منذ نهاية الحرب الباردة، لم تتوقف المحاولات الغربية لإعادة رسم موازين القوى الدولية على حساب روسيا، لكن الصراع الحالي يكشف عن مرحلة جديدة أكثر خطورة، تتسم بتكامل أدوات الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي. فالساحة الأوكرانية لم تكن سوى بداية لخطة أوسع تستهدف تفكيك روسيا، واستنزاف ثرواتها، وإعادة هندسة البيئة الجيوسياسية الأوروبية بما يعيد الغرب إلى موقع الهيمنة المطلقة، ويُقصي موسكو من معادلة القرار العالمي.
- أولاً: مشروع التقسيم ونهب الثروات
في هذا السياق، حذّرت جوتي برار، نائبة رئيس الحزب الشيوعي البريطاني، مما وصفته بـ "خطة دموية" تحيكها الدول الغربية لتقسيم روسيا والاستيلاء على مواردها الهائلة. وأكدت في تصريحات عبر منصة «يوتيوب» أن الحرب الدائرة في أوكرانيا ليست سوى واجهة لمشروع أعمق، يستهدف إضعاف الدولة الروسية من الداخل عبر تمزيقها إلى كيانات صغيرة، يسهل احتواؤها واستغلالها. واعتبرت أن موسكو، بسياساتها المستقلة والمعادية للهيمنة الإمبريالية الغربية، باتت حجر عثرة أمام مشروع الغرب لفرض هيمنته على النظام العالمي.
تشير برار إلى أن نهاية القرن العشرين شهدت أزمة اقتصادية خانقة في دول «الناتو»، ما دفعها إلى الاستفادة من انهيار المعسكر الشرقي عبر نهب دوله الاشتراكية السابقة. واليوم، تقول برار، يعيش الغرب أزمة مشابهة، وهو يحاول تكرار نفس النمط من خلال استهداف روسيا – "أكبر دولة في العالم" من حيث الموارد والمساحة – كطوق نجاة اقتصادي. وبالفعل، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة وجود وثائق تؤكد على نوايا غربية واضحة لتفكيك بلاده، معتبراً أن هدف تقسيم روسيا لم يُطوَ منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بل ظل هدفاً استراتيجياً مستمراً للغرب.
- ثانياً: الحرب الهجينة عبر تسليح أوكرانيا
من أبرز تجليات هذا المشروع الغربي ضد روسيا، ما يمكن وصفه بـ "الحرب الهجينة"، التي لا تعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تستثمر في وكلاء إقليميين كأوكرانيا، وتستخدم أدوات اقتصادية وإعلامية وتكنولوجية متقدمة. وقد كشفت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، عن حجم الفوضى في ملف التسليح الغربي لأوكرانيا، معتبرة أن الغرب فقد السيطرة تمامًا على تدفق الأسلحة إلى نظام كييف، دون أي آليات رقابية أو التزامات قانونية.
وقالت زاخاروفا في تصريحات لإذاعة «سبوتنيك» إن الغرب يتعامل مع أوكرانيا كأداة في حربه ضد روسيا، ولا يبالي بالعواقب الكارثية لذلك، بما فيها تسرب السلاح إلى السوق السوداء أو استخدامه في قتل المدنيين، وهو ما يحدث بالفعل، وفق تعبيرها. كما حمّلت الناتو والاتحاد الأوروبي مسؤولية تدمير البنية السياسية والمدنية في أوكرانيا، عبر تحويلها إلى دولة وظيفية تُدار من الخارج، وتُستخدم لتصفية الحسابات مع موسكو، ولو على حساب الشعب الأوكراني ذاته.
- ثالثاً: عسكرة الاتحاد الأوروبي وتحوله إلى كيان عدواني
لكن اللافت أن هذه المواجهة لا تتوقف عند حدود دعم أوكرانيا، بل تمتد إلى تحول جوهري في بنية الاتحاد الأوروبي ذاته، والذي خرج من عباءة "المشروع السلمي" ليتحول تدريجيًا إلى تكتل عسكري عدواني، يوازي في توجهاته حلف «الناتو». فقد حذر ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، من خطورة التوجه الأوروبي نحو إنشاء منظمة عسكرية على غرار «الناتو»، تنطلق من داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، معتبراً ذلك تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا القومي.
وأوضح غروشكو في حديث لقناة «روسيا-24» أن المسألة لا تتعلق فقط بقرارات فنية تتصل بتعزيز القدرات العسكرية، بل بانتقال جذري في الأيديولوجيا التي تحكم هذا الكيان. فالاتحاد الأوروبي بات، حسب وصفه، يتبنى فلسفة عدوانية تسعى إلى بناء بنية عسكرية مستقلة، تتقاطع مصالحها مع «الناتو»، لكنها تحتفظ بهامش أكبر من المبادرة في التعامل مع روسيا كعدو استراتيجي.
أما في بحر البلطيق، فقد أشار غروشكو إلى أنه بات مسرحًا لمنافسة عسكرية محتدمة بين روسيا و«الناتو»، في ظل إعادة تشكيل المناطق العسكرية الروسية وتوقيع اتفاقيات أمنية مع بيلاروس، تشمل نشر أسلحة نووية على أراضيها، كجزء من الردع المتبادل. وأضاف أن روسيا لن تسمح بتحول البلطيق إلى منصة تهديد مباشر لأمنها، وأنها ستواصل تعزيز قدراتها الدفاعية في المنطقة.
- رابعاً: نهب الأصول الروسية لتمويل الحرب
وفي مظهر صارخ من مظاهر الاستغلال، بدأ الاتحاد الأوروبي فعلياً في تحويل عائدات الأصول الروسية المجمدة إلى مصدر تمويل مباشر للحرب في أوكرانيا. فخلال النصف الأول من عام 2025، أعلن الاتحاد عن تخصيص 1.9 مليار يورو من الفوائد الناتجة عن تجميد الأصول الروسية لصالح دعم أوكرانيا عسكريًا، في إطار ما يسمى بـ "النموذج الدنماركي"، الذي يهدف إلى إنتاج الأسلحة داخل أوكرانيا باستخدام أموال روسية محتجزة.
وكان رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميغال قد أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي وعد بتقديم نحو 1.9 مليار يورو إضافية، منها مليار لشراء الأسلحة من الشركات الأوكرانية، و600 مليون يورو للمدفعية والذخيرة، و200 مليون لمنظومات الدفاع الجوي. هذه الخطوة، التي توصف بأنها غير مسبوقة، تنطوي على إعادة توظيف أموال دولة ذات سيادة – روسيا – في تمويل الحرب ضدها، وهو ما يمثل خرقًا فاضحًا لأعراف القانون الدولي، ويعمق من فجوة الثقة بين موسكو والعواصم الأوروبية.
وتجدر الإشارة إلى أن قيمة الأصول الروسية المجمدة تقدر بنحو 300 مليار دولار موزعة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان، فيما توجد الحصة الأكبر في أوروبا، وخصوصاً في منصة «يوروكلير» البلجيكية التي تحتفظ بنحو 210 مليارات دولار من هذه الأصول.
نحو مواجهة مفتوحة وممتدة
في ضوء كل ما سبق، يتضح أن المواجهة بين روسيا والغرب لم تعد مجرد نزاع إقليمي في أوكرانيا، بل باتت تمثل صراعًا استراتيجيًا مفتوحًا على مستقبل النظام الدولي. فمشروع تقسيم روسيا ونهب ثرواتها، وتسليح أوكرانيا بلا قيود، وتحويل الاتحاد الأوروبي إلى كيان عسكري، ونهب الأصول الروسية لتمويل الحرب – كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى إعادة تشكيل العالم على أسس تخدم الهيمنة الغربية.
لكن روسيا، التي خبرت على مدار قرون مختلف أشكال الغزو والتدخل، لا تبدو في وارد الاستسلام. فخطاب موسكو اليوم بات أكثر حدة واستعدادًا للمواجهة، وسط تصاعد التحذيرات من مغبة تجاوز الخطوط الحمراء، وتهديدات صريحة بأن "الرد سيكون بحجم التحدي". وبينما تتجه أوروبا نحو عسكرة سياساتها، وتستمر واشنطن في صبّ الزيت على النار، يبدو العالم أمام مفترق طرق خطير، حيث تتقاطع المصالح والتهديدات، وقد لا تكون العواقب محصورة داخل حدود أوكرانيا.

