في الخامس من جويلية، تتجدد في الجزائر لحظة وطنية جامعة، تختلط فيها ذاكرة الاستقلال بأحلام الحاضر وتطلعات المستقبل. إنها مناسبة مزدوجة: عيد الاستقلال وعيد الشباب، حيث يتحول الاحتفاء من مجرد رمزية تاريخية إلى فعل حيّ يتجسد في ديناميكية شبابية تصوغ واقعها، وتبني جزائر قوية متحررة من التبعية.
وضمن هذا المسار، تبرز "مؤسسة شباب الجزائر" كواحدة من أنشط الفواعل الجمعوية وأكثرها تأثيرًا، من خلال مشاريع ملموسة تعيد الاعتبار لدور الشباب كمحرك رئيسي للتنمية، وشريك في القرار المحلي، ضمن رؤية تستلهم روح الاستقلال، وتترجمها إلى فعل قاعدي ممنهج.
من الحراك إلى الفعل.. ولادة على وقع الوعي
نشأة المؤسسة جاءت في سياق سياسي واجتماعي استثنائي، على خلفية الحراك الشعبي الذي فجّر طاقات المجتمع، وأعاد طرح سؤال "المواطنة الفاعلة".
وفي هذا السياق أوضح رئيس المؤسسة ياسين تاج الدين بوهريرة، أن النشأة لم تكن لحظة عاطفية بل ثمرة وعي جماعي متجدد، ترجمه شباب آمنوا بضرورة الانتقال من موقع المتفرج إلى الفاعل.
كما أشار بوهريرة إلى أن المؤسسة انطلقت من مبادرة شبابية بسيطة، وتحوّلت إلى شبكة وطنية تضم عشرات الفاعلين، تنشط في مجالات التكوين، التمكين، المناصرة، والمشاركة المحلية.
"الشباب والتنمية المحلية".. من الشعار إلى التطبيق
ومن بين أهم مشاريع المؤسسة، يبرز مشروع "الشباب والتنمية المحلية" كمقاربة عملية تستهدف إعادة ربط الشباب بمحيطهم البلدي، وتمكينهم من التأثير في قرارات التنمية.
وأكد رئيس المؤسسة أنّ المشروع يرتكز على ثلاث دعائم رئيسية تكوين الشباب على فهم الموازنات المحلية والتخطيط التشاركي، ودعم المبادرات المجتمعية وصياغة مشاريع محلية إلى جانب مرافقة المشاركة الفعلية في المجالس المنتخبة والعمل البلدي.
نتائج ميدانية.. أثر قابل للقياس
وبعيدا عن الخطابات النمطية، تؤكد المؤسسة اعتمادها على منهجية مدعّمة بالأرقام والنتائج الملموسة حيث استفاد أكثر من 8000 شاب وشابة من الورشات التكوينية الميدانية، تم خلالها تعزيز مهاراتهم في أدوات التخطيط المحلي وآليات التأثير على القرار العمومي.
كما تم تنظيم أكثر من 100 دورة تدريبية على مستوى البلديات، ورفع 300 مقترح تنموي إلى المجالس الشعبية المحلية، نابعة من لقاءات مباشرة مع المواطنين.
ويوضح بوهريرة أن هذه الأرقام تعبّر عن تحوّل حقيقي في موقع الشباب، من مفعول به إلى قوة اقتراح وتغيير.
علاقة متذبذبة مع الإدارة المحلية
ورغم النتائج الإيجابية، يشير رئيس المؤسسة إلى وجود تفاوت واضح في تجاوب الإدارات المحلية.
وفي حين رحبت ولايات كالشلف وأدرار، وسيدي بلعباس بالتجربة واحتضنتها، اصطدمت المؤسسة في ولايات أخرى بعقليات بيروقراطية عطلت المسار.
لكن يؤكد بوهريرة أن الرهان على الاستمرارية والمهنية، والاشتغال بلغة النتائج، هو ما سمح بتجاوز تلك العقبات، وبناء جسور ثقة مع المؤسسات الرسمية.
المرأة الشابة.. من التمثيل إلى القيادة
وفي شق آخر، تؤكد المؤسسة إدراج ملف تمكين المرأة في صلب استراتيجيتها، لا كقضية ظرفية بل كخيار استراتيجي، من خلال برنامج "المرأة والتنمية المحلية"، أين تم تأطير أكثر من 500 شابة في 10 ولايات في مجالات القيادة المجتمعية، التخطيط المحلي، والعمل البلدي.
وأشار رئيس المؤسسة إلى أنه حاليا يجري إعداد دليل تدريبي خاص بالشابات في المناطق الريفية، ليكون أداة عملية نحو إدماج فعلي وعادل للمرأة في مسارات التنمية المحلية.
الجامعة.. من التلقين إلى الشراكة التنموية
وفي هذا الشأن يوضح بوهريرة أنّ التغيير لا يكتمل دون انخراط المؤسسات العلمية، لذلك نسجت المؤسسة شراكات مع جامعات ومدارس عليا على غرار جامعة الجزائر 1، جامعة باب الزوار، والمدرسة العليا للمانجمنت.
هذه الشراكات أفضت إلى تنظيم أنشطة ميدانية بالشراكة مع النوادي الطلابية في مجالات ريادة الأعمال الاجتماعية، الذكاء الترابي، والابتكار البيئي المحلي، بما يحوّل الجامعة من فضاء نظري إلى حاضنة للفعل المجتمعي.
شباب المهجر.. جسر أفكار ودعم
وفي هذا الشق أكد ياسين تاج الدين أن امتداد المؤسسة لم يقتصر على الداخل. فقد تم إطلاق منصة "شباب الجزائر في المهجر"، بهدف إشراك الكفاءات الجزائرية بالخارج في التنمية المحلية.
ويشير بوهريرة إلى أن المبادرة ساهمت في إدماج خبراء جزائريين مقيمين بأوروبا وأمريكا ضمن برامج تدريبية، إلى جانب تقديم دعم معرفي وتمويلي لمشاريع شبانية محلية، مع التخطيط لتنظيم منتدى وطني يجمع شباب الداخل بالخارج سنة 2026.
رؤية مستقبلية.. نحو مرجعية وطنية
وفي أفقها المستقبلي، تؤكد المؤسسة سعيها نحو التحول إلى مرجعية وطنية في تمكين الشباب، عبر مشاريع استراتيجية، من بينها إطلاق مركز وطني لتكوين القيادات الشبانية، وتأسيس منصة رقمية لربط الشباب بالمجالس المنتخبة، مع توسيع برنامج التنمية المحلية نحو الهضاب العليا والجنوب الكبير.
عيد الشباب.. تجديد للعهد والمشروع
أكد بوهريرة أنه في ذكرى الاستقلال وعيد الشباب، لا تكتفي المؤسسة بإحياء رمزية المناسبة، بل تشير إلى ضرورة تحويلها إلى محطة لتقييم مسار الفعل الشبابي، وتجديد العهد مع التغيير وتُسند هذه القناعة بتوصيف الجيل الجديد "بجيل الاستقلال الثاني"؛ استقلال القرار، المبادرة، والتنمية، وهو ما يُجسده شباب يرفض الانتظار ويصنع مساحته بالفعل.
الجزائر الجديدة تُبنى من القاعدة
وفي لحظة وطنية تتداخل فيها الذاكرة التاريخية مع إشراقات الأمل، توضح "مؤسسة شباب الجزائر" أنّ ما تُقدمه ليس مبادرة موسمية، بل مشروع تأسيسي يعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وأن الاستقلال، وفق هذه المقاربة، ليس مجرد ذكرى بل مسار مستمر، تتعاقب عليه الأجيال، وتصوغه من جديد كل يوم بالفعل، والإرادة، وحلم لا ينطفئ.

