أعلنت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، اليوم الثلاثاء، عن قرار يقضي بإنشاء "الرصيد الوثائقي للأمير عبد القادر" بالمكتبة الوطنية الجزائرية، ليكون "مرجعاً مؤسساتياً" للأجيال القادمة، حسبما أفاد به بيان لوزارة الثقافة.
وجاء ذلك خلال حفل "جائزة الأمير عبد القادر" الذي أقيم بقصر الثقافة مفدي زكرياء بالعاصمة، بمناسبة الاحتفاء بالذكرى السنوية لمبايعة مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.
وشهد الحفل حضوراً رسمياً ونخبويًا ضمّ مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالتربية والتعليم العالي والتكوين المهني والثقافة ووزير المجاهدين وذوي الحقوق، إلى جانب مسؤولين في الدولة وباحثين ومثقفين ومبدعين، اجتمعوا لاستحضار الذاكرة الوطنية.
واستُهلت التظاهرة بلمسة معرفية وتاريخية من خلال افتتاح معرض شامل خُصص لسيرة الأمير عبد القادر، حيث طافت الوزيرة بين أروقة احتضنت معرضاً للكتاب يضم أهم ما جادت به القرائح حول شخصيته، ومعرضاً للصور الموثقة لمحطات كفاحه وبنائه للدولة، تمهيدًا لانطلاق المراسيم الرسمية للحفل.
وفي كلمة ألقتها بالمناسبة، أكدت الوزيرة أن اختيار هذا التاريخ "الملحمي" لمنح الجائزة هو تأكيد على أن الأمير لم يكن قائد مقاومة فحسب، بل كان مهندساً لفكرة الدولة والسيادة، مشيرة إلى أن تجربته التي جمعت بين العلم والشجاعة تكتسب اليوم راهنية استثنائية في ظل التحولات الدولية.
وأثري الحفل بمداخلات فكرية رصينة، وتخللت البرنامج وقفات إبداعية كقراءات شعرية لقصائد الأمير، وصولاً إلى اللحظة الحاسمة بقراءة تقرير لجنة التحكيم وتسليم الجائزة للفائزين، مع عرض ملخص للعمل المتوج الذي استحق الإشادة والتقدير.

عبقرية استثنائية
تتجلى عبقرية الأمير عبد القادر في كونه شخصية استثنائية لم تكتفِ بصناعة التاريخ عسكرياً، بل صاغته فكرياً وإنسانياً، حيث يمثل الرجل حجر الزاوية في الهوية الوطنية الجزائرية كونه مهندس الدولة الحديثة التي قامت على أسس تنظيمية متينة في وقت كانت فيه البلاد تواجه أعتى القوى الاستعمارية.
ولم تكن مقاومته مجرد رد فعل عاطفي، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً شمل بناء القلاع، وتأسيس الجيش المنظم، وابتكار نظام إداري وقضائي سيادي، مما جعل من "مبايعته" نقطة تحول تاريخية نقلت المقاومة من طابعها الشعبي العفوي إلى طابع الدولة المؤسساتية.
ومن الجانب الآخر، تبرز الشخصية الكونية للأمير في أبعادها الفلسفية والإنسانية التي تجاوزت حدود الجغرافيا، فقد كان عالماً وشاعراً مرهفاً، استطاع أن يجمع بين صرامة القائد العسكري وسماحة المفكر المستنير.
ولعل موقفه الشهير في دمشق مع المسيحيين، وتعامله الإنساني الراقي مع أسرى الحرب، هو ما جعل العالم ينظر إليه كأول واضع لأسس القانون الدولي الإنساني قبل اتفاقيات جنيف بعقود، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بإرثه اليوم.

