صفوفٌ مرتّبةٌ بعنايةٍ كأنّها صفوفُ صلاةٍ في معبدٍ صغير، طاولاتٌ لامعةٌ تصطفّ في انتظامٍ مهيب، وجدرانٌ يعلوها بياضٌ ناصع يشبه الصفحة الأولى من عمرٍ جديد.
خارج النوافذ، كانت عصافيرُ الصباح تُغنّي نشيدَ الحياة، تداعب ضوء الشمس المتسلّل بخجلٍ من بين الستائر، فتبعث في المكان أنفاسًا من الطمأنينة والدهشة.
هدوءٌ يلفّ المدرسة، وصوتُ الملاعق في الصحن الأخير من الفطور هو الإيقاعُ الوحيد الذي يُسمَع.
كانت التلميذاتُ تجلسن بوجوهٍ نظيفةٍ وملابسَ مرتّبةٍ تفوح منها رائحة الصابون، وفي عيونهنّ دهشةُ البداية، وخوفٌ صغير من المجهول الذي ينتظرهنّ خلف الأبواب الزجاجية.
أما هي، فكانت تحمل على كتفيها ما لا تقدر طفلةٌ على حمله؛ وجعُ الانتقال، ثِقَلُ الذكريات، وحنينٌ عالق في صدرها كصورةٍ باهتةٍ لا تنتمي إلى هذا المكان.
دخلت المدرسةَ الجديدة بخطى متردّدة، كمن يقترب من عالمٍ غريبٍ لا يعرف لغته ولا عاداته، لكنّها كانت تُخفي خلف صمتها شجاعةً هادئة، كمن يقول في نفسه: "سأتعلم كيف أكون من جديد".
المكانُ منظمٌ كأنّه آلةٌ تعمل بالدقيقة، اللغةُ غريبة، تلتفّ حول الحروف كما يلتفّ البحر حول الغريق، لكنها كانت تُهوّن الأمر في داخلها: "لستُ في الغُربة هنا وحدي، فكلّنا غرباء".
حين جاء دورها لتتحدث، كانت في المنتصف تمامًا، بين الصفوف، بين النظرات، بين الحكايات التي لم تُحكَ بعد. وقفت مترددة، كمن يتأرجح على حافة الحياة، بين رغبةٍ في الكلام وخوفٍ من البوح. وجاء السؤال بلغةٍ مكسورةٍ تُرجمت إليها: "تحدّثي عن أكثر شخصٍ تحبّينه، عن إنسانٍ كان بجانبك، عن حبٍّ لا ينتهي".
أغمضت عينيها، أخذت نفسًا عميقًا، شعرت أن الهواء صار أثقل من روحها، ثم بدأت تتكلم بلغتها الأم، بلغةٍ تشبه البكاء حين يتحوّل إلى موسيقى: "لم أرَ مثيلا لجماله قط، وإن اقتربتُ منه، تسلّل إلى قلبي قبل أن يصل إلى أنفي، رائحته تشبه ذكرياتٍ لا تُنسى، تسكن القلب أولًا، ثم تدغدغ الحواسّ بخفةٍ تشبه الحنين، قالوا إن رائحته كريهة أحيانًا كفأرٍ ميّتٍ منذ ثلاثة أيام، لكنّني لم أشمّها كذلك يومًا، ربما لأنّي أحببته بصدقٍ جعلني لا أرى منه إلا النقاء".
تغيّرت ملامح وجهها شيئًا فشيئًا، صارت تتحدّث كما لو أنّها تروي سيرةَ عاشقٍ غائبٍ لا يُفارق القلب.
"كثيرون جعلوه صندوق أسرارهم، لكنني كنتُ استثناءه. هو لي بطريقةٍ لا يفهمها أحد، عانقني أمام الجميع مرارًا، وقال لي بصدى صوته الذي يشبه الأمان: لا تخافي، أنا هنا".
ثم سكتت قليلًا، ونظرت إلى فراغٍ بعيدٍ لا تراه إلا هي، وأكملت بصوتٍ خافتٍ كاعترافٍ ثقيل: "لكنّي أخشاه، أخاف غضبه إذا جنّ الليل، حين يثور، لا يعرف أحدًا، يضرب بعنفٍ كأنه ينتقم من العالم، وحين يهدأ، يعود نقيًّا، كطفلٍ غسلته السماء بالمطر".
في عيون المستمعين تساؤل، وفي صوتها حنينٌ غامض. ثم قالت: "هو كريم، يعطي من لا يملك، يشبع الجائع بلا مقابل، ينام على صبره، ويستيقظ على عطائه. لكن.. سأبوح لكم بسرٍّ لم أقله من قبل: لقد قتل والدي".
ساد الصمت، حتى إنّ أنفاس الموجودين بدت كأنها توقّفت للحظة. ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت بصوتٍ يشبه الاعتذار: "أعلم أنّها جريمة لا تُغتفر، لكن رغم ذلك.. أنا أحبّه. حاولت تبرير فعلته كثيرًا، قلت ربما لم يقصد، ربما كانت لحظةَ غضبٍ عمياء، ربما البحر لا يعي ما يفعل حين يثور".
ثم رفعت رأسها نحو السماء من وراء النافذة، وصوتها صار يشبه البكاء المكتوم: "في ليلةٍ لا قمر فيها، ثار البحر على زورقٍ صغيرٍ يحملنا، ابتلع أبي أمامي، وسكت بعد أن أخذ ما يريد. لكن في الصباح، عاد إلى صفائه، أعاد لنا الطريق نحو الشاطئ، كأنه ندم على ما فعل. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أراه قاتلًا، بل قدرًا، يُعاقب حين يُحب، ويُغفر حين يثور. أقف اليوم أمامكم وأسأل: هل هو المذنب؟ أم أنا التي أخطأت حين أحببت البحر؟ حين وثقتُ بالموج، ورأيتُ في طغيانه حنانًا، وفي غضبه نجاةً؟".
تدحرجت الدموع من أعين الجميع، ورنّ الجرس.

