الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

إصلاح العقار الاقتصادي بوابة لإعادة توجيه الاستثمار المنتج

Author
صبرينة عيلان 04 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشكل مشروع المرسوم التنفيذي الجديد المتعلق بمنح الامتياز القابل للتحويل إلى تنازل على أراضي الدولة إحدى الخطوات التنظيمية المهمة التي تندرج ضمن مسار إعادة هيكلة منظومة العقار الاقتصادي في الجزائر، وهي المنظومة التي ظلت لسنوات طويلة محل نقاش واسع بين الفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين والسلطات العمومية بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحركية الاستثمار ومناخ الأعمال.

ويرى الدكتور أحمد الحيدوسي، الخبير الاقتصادي وأستاذ بجامعة الجزائر، أن أهمية هذا المشروع لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية تقنية أو إدارية ضيقة، بل ضمن رؤية اقتصادية شاملة تستهدف إعادة توجيه العقار الاقتصادي نحو أداء دوره الحقيقي كمحرك للنمو ووسيلة فعالة لخلق الثروة.

ويؤكد أن العقار الاقتصادي لا يمثل مجرد وعاء جغرافي لإقامة المشاريع، بل هو أحد أهم محددات النشاط الاقتصادي والاستثماري، بالنظر إلى ارتباطه بسلاسل الإنتاج، ومعدلات التشغيل، وحجم الاستثمارات المحلية والأجنبية، فضلا عن تأثيره المباشر على قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق التنويع وتقليص التبعية للمحروقات.

العقار الاقتصادي من منطق الحيازة إلى منطق القيمة المضافة

وأكد الدكتور أحمد الحيدوسي أن العقار الاقتصادي ظل خلال مراحل سابقة يمثل أحد أكبر التحديات التي واجهت المستثمرين في الجزائر، ليس بالضرورة بسبب ندرة الأراضي أو ضعف الإمكانيات العقارية للدولة، وإنما نتيجة غياب رؤية متكاملة تسمح بالاستغلال الأمثل لهذا المورد الاستراتيجي.

ويشير إلى أن المشكلة الحقيقية لم تكن مرتبطة بتوفير العقار في حد ذاته، وإنما بطريقة توجيهه واستغلاله، حيث شهدت فترات سابقة حصول بعض المستثمرين على أوعية عقارية واسعة دون أن تتحول إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع، بينما بقي مستثمرون آخرون يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على العقار رغم امتلاكهم لمشاريع قابلة للتجسيد.

ويرى أن مشروع المرسوم الجديد يحمل فلسفة مختلفة تقوم على الانتقال من مفهوم الحيازة إلى مفهوم القيمة المضافة، إذ لم يعد الهدف مجرد توزيع الأراضي، وإنما التأكد من أن هذه المساحات ستتحول إلى مشاريع إنتاجية قادرة على خلق الثروة وإحداث ديناميكية اقتصادية.

ويضيف أن هذا التحول يحمل أبعادا اقتصادية مهمة، لأن العقار عندما يتحول إلى عنصر منتج يصبح جزءا من الدورة الاقتصادية، ويساهم في رفع مستويات الإنتاج والاستثمار والتشغيل.

كما أن الامتياز القابل للتحويل إلى تنازل يمنح المستثمرين قدرا أكبر من الاستقرار والوضوح، لأن عدم وضوح الوضعية القانونية للعقار كان في كثير من الأحيان يشكل مصدر تخوف لدى المستثمرين الذين يفضلون المشاريع طويلة الأمد.

ويرى الخبير الاقتصادي أن تحسين مناخ الأعمال لا يرتبط فقط بالإجراءات الجبائية أو الحوافز المالية، بل يتطلب وجود منظومة متكاملة تبدأ من تبسيط الوصول إلى العقار وتنتهي بتهيئة الظروف المناسبة لإنجاز المشاريع.

ويؤكد أن المستثمر المحلي أو الأجنبي ينظر إلى مجموعة من المؤشرات عند اتخاذ قرار الاستثمار، من بينها الاستقرار التشريعي، وضوح الإجراءات، وسرعة المعاملات الإدارية، وإمكانية الحصول على العقار بطريقة شفافة.

ويشير إلى أن العديد من التقارير الاقتصادية الدولية أصبحت تعتمد على مؤشرات تتعلق بسهولة تأسيس المؤسسات والحصول على التراخيص وسرعة الإجراءات الإدارية، وبالتالي فإن تنظيم العقار الاقتصادي يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على صورة الجزائر الاستثمارية، كما أن وجود منظومة عقارية أكثر تنظيما يسمح بتقليص حالة عدم اليقين التي تؤثر على قرارات المستثمرين، لأن المستثمر يحتاج إلى رؤية واضحة تمكنه من بناء توقعات دقيقة حول تكاليف المشروع وآجال إنجازه.

ويضيف أن الاقتصاد الحديث يقوم على عامل السرعة، وبالتالي فإن أي تأخر في الحصول على العقار أو تسوية وضعيته قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار وضياع فرص اقتصادية مهمة،وفيما يتعلق بأهمية ضبط شروط الاستفادة من العقار، يرى الدكتور الحيدوسي أن هذه النقطة تشكل عنصرا محوريا في أي إصلاح يستهدف إعادة الثقة في منظومة الاستثمار.

ويشير إلى أن بعض الاختلالات السابقة أظهرت أن غياب المعايير الدقيقة يمكن أن يفتح المجال أمام ممارسات غير فعالة، سواء تعلق الأمر بالمضاربة العقارية أو تعطيل المشاريع أو سوء استغلال الأوعية العقارية، ويؤكد أن اعتماد شروط واضحة ودقيقة يمنح الأولوية للمشاريع ذات الجدوى الاقتصادية الفعلية، خاصة تلك التي تملك قدرة على خلق مناصب العمل ورفع القيمة المضافة وتوسيع النشاط الإنتاجي.

كما أن تعزيز الشفافية لا يقتصر على إعلان شروط الاستفادة فقط، بل يشمل كذلك اعتماد آليات رقمية تسمح بمتابعة الملفات ومراقبة مختلف مراحل منح العقار واستغلاله، ويضيف أن الشفافية تمثل عاملا أساسيا لبناء الثقة بين الدولة والمستثمر، لأن المستثمر عندما يشعر بوجود معايير موضوعية ومتكافئة يصبح أكثر استعدادا لتوسيع استثماراته.

ويرى كذلك أن ترشيد استغلال العقار أصبح ضرورة اقتصادية، لأن الأراضي الاقتصادية تمثل موردا محدودا ينبغي توجيهه نحو الأنشطة التي تحقق أكبر مردودية ممكنة.
وبخصوص الانعكاسات الاقتصادية المتوقعة لتوجيه العقار نحو مشاريع الترقية العقارية ذات الطابع التجاري، فيرى الدكتور أحمد الحيدوسي أن هذه المشاريع يمكن أن تشكل عاملا مهما لتحريك الاقتصاد الوطني إذا تم إدراجها ضمن رؤية متوازنة.

ويوضح أن هذه المشاريع تمتلك قدرة كبيرة على تحفيز النشاط الاقتصادي لأنها ترتبط بعدة قطاعات أخرى مثل البناء والأشغال العمومية، والصناعات المرتبطة بمواد البناء، والخدمات اللوجستية، والأنشطة التجارية، كما أن تطوير فضاءات الأعمال والمجمعات التجارية والمراكز الاقتصادية الحديثة يمكن أن يساهم في تحسين البنية الاقتصادية للمدن ورفع جاذبيتها الاستثمارية.

ويؤكد الحيدوسي أن التوسع في المشاريع التجارية ينبغي ألا يكون على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى، لأن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى استثمارات صناعية وتكنولوجية وزراعية تمتلك قدرة أكبر على تحقيق النمو المستدام، ويضيف أن الاقتصاد القوي هو الاقتصاد القادر على تحقيق توازن بين مختلف الأنشطة الاقتصادية دون التركيز على قطاع واحد فقط.

كيف يمكن تجاوز العراقيل الإدارية والبيروقراطية؟

وبشأن العراقيل الإدارية المرتبطة بالحصول على العقار الاقتصادي، يؤكد الدكتور أحمد الحيدوسي أن نجاح الإصلاحات لا يقاس فقط بإصدار النصوص القانونية، وإنما بمدى قدرتها على التطبيق الفعلي على أرض الواقع، ويشير إلى أن المستثمرين كانوا يواجهون في فترات سابقة تعقيدات عديدة مرتبطة بتعدد الهيئات المتدخلة وطول آجال معالجة الملفات، وهو ما أدى في كثير من الحالات إلى تأخر إنجاز المشاريع.

ويرى أن الحل يكمن في تعميم الرقمنة بشكل شامل، بما يسمح بإيداع الملفات إلكترونيا ومتابعتها في مختلف مراحل المعالجة، كما يقترح إنشاء قواعد بيانات موحدة تتضمن مختلف المعلومات المتعلقة بالأوعية العقارية المتاحة، بما يسمح للمستثمر بالحصول على رؤية واضحة حول الفرص المتوفرة،ويشدد أيضا على ضرورة اعتماد آجال زمنية محددة لمعالجة الملفات وتحديد المسؤوليات بدقة، بما يقلص من حالات التأخر الإداري.

ويؤكد أن تحسين تسيير العقار الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى محرك حقيقي للنمو إذا تم ربطه بإصلاحات أخرى تشمل الرقمنة وتبسيط الإجراءات وتحسين الحوكمة الاقتصادية، ويضيف أن نجاح هذا المسار سيعني الانتقال من منطق توزيع العقار إلى منطق الاستثمار المنتج، بما يسمح بتحويل الأراضي الاقتصادية إلى أدوات فعلية لخلق الثروة ودعم التنمية وتنويع الاقتصاد الوطني.

الجدير بالذكر أن الحكومة درست الأسبوع الماضي، مشروع مرسوم تنفيذي يحدد شروط وكيفيات منح الامتياز القابل للتحويل إلى تنازل على الأراضي التابعة للأملاك الخاصة للدولة، والموجهة لإنجاز مشاريع الترقية العقارية ذات الطابع التجاري، كما استمعت الحكومة إلى عرض حول خريطة المهن للمشاريع المهيكلة، باعتبارها أداة استشرافية موجهة لتشخيص الاحتياجات الحالية والمستقبلية من حيث الكفاءات، ومتابعتها بصفة منتظمة. وتهدف هذه الآلية إلى توفير يد عاملة مؤهلة تواكب متطلبات المشاريع الكبرى، وتضمن حسن سيرها من خلال نظام متكامل لجمع ومعالجة البيانات المرتبطة بالاحتياجات الكمية والنوعية من الموارد البشرية المؤهلة.

وتكتسي هذه الخريطة أهمية خاصة في ظل توسع المشاريع المهيكلة التي تتطلب كفاءات تقنية ومهنية متخصصة، بما يجعل التخطيط المسبق للموارد البشرية عاملا أساسيا لتفادي الاختلالات بين احتياجات الورشات الكبرى ومخرجات منظومة التكوين.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية