في الخامس من جويلية، لا يكتفي الجزائريون بترديد النشيد الوطني ورفع الرايات، بل يقفون أمام مرآة التاريخ يستعرضون مسارًا طويلًا من التضحيات والإنجازات. هي لحظة تقييم ومسؤولية جماعية: ماذا تحقق منذ 1962؟ وما الذي ينتظرنا بعد 63 عامًا من الاستقلال؟ بعد أكثر من ستة عقود، تبدو الجزائر اليوم واقفة بشموخ، متطلعة إلى مستقبل أكثر قوة وسيادة وتأثيرًا، مسلحة بروح نوفمبر وإرادة التغيير التي لا تلين.
من رحم المعاناة إلى معجزة الانبعاث الوطني
من رحم المعاناة ودماء التضحيات، وُلدت الجزائر المستقلة، شعبٌ عانى لأكثر من 130 عامًا من ويلات الاستعمار الفرنسي، ذاق خلالها مرارة القهر والتهجير والقمع، وحُرم من أبسط حقوقه في الكرامة، والتعليم، والسيادة. لكن هذا الشعب، الذي حاول المستعمر طمسه، نهض من تحت الركام، حاملاً في قلبه إيمانًا لا يُقهر، وفي يده مشعل الثورة، ليكتب واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في القرن العشرين.
وفي 5 جويلية 1962، بزغ فجر الاستقلال، لتبدأ معركة البناء الوطني، وهي معركة لا تقل شراسة عن الكفاح المسلح. كانت الدولة الناشئة مطالبة ببناء مؤسساتها من الصفر، وإنعاش اقتصادها، وتوفير التعليم والصحة والغذاء لملايين المواطنين الذين كانوا يفتقرون لأبسط مقومات الحياة الكريمة.
اليوم، وبعد 63 عامًا، أصبح عدد سكان الجزائر يفوق 47 مليون نسمة (تقديرات الديوان الوطني للإحصائيات لعام 2025)، يعيشون في ظل دولة ذات سيادة كاملة، مؤسساتها قائمة، واقتصادها يسعى لتحقيق التنويع، ومجتمعها يزداد وعيًا بدوره في الحفاظ على المكاسب، والدفع بعجلة التنمية إلى الأمام.
التعليم… من الأمية إلى نهضة معرفية وطنية
عند الاستقلال، كانت الجزائر تواجه تحديًا هائلًا: أكثر من 90% من سكانها أميون، وعدد ضئيل من المدارس والمعلمين، لا يتجاوز 2000 معلم على كامل التراب الوطني. أما اليوم، فقد تحولت المدرسة الجزائرية إلى عماد الدولة، حيث ارتفع عدد المؤسسات التربوية إلى أكثر من 30.500 مؤسسة في جميع الأطوار، تضم نحو 11 مليون تلميذ.
وفي تصريح خص به "جريدة الأيام نيوز"، أكد الدكتور عامر رخيلة أن "كل من يعرف الحالة التي كان عليها وضع التعليم في الجزائر في سنة 1963، وما وصلت إليه الحالة التربوية في الجزائر الآن، يدرك كل إدراك بأن الجزائر المستقلة حققت نتائج تضاهي ما هو موجود في البلدان المتقدمة المستقرة. ولم يكن ذلك بالأمر السهل، بل كان نتيجة تجند المجتمع كمجتمع، والعطش والمتعطش للمعرفة، وفي الوقت ذاته وجود إرادة سياسية في إحداث ثورة ثقافية في المجتمع، وإدراك أن رسالة تعليمية، رسالة مقدسة وشريفة كان لابد من بثها."
وأضاف المتحدث: "التعليم العالي هو التتويج لمنظومة تعليمية تربوية، وهو القطاع المؤهل بأن يمكن الإدارة الجزائرية ومختلف مرافق ومؤسسات الدولة من إطارات جامعية كفأة من أن تؤدي رسالتها. فعلا، هذا الشيء الذي حصل في الجزائر اليوم ومنذ الاستقلال، أن القطاعات، سواء التقنية أو الاقتصادية البحتة هي من إطارات جزائرية، لا سيما في إنتاج الطاقة، والصناعات التحويلية، والاستخراجية، والفضل يرجع -كل الفضل- للإطارات الجزائرية التي أساسها المدرسة الجزائرية".
من جهة أخرى تضاعف عدد الجامعات والمراكز البحثية، ليصل عددها إلى 111 مؤسسة جامعية ومركزًا بحثيًّا في 2025، مع أكثر من 2.4 مليون طالب وطالبة. وتشير بيانات وزارة التعليم العالي إلى تسجيل ارتفاع بنسبة 12% في عدد الطلبة الجدد مقارنة بـ2024، وهو ما يعكس تزايد الإقبال على التعليم العالي باعتباره ركيزة للتنمية المستدامة.
الصحة الوطنية.. من هشاشة الرعاية إلى السيادة الطبية
غداة الاستقلال، لم يكن للجزائريين إلا بضع مستشفيات متهالكة، وغطاء صحي لا يشمل سوى النخبة. أما اليوم، فتتباهى الجزائر بشبكة صحية تضم أكثر من 580 مؤسسة استشفائية، بينها 16 مستشفى جامعيا و297 مؤسسة استشفائية عمومية، بالإضافة إلى أكثر من 2.400 عيادة متعددة الخدمات.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور عامر رخيلة: "المنظومة الصحية الجزائرية اليوم، بفضل أبنائها فقط، فعلاً أصبحت منظومة صحية متكاملة. الجزائر، على شساعة مساحتها التي تتجاوز 2.3 مليون كيلومتر مربع، لا تكاد تخلو فيها قرية أو بلدية أو دائرة من وجود مرافق صحية عدة. لدينا التأمين الصحي الذي يعتمد على سياسة العلاج المجاني وتوفير مرقد لكل مريض في المستشفيات الجزائرية، والعلاج الآن يقوم به جزائريون خريجو المدرسة الجزائرية، وخاصة الجامعة الجزائرية."
تحسّنت مؤشرات الحياة بشكل كبير، فمتوسط العمر ارتفع من 42 سنة في 1962 إلى 77.2 سنة في 2025، كما انخفض معدل وفيات الرضع من 120 لكل ألف مولود إلى 18 لكل ألف فقط. وتشير بيانات وزارة الصحة لسنة 2025 إلى أن الجزائر تحقق الاكتفاء الذاتي في عدد الأطباء، حيث يقدّر عددهم بأكثر من 135.000 طبيب في مختلف التخصصات، مع ارتفاع نسبة الأطباء المكونين على أحدث التقنيات الطبية بالخارج بنسبة 15% خلال السنوات الخمس الأخيرة.
الجيش الوطني الشعبي.. درع الوطن وسليل جيش التحرير
الجيش هو المؤسسة المحورية في الجزائر والتي تتقيد بنص وروح الدستور الجزائري من جيش انطلق من الجبال والأدغال إلى جيش عصري متكامل، يظل الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، حامي مكاسب الاستقلال وضامن استقرار الدولة.
وفي هذا الجانب، أكد الدكتور رخيلة أن "الجيش الجزائري هو جيش وطني، عقيدته نابعة من جيش التحرير الوطني، وليست عقيدة جيوش انقلابية أو قبلية أو جهوية. هو جيش يعرف قيمة كل حبة تراب من أرض الجزائر، ساهم في بناء الدولة وحماية حدودها واستقرارها، وهو مؤسسة جمهورية تؤدي مهماتها بكل مهنية."
واليوم، يحتل الجيش الجزائري المرتبة الثانية إفريقيا والـ25 عالميًّا حسب تصنيف “Global Firepower” لعام 2025. حيث يمتلك أسطولًا حديثًا من الطائرات المقاتلة، والدبابات، والغواصات، وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب خبرات متقدمة في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود الممتدة لأكثر من 6,385 كلم.
الاقتصاد… نحو تنويع حقيقي واستدامة
في بدايات الاستقلال، كانت الجزائر تعتمد بنسبة تفوق 95% على صادرات النفط والغاز. أما اليوم، فرغم استمرار التبعية للمحروقات، تعمل الجزائر على تنويع اقتصادها. بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 268 مليار دولار في 2025، مع معدل نمو يقدّر بـ3.8%..
قفزت الصادرات خارج المحروقات إلى 7 مليارات دولار لأول مرة، بفضل منتجات مثل التمور (1.3 مليون طن سنويًّا)، والخضر والفواكه، والصناعات الكيماوية والتحويلية. كما شهدت الزراعة تطورًا كبيرًا بفضل التقنيات الحديثة والري بالتقطير، مما ساعد على تحقيق الاكتفاء الذاتي في منتجات أساسية عدة.
ويقول الدكتور رخيلة في هذا الإطار، إن "الأمن الغذائي هو نجاح الفلاحة في الجزائر. الدولة التي لديها سهول خصبة، وصحراء واسعة، لا تعرف الجوع. الجزائر اليوم تمكنت من تحقيق اكتفائها الغذائي، ولم تعد رهينة لضغوط خارجية. هذا إنجاز استراتيجي تحقق بفضل جهود الفلاحين والإرادة السياسية القوية."
مستقبل الجزائر… بين رهانات التحول وتطلعات الشباب
بينما تحتفل الجزائر بمرور 63 سنة على استرجاع سيادتها الوطنية، يبرز سؤال جوهري: ما الذي ينتظرها في العقود المقبلة؟ المستقبل، كما يراه المراقبون، مرهون بقدرة الدولة على مواجهة التحديات الكبرى، واستثمار قوة المجتمع الشاب الذي يمثل أكثر من 60% من إجمالي السكان.
في الجانب الاقتصادي، يبقى تنويع مصادر الدخل أولوية ملحة لتقليص التبعية التاريخية للمحروقات. رغم الجهود التي تُبذل في تطوير قطاعات الفلاحة، والسياحة، والصناعات التحويلية، إلا أن تحقيق اقتصاد متنوع ومستدام يتطلب تسريع وتيرة الإصلاحات، وتحسين مناخ الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب دعم المبادرات المحلية وريادة الأعمال لدى الشباب.
الشباب الجزائري، المتعلم والطموح، يواجه اليوم تحديات البطالة، وضعف آليات التمويل لمشاريعه الناشئة، والحاجة إلى بيئة اقتصادية مرنة تستوعب طاقاته. هنا، يُجمع خبراء التنمية على أن الجزائر تمتلك كل المقومات للتحول إلى قوة إقليمية في الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة إذا ما استثمرت في العنصر البشري، باعتباره الثروة الحقيقية.
وفي السياق الاجتماعي، يبرز تحدي بناء مجتمع متماسك في مواجهة التحولات العالمية، مع تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة، والانفتاح الإيجابي على العالم. هذا يتطلب تحديث منظومات التعليم، والصحة، والإدارة، بما يضمن العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق بين المدن والقرى، والساحل والجنوب. والتي مردها إلى نقص الإمكانات وكثرة الطلب لا معايير أخرى.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن موقع الجزائر الاستراتيجي يجعلها لاعبًا محوريًّا في استقرار شمال إفريقيا والساحل الإفريقي. حماية الحدود الشاسعة، ومواجهة التهديدات الإرهابية، والتعامل مع ملفات الهجرة غير الشرعية تمثل تحديات أمنية مستمرة، وهو ما يعزز الدور المحوري للجيش الوطني الشعبي كسليل جيش التحرير في حماية سيادة البلاد.
في النهاية، المستقبل ليس مجرد حلم، بل مسؤولية وطنية جماعية. ومع الإرادة السياسية، وإبداع الشباب، وثروات الجزائر الطبيعية، يمكن للأجيال القادمة أن تبني جزائر قوية، مزدهرة، وأكثر قدرة على مواجهة أزمات القرن الجديد بثقة وعزيمة.
الاستقلال مسؤولية مستمرة
الجزائر اليوم، بعد 63 عامًا، ليست كما كانت في 1962. هي دولة صلبة، ذات سيادة، تملك مؤسسات قوية، وجيشًا عصريًّا، واقتصادًا واعدًا، ومجتمعًا حيًّا متحفزًا للتغيير. لكن الطريق لم ينتهِ بعد، فالمستقبل يتطلب وعيًا جماعيًّا وإرادة سياسية قوية لترجمة هذه الإمكانات إلى إنجازات عملية. فالجزائر التي حررها الشهداء، يبنيها اليوم أبناؤها، لتبقى كما أرادوها: حرة، وقوية، وعزيزة.

