ترى حنان ساسي، العضو الناشطة في منظمة حماية المستهلك، في حديثها مع "الأيام نيوز"، أن واقع التعامل مع مخلفات الأضاحي في الجزائر، وعلى رأسها الجلود والشحوم، لا يزال يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية والتسيير المحكم، مشيرة إلى أن هذه المواد تُعامل في أغلب الأحيان كنفايات تُرمى أو تُتلف، بدل أن تُصنّف كمورد وطني يمكن استثماره لصالح الصناعات التحويلية.
وتؤكد ساسي أن الجزائر، التي تذبح مئات الآلاف من رؤوس المواشي سنويا خلال عيد الأضحى، لا تستغل سوى نسبة ضئيلة من هذه الجلود، بينما يضيع الباقي بسبب غياب منظومة جمع فعالة، وتراجع التنسيق بين البلديات والجهات الصناعية. وتعتبر أن ذلك يشكل "خسارة مزدوجة" للبيئة والاقتصاد على حد سواء.
وتوضح المتحدثة أن الجلود تُعد مادة أولية أساسية في الصناعات الجلدية، ويمكن أن توجه نحو التصدير بعد معالجتها، بينما تستعمل الشحوم في إنتاج الصابون، الشموع، وبعض أنواع الزيوت الصناعية وحتى الأسمدة العضوية، وهو ما يجعلها موردا ذا قيمة مضافة، لو تم التعامل معه بمنهجية واعية.
غير أن هذه الاستفادة، حسب ساسي، تبقى مشروطة بتوفير شروط دقيقة في الجمع والتخزين، على غرار السلخ السليم دون تمزيق، والتجفيف في أماكن جيدة التهوية، والرش بالملح الخشن بنسبة 30% من وزن الجلد. أما بالنسبة للشحوم، فتنصح بجمعها في أوعية نظيفة وتبريدها أو حفظها في أماكن باردة.
وتخلص إلى أن هذه الإشكالية تتطلب "مقاربة جماعية" تشمل المواطن، السلطات المحلية، الفاعلين الصناعيين، والجمعيات، مؤكدة أن توفير آليات واضحة وتكثيف التوعية الميدانية من شأنه أن يُحوّل هذه المخلفات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي فعّال يخدم الصناعة الوطنية.
ممارسات ميدانية تسيء للبيئة وتشوّه المشهد العام
وتحذر حنان ساسي من انتشار ممارسات ميدانية سلبية بعد ذبح الأضاحي، معتبرة أن ما يحدث في الكثير من الأحياء السكنية يعكس غياب ثقافة استهلاكية بيئية لدى شريحة واسعة من المواطنين. وتشير إلى أن ما يلاحظ ميدانيا، خاصة في أحياء مدينة وهران، هو رمي الجلود والشحوم عشوائيا في الشوارع أو قرب الحاويات، ما يتسبب في انتشار الروائح الكريهة ويشكّل بيئة خصبة لتكاثر الحشرات والجرذان.
وتلفت ساسي إلى أن بعض المواطنين يتركون الأعضاء الداخلية مثل الأمعاء وحتى الدماء، مرمية في أماكن الذبح أو أمام المنازل، دون القيام بتنظيف فوري. وتعتبر أن هذه الممارسات تُسيء إلى المشهد العام وتخلق حالة من الاستياء داخل الأحياء، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة في هذه الفترة من السنة.
وتضيف أن طريقة جمع النفايات لا تقل خطورة، حيث يلاحظ استخدام واسع لأكياس بلاستيكية خفيفة وغير مخصصة للنفايات العضوية، ما يؤدي إلى تسرب السوائل وتلويث الأرصفة والطرقات، خصوصا عندما تتراكم هذه المخلفات لساعات قبل أن يتم رفعها من قبل المصالح المختصة.
وتشير الناشطة إلى أن عمليات السلخ نفسها تتم أحيانا على الأرصفة أو أمام العمارات دون أدنى شروط النظافة أو احترام المجال العام، وهو ما يتنافى مع مبادئ الذوق العام والنظافة الحضرية. وتشدد على أن مثل هذه السلوكيات تنعكس سلبا على صورة الأحياء وعلى الصحة العمومية، وتستدعي تدخلا تنظيميا صارما.
وتؤكد أن الحل يكمن في التأطير المسبق وتكثيف التوعية، إلى جانب تفعيل آليات بديلة مثل نقاط تجميع مؤقتة وفرق متنقلة لجمع مخلفات الأضاحي، بما يسهم في الحفاظ على نظافة المدن ويتيح فرصة حقيقية لاستغلال هذه الموارد بدل تركها للفساد.
جهود توعوية لا ترقى لحجم التحدي
وترى حنان ساسي أن ما تحقق من حملات توعية خلال السنوات الأخيرة حول استغلال مخلفات الأضاحي يُعد خطوة إيجابية، إلا أنه لا يزال بعيدا عن مستوى التحديات المطروحة ميدانيا. وتوضح أن السلطات العمومية ووسائل الإعلام بذلت مجهودات مشكورة، لكنها تبقى غير كافية بالنظر إلى الكميات الهائلة من الجلود والشحوم التي تُهدر سنويا، دون أي مردود اقتصادي أو بيئي ملموس.
وتعتبر أن الخطاب التوعوي الحالي يظل عاما وموسميا، في حين أن المطلوب هو اعتماد مقاربة تشاركية مستدامة، تُشرك فاعلين متعددين من الإعلام، الجمعيات، الأئمة، المؤسسات التربوية، وممثلي المجتمع المدني، مشيرة إلى أن تغيير سلوك المستهلك يتطلب زمنا وتراكما في التأثير، لا مجرد رسائل عابرة قبيل العيد بأيام.
وتقترح ساسي أن تبدأ الحملات التحسيسية في وقت مبكر، بأساليب حديثة وموجهة للفئات المستهدفة، مؤكدة أن استهداف الأطفال والمراهقين في المدارس قد يكون له أثر طويل الأمد في ترسيخ ثقافة بيئية واقتصادية جديدة. كما تدعو إلى إشراك المساجد في هذه العملية من خلال إدماج الأبعاد البيئية في خطب الجمعة وخطب العيد.
وترى أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تلعب دورا محوريا، لكونها تتيح الوصول السريع إلى فئات واسعة من المجتمع. وتشيد بمبادرات بعض الجمعيات التي أطلقت مقاطع فيديو توعوية مبسطة، لكنها تؤكد أن مثل هذه الجهود الفردية تحتاج إلى دعم وتنسيق رسمي حتى تتوسع وتتحول إلى حملات وطنية مؤطرة.
وتشدد المتحدثة على أن نجاح أي استراتيجية توعية يجب أن تقاس بمدى تغير سلوك المواطن. ومن هنا، تؤكد على أهمية تقييم الحملات السابقة، والاستفادة من أخطائها، لتأسيس نموذج توعوي فعال يُحوّل المواطن من مجرد متلق للمعلومة إلى شريك فاعل في حماية البيئة وتعزيز الاقتصاد الدائري.
كيف نحفز الأسر على تسليم المخلفات
كما تدعو حنان ساسي، بصفتها ممثلة عن منظمة حماية المستهلك، إلى تبني حزمة من الإجراءات الميدانية والعملية لتحفيز الأسر الجزائرية على تسليم مخلفات الأضاحي، بدل رميها عشوائيا، مؤكدة أن الحلول موجودة لكن تفتقر إلى التنسيق والجدية في التنفيذ. وتعتبر أن البلديات يمكن أن تلعب دورا محوريا في إنجاح هذه العملية إذا ما توفرت لها الإمكانات والدعم اللوجستي اللازم.
وتقترح ساسي إنشاء نقاط جمع رسمية مؤقتة داخل الأحياء، تُشرف عليها البلديات بالتنسيق مع مؤسسات مختصة في جمع الجلود والشحوم، مع ضرورة الإعلان عنها مسبقا عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتسهيل وصول المواطنين إليها وتشجيعهم على التعامل معها.
وتؤمن بأن التحفيز المادي والمعنوي يمكن أن يحدث فرقا في سلوك المواطن، وتعرض في هذا السياق إمكانية تقديم مقابل رمزي أو هدايا بيئية بسيطة مثل مواد تنظيف أو أكياس نفايات أو حتى شهادات شكر رمزية، مقابل تسليم المخلفات في النقاط المخصصة. وترى أن هذه الخطوة قد تحدث تفاعلا إيجابيا لدى المواطنين، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية.
وتؤكد ساسي أهمية إشراك الجمعيات الشبابية والكشافة الإسلامية في حملات التحسيس والتوجيه الميداني خلال أيام العيد، نظرا لقدرتها على الوصول المباشر إلى العائلات ونشر ثقافة التدوير بشكل مبسط ومقنع. كما دعت إلى تنظيم ورشات بيئية موجهة للأطفال والمراهقين لتوعيتهم بأهمية إعادة استغلال مخلفات الذبح.
وتختم بضرورة تشجيع المبادرات المحلية والمقاولات الصغيرة التي تنشط في مجال إعادة تدوير الجلود والدهون الحيوانية، وربطها بالمستهلك عبر منصات إلكترونية أو معارض موسمية، مع اقتراح إطلاق تطبيق إلكتروني أو تخصيص رقم أخضر يسمح للمواطنين بمعرفة أقرب نقطة جمع، أو حتى طلب فرق متنقلة لاقتناء الجلود في الأحياء الكبرى، ما سيجعل العملية أكثر تنظيما وقابلية للتوسع في المستقبل.
بين قدسية الشعيرة واحترام المحيط
وتؤكد حنان ساسي أن الحفاظ على قدسية شعيرة الأضحية لا يتعارض إطلاقا مع احترام البيئة والصحة العمومية، بل إن تعاليم الدين الإسلامي نفسها تدعو إلى النظافة، عدم التبذير، والإحسان في الذبح. وترى أن التحدي الحقيقي يكمن في أداء الشعيرة وفي كيفية تنظيمها وتأطيرها بما يضمن عدم الإضرار بالمحيط والسكان.
وتوضح أن الكثير من الممارسات الخاطئة التي تُسجّل خلال عيد الأضحى لا ترتبط بالدين، بل بسوء الفهم والغياب الكلي للتوجيه، مؤكدة أن الذبح في الطرقات أو رمي الدماء والمخلفات أمام البيوت هي سلوكيات لا تكرّس القيم الدينية، بل تُسيء إليها. وتشدد على ضرورة إدماج البعد البيئي ضمن الخطاب الديني، ليُصبح جزءا من الوعي الجمعي خلال هذه المناسبة.
وتدعو البلديات إلى تخصيص فضاءات مجهزة لذبح الأضاحي تحت إشراف المصالح البيطرية، حفاظا على اللحوم وضمان الرقابة الصحية، مع احترام خصوصية الأسر التي تختار الذبح المنزلي. وترى أن ذلك لا يمنع من توفير إرشادات عملية وتوزيع منشورات توعوية حول كيفية الذبح السليم والتخلص الآمن من المخلفات.
وتقترح الناشطة أن يضطلع الأئمة والدعاة بدور أكبر في توجيه المواطنين، من خلال خطب العيد التي تتناول قيم الإسلام في التعامل مع البيئة والمجتمع، وتوضح كيف يمكن الجمع بين أداء العبادة والتحلي بالمسؤولية الجماعية. كما تؤكد أهمية إشراك وسائل الإعلام المحلية في نشر هذه الثقافة، خصوصًا الإذاعات الجهوية ذات التأثير المباشر.
وتختتم ساسي حديثها بالقول إن "الأضحية المسؤولة" هي التي تجمع بين البُعد الروحي، والتضامن الاجتماعي، والاحترام البيئي، مشددة على أن الجزائر تملك من الرصيد الديني والثقافي ما يكفي لتجسيد هذا التوازن. غير أن بلوغ هذا الهدف يمر حتما عبر الوعي، التنظيم، والانخراط الجماعي في الحفاظ على نظافة الأحياء وصحة المواطنين خلال أيام العيد وما بعدها.

