الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

100 يوم من الحرب على إيران.. كلفة اقتصادية متصاعدة وانقسام سياسي يُربك واشنطن


في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تُراهن على تحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال الحرب التي شنتها على إيران، كشفت المئة يوم الأولى على هذه الأزمة، عن تداعيات داخلية متزايدة ألقت بظلالها على المشهدين الاقتصادي والسياسي داخل الولايات المتحدة.

فبين ارتفاع أسعار الطاقة وعودة الضغوط التضخمية وتزايد أعباء الإنفاق العسكري، برزت تحديات اقتصادية جديدة أثرت على القدرة الشرائية للأمريكيين وأثارت مخاوف بشأن وتيرة النمو الاقتصادي.

وفي المقابل، أفرزت الحرب تحولات لافتة في الرأي العام الأمريكي، مع تصاعد الأصوات الرافضة لاستمرارها واتساع الانقسامات السياسية بشأنها، إضافةً إلى أنها أحدثت انقساما جيوسياسيا غير مسبوق بين واشنطن وعدد من أقرب حلفائها، خاصةً داخل حلف النيتو.

وفي هذا السياق، أكد الخبيران في الاقتصاد، فارس هباش وهواري تيغرسي، في حديثيهما لـ”الأيام نيوز”، أن الاقتصاد الأمريكي يواجه ضغوطا واضحة تمثلت أساسا في ارتفاع أسعار الطاقة، وعودة الضغوط التضخمية، إضافة إلى تصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.

فيما أوضح المحلل السياسي، مأمون أبو عامر، أن الحرب الأمريكية على إيران ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي الأمريكي وأثرت على شعبية الإدارة الحالية، ما يجعل تداعياتها تتجاوز البعد العسكري لتطال مختلف جوانب المشهد الأمريكي.

في هذا الصدد، أفاد البروفيسور فارس هباش، الخبير الدولي في الاقتصاد، أن مرور مئة يوم على الحرب الأمريكية على إيران كشف عن انعكاسات اقتصادية متزايدة داخل الولايات المتحدة، لم تعد تقتصر على البعد الجيوسياسي والعسكري، بل امتدت لتطال مختلف مؤشرات الاقتصاد الكلي، وفي مقدمتها التضخم وأسعار الطاقة والاستهلاك.

تفاوت التأثير بين القطاعات الاقتصادية المختلفة

وأوضح هباش، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن قطاع الطاقة كان أول المتأثرين بهذه الحرب، حيث أدت الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميا، إلى مخاوف جدية بشأن الإمدادات، وهو ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، لتتجاوز في عدة مناسبات عتبة الـ100 دولار للبرميل، بعد أن كانت تدور في حدود 60 دولارا قبل اندلاع الأزمة.

وأبرز محدثنا أن هذا الارتفاع انعكس مباشرة على السوق الأمريكية، من خلال زيادة أسعار الوقود داخليا، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل عام.

وأشار إلى أن الضغوط التضخمية عادت بقوة إلى الاقتصاد الأمريكي بعد فترة من محاولات احتوائها، حيث ساهمت أسعار الطاقة المرتفعة في دفع معدلات التضخم نحو الارتفاع، مع تقديرات تشير إلى أن الحرب قد تضيف نحو 0,6 نقطة مئوية إلى التضخم خلال عام 2026، مع تفاوت التأثير بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.

كما نوّه إلى أن المواطن الأمريكي بات يتحمل أعباء مالية إضافية، خصوصا فيما يتعلق بالوقود والكهرباء والنقل، لافتا إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن العبء الإضافي على الأسر قد بلغ في المتوسط نحو 750 دولارا خلال الأشهر الأولى من الحرب.

وأضاف أن هذا الوضع أدى إلى تراجع القوة الشرائية للأسر الأمريكية، خاصة لدى الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، وهو ما انعكس على سلوك المستهلكين الذين بدأوا يتجهون نحو المنتجات الأقل تكلفة، في ظل ارتفاع نفقات المعيشة والطاقة، مُشددا على أن الاستهلاك الخاص، باعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد الأمريكي، يجعل أي تراجع في إنفاق الأسر عاملا مباشرا في إبطاء النمو الاقتصادي.

استفادة بعض القطاعات من الوضع

وفي المقابل، ذكر أن بعض القطاعات استفادت من هذا الوضع، خاصة شركات النفط والغاز الأمريكية التي سجلت أرباحا مرتفعة بفضل صعود الأسعار العالمية، إلى جانب زيادة إنتاج المصافي الأمريكية وصادراتها، فضلا عن استفادة الولايات المنتجة مثل تكساس ونورث داكوتا من هذه الطفرة من حيث فرص العمل والإيرادات.

وأكد كذلك أن الحرب أدت إلى زيادة ملحوظة في الإنفاق الدفاعي الأمريكي، سواء عبر العمليات العسكرية المباشرة أو من خلال دعم الحلفاء وتعزيز الانتشار العسكري، وهو ما يساهم في تنشيط بعض القطاعات الصناعية والتكنولوجية، لكنه في المقابل يضغط على الموازنة الفيدرالية ويرفع من مستويات الدين العام.

ولفت إلى أن استمرار هذا الوضع قد يفاقم العجز المالي، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف خدمة الدين الحكومي، محذرا من تداعيات ذلك على المدى المتوسط والطويل.

كما أشار إلى أن الأسواق المالية شهدت تقلبات واضحة، حيث تعرضت الأسهم لضغوط بفعل المخاوف الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، في حين استفادت أسهم شركات الدفاع والطاقة من هذا الواقع الجديد، ما يعكس حالة عدم اليقين التي تطبع المرحلة، مُوضحا أن الاحتياطي الفيدرالي يواجه اليوم معادلة صعبة، تتمثل في الموازنة بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي دون الدخول في حالة ركود.

وأضاف محدثنا أن الاقتصاد الأمريكي، رغم هذه الضغوط، لا يزال يتمتع بعوامل قوة أساسية، أبرزها حجم السوق الداخلية، وقوة الدولار، ومرونة سوق العمل، غير أن استمرار الحرب لفترة أطول قد يرفع احتمالات تباطؤ النمو، خاصة في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

في ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أبرز هباش أن الاقتصاد الأمريكي يقف اليوم أمام معادلة مزدوجة، بين مكاسب قطاعية حققتها بعض الصناعات، وعلى رأسها الطاقة والدفاع، وخسائر أوسع يتحملها المستهلك الأمريكي نتيجة الضغوط التضخمية وتراجع القدرة الشرائية، مؤكدا أن مستقبل الاقتصاد يبقى مرتبطا بشكل مباشر بمسار الحرب ومدى عودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.

ضغوط اقتصادية واضحة على الاقتصاد الأمريكي

من جانبه، أوضح هواري تيغرسي، خبير في الشأن الاقتصادي، أنه وبعد مرور نحو مئة يوم على اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، يمكن القول إن الاقتصاد الأمريكي لم يدخل في حالة ركود حاد، غير أنه تعرض لضغوط اقتصادية واضحة، تمثلت أساسا في ارتفاع أسعار الطاقة، وعودة الضغوط التضخمية، إضافة إلى تصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.

وأشار تيغرسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن التأثير الأبرز للحرب ظهر وبشكل جلي في سوق الطاقة، حيث أدت الاضطرابات في مضيق هرمز والهجمات على البنية التحتية النفطية في المنطقة إلى قفزة قوية في أسعار النفط، التي ارتفعت من حدود 60 دولارا قبل الحرب إلى ما يفوق 100 دولارا للبرميل خلال الأشهر الأولى، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.

وأضاف أن هذا الارتفاع في أسعار الطاقة أدى إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، والصناعة التحويلية، والقطاع الزراعي والأسمدة، إضافة إلى قطاع الطيران والسياحة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن المصافي الأمريكية رفعت من مستويات إنتاجها بشكل قياسي للاستفادة من ارتفاع الأسعار وتعويض جزء من النقص العالمي في الإمدادات.

وفي السياق ذاته، نوّه الخبير إلى أن الولايات المتحدة، التي كانت تسعى لخفض معدلات التضخم نحو هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة، عادت لتواجه ضغوطا تضخمية جديدة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة، التي انتقلت بدورها إلى أسعار المواد الغذائية والنقل والتغليف والخدمات اللوجستية، ما وضع البنك المركزي أمام معادلة صعبة بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي.

ارتفاع العبء المالي للحرب على الخزينة الأمريكية

كما أشار إلى أن الأسواق المالية شهدت بدورها حالة من الاضطراب والتقلب، نتيجة المخاوف من اتساع نطاق الحرب، وارتفاع أسعار النفط، وتزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية، لافتا إلى أن أسهم قطاع التكنولوجيا تعرضت لضغوط في بعض الجلسات قبل أن تستعيد جزءا من خسائرها مع تراجع نسبي في المخاوف الجيوسياسية.

وفيما يتعلق بسوق العمل، شدد تيغرسي على أنه رغم التباطؤ النسبي في بعض القطاعات وارتفاع تكاليف الإنتاج، فإن سوق العمل الأمريكي لم يشهد موجات بطالة واسعة، بالنظر إلى مرونته مقارنة بأزمات سابقة.

كما أبرز أن بعض القطاعات استفادت من هذه الأزمة، وعلى رأسها شركات النفط والغاز الأمريكية، والصناعات الدفاعية والعسكرية، إضافة إلى شركات الخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة، فضلا من استفادة بعض الولايات المنتجة للنفط مثل تكساس ونورث داكوتا.

وأضاف أن العبء المالي للحرب ازداد على الخزينة الأمريكية، بفعل ارتفاع الإنفاق العسكري والدعم اللوجستي للعمليات، مع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول التكاليف إلى مئات المليارات من الدولارات في حال استمرار النزاع لفترة أطول.

خِتاماً، أبرز تيغرسي أن الاقتصاد الأمريكي، بعد مئة يوم من الحرب، لم ينهر ولم يدخل في ركود شامل، لكنه يواجه كلفة اقتصادية واضحة تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، عودة التضخم، تزايد تقلب الأسواق، وارتفاع الإنفاق العسكري، مقابل استفادة محدودة لقطاعات بعينها، ما يجعل استمرار الحرب أحد أبرز المخاطر على نمو الاقتصاد الأمريكي في 2026.

تحولات واضحة في اتجاهات الرأي العام الأمريكي

في الجانب السياسي، يرى مأمون أبو عامر، محلل سياسي فلسطيني، أن الحرب الأمريكية على إيران أفرزت تحولات واضحة في اتجاهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بموقف الشارع الأمريكي من هذه الحرب ومن العلاقة مع الكيان الصهيوني.

وأشار أبو عامر في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الحرب جاءت في سياق تأثر كبير بالتحريض الصهيوني، وهو ما انعكس على طريقة تشكل الموقف الشعبي الأمريكي منها، مبرزا أن الدعم الشعبي للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم يكن واسعا، إذ لم تتجاوز نسبة المؤيدين 35 بالمئة، في مقابل معارضة شعبية وصفت بالقوية تخطت 60 بالمائة من الأمريكيين الرافضين للحرب.

وأضاف أن هذه التطورات أفرزت انقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه، بين تيار يساند بقوة توجهات الرئيس وخياراته، وتيار آخر يرفض التورط في هذه الحرب، لافتا إلى أن تأثير اللوبيات الداعمة للاحتلال الصهيوني، وخاصة التيارات الإنجيلية، ما يزال حاضرًا بقوة داخل الحزب، لكنه لم يمنع تصاعد الأصوات المعارضة، خصوصًا لدى الأجيال الشابة.

وفي السياق ذاته، شدد على أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن ما بين 45 بالمائة و50 بالمائة من الشباب الأمريكي (18–35 سنة) داخل القاعدة الجمهورية يعارضون الحرب، بل ويبدون في بعض الحالات موقفا نقديا تجاه السياسات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في المزاج السياسي للأجيال الجديدة.

كما أضاف أن هذه التطورات السياسية تزامنت مع تداعيات اقتصادية داخلية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط والبنزين بنحو 35 بالمائة، وهو ما زاد من الضغوط على الإدارة الأمريكية وأثر على موقع الرئيس سياسيا، خاصة في ظل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة واحتمالات تراجع شعبية الحزب الجمهوري في الكونغرس.

وأكد أبو عامر أن التصويتات الأخيرة داخل مجلس النواب الأمريكي عكست بدورها هذا الانقسام، حيث مررت بعض القرارات بفوارق ضئيلة، ما يعكس حالة الاستقطاب الحاد بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل وداخل الحزب الواحد نفسه.

وفي الختام، أكد أبو عامر على أن الإدارة الأمريكية تواجه أزمة داخلية متصاعدة، نتيجة غياب إنجازات واضحة في هذه الحرب، وتزايد الكلفة المالية التي قُدّرت بعشرات المليارات، إلى جانب اتساع الفجوة بين القرار السياسي وتوجهات الشارع الأمريكي، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى البحث عن مخارج تقلل من مستوى التصعيد في المرحلة المقبلة، مع استفادة إيران من هذا التباين الداخلي داخل الولايات المتحدة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑