقية التي يُعوّل عليها في تحقيق أهداف يوم العلم. ففي ظل الانفتاح الرقمي، أصبح بإمكانهم الوصول إلى مصادر المعرفة بسهولة، ما يفتح أمامهم آفاقا واسعة للتعلم.

غير أن هذا الانفتاح يرافقه تحدي توجيه هذه الطاقات، وضمان استثمارها في مجالات مفيدة. ويظل دعم المبادرات الشبابية، وتوفير بيئة محفزة للإبداع، من أهم العوامل التي تضمن تحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية.

كما يتحمل الشباب مسؤولية الحفاظ على الهوية الوطنية، من خلال الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والاستفادة من التكنولوجيا دون فقدان القيم.

يوم العلم.. استمرارية المشروع الحضاري

لا يمكن فهم يوم العلم بمعزل عن المشروع الحضاري الذي تسعى الجزائر إلى تحقيقه. فهو ليس مجرد مناسبة، بل هو جزء من رؤية شاملة تهدف إلى بناء مجتمع قائم على المعرفة.

إن استحضار إرث عبد الحميد بن باديس لا يعني العودة إلى الماضي، بل الاستفادة من دروسه في مواجهة تحديات الحاضر. فكما واجه ابن باديس التجهيل بالعلم، تواجه الجزائر اليوم تحديات جديدة تتطلب نفس الروح الإصلاحية.

العلم كخيار استراتيجي لا بديل عنه

في الختام، يظل يوم العلم رسالة متجددة تؤكد أن نهضة الأمم لا تتحقق إلا بالعلم والمعرفة. وبين إرث ابن باديس وتحديات العصر، تواصل الجزائر مسيرتها نحو بناء مجتمع المعرفة، واضعة العلم في صميم مشروعها التنموي.

إن المستقبل لا يُبنى بالموارد فقط، بل بالعقول القادرة على الابتكار والإبداع، وهو ما يجعل من يوم العلم أكثر من مجرد ذكرى، بل مشروعا مستمرا لبناء الجزائر الحديثة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.