الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تلك الأيام

15 مارس 1844.. ذكرى انتصار أهالي مشونش على الغزاة الفرنسيين

Author
ربيعة خطاب 15 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في مثل هذا اليوم، تمكن أهالي مشونش ببسكرة من إلحاق الهزيمة النكراء بالغزاة الفرنسيين، الذين بدأوا يتوغلون في نواحي بسكرة مباشرة بعد احتلالها في 4 مارس 1844، فكانت هزيمتهم مدوية على يد مجاهدي مشونش، التي تبعد عن مقر ولاية بسكرة بـ28 كلم. وقد كان مركز قيادة المجاهدين ببيت جد العقيد سي الحواس رحمه الله، الذي حُوّل اليوم إلى متحف.

من معاقل المقاومة بالأوراس في بداية الاحتلال الفرنسي بلدة “هيمسونين” أو مشونش، الواحة الصغيرة الواقعة على ضفاف الواد الأبيض والقريبة من بسكرة (على مسافة 25 كلم). بسبب تضاريسها الجبلية الصخرية الصعبة، خرج إليها محمد الصغير بن أحمد بن الحاج (محمد الصغير بلحاج) من بسكرة في 4 مارس 1844، ولجأ إلى سكانها من قبيلة أولاد أحمد، لينظم عندهم صفوفه، حيث التفت حوله قبائل أحمر خدو.

في ربيع 1844، عندما وصل الدوق دومال إلى بسكرة، أرسل جواسيس يتقنون العربية إلى مختلف القبائل، لاستطلاع وضع السكان، والاجتماع مع أعيانها، وجمع المعلومات الإحصائية حول السكان وعدد المواشي، لتيسير سيطرتهم على المنطقة، والاستخبار على نشاط وتحركات محمد الصغير بلحاج.

من أشهر الضباط الذين عملوا بمنطقة الزاب: النقيب نوڢو، وديفو، وفورنيي.

بعدما استدلوا على مكان وجود محمد الصغير بلحاج، قاموا بإرسال فرسان من قوم بسكرة إلى مشونش، وواجههم الثوار بإطلاق وابل من الأعيرة النارية، ليعودوا إلى بسكرة خائبين ويخبروا قائد الحامية بما تعرضوا له. وفي اليوم نفسه، أرسل قائد قصبة بسكرة (ليلة 11-12 مارس) رتلا تحت قيادة الرائد ترومبلي (commandant Tremblay)، وشاركهم في العملية 150 فارسا من قومية بسكرة. تلقوا مقاومة شديدة من الثوار، الذين كانوا متربصين بهم في وسط غابة النخيل؛ أسفرت عن مقُتل جندي فرنسي وآخر من القومية.

في نشوة تلك الانتصارات، بادر محمد الصغير بلحاج بإعلان الجهاد ودعوة القبائل لمحاربة فرنسا، فاستجابت القبائل الأوراسية بالانضمام إليه. وفي ظرف وجيز، اجتمع عنده في مشونش أكثر من 1200 رجل، من بينهم 400 فارس.

في 15 مارس، توجهت قوات فرنسية ضخمة إلى واحة مشونش للمرة الثانية في ظرف أسبوع، تحت قيادة الدوق دومال (Duc d’Aumale) شخصيًا، بقوات قوامها 2400 رجل و600 فارس. اندلعت المواجهة بين الطرفين في الساعة الثانية بعد الزوال، تحصن المقاومون في أعالي الجبال الصخرية الزهرية اللون المحيطة بالبلدة.

يقول ضابط فرنسي من المدفعية في مراسلة له لقادته: “لم نتمكن من إحراز أي نتيجة طيلة أكثر من أربع ساعات لشدة المقاومة”.

كتب أحد جنود المعركة: “بدأ الهجوم على قرية مشونش واستولنا عليها بحراب البنادق، ليعتصم المقاومون بالقلعة (تخزين)، وشرع الدوق مونبونسيي (Montpensier) برميها بقذائف المدفعية، فأجبرت المقاومين على اللجوء إلى جبل صخري من الصعب تسلقه”.

تمكن المقاومون من صد جنود اللفيف الأجنبي لمرات عديدة. وعندما جمع الفرنسيون كل قواتهم، تمكنوا من تسلق الجبل الصخري تحت قيادة الدوق دومال، وقد قضوا كل يومهم من الفجر في قتال ومطاردة الأهالي، ولم يلتحقوا بخيام معسكرهم إلا في العاشرة ليلا، دون أخذ قسط من الوقت حتى للأكل.

استبسل المقاومون في المواجهة، وقابلوا القوات الفرنسية بضراوة بالرغم من إمكانياتهم البسيطة، مستخدمين الأحجار، التي أصابت إحداها أخ الدوق دومال في العين. قُتل في المعركة ضابطان وأربعة جنود، وجُرح ستة عشر فرنسيًا، بينما كانت خسائر الثوار أربعة عشر شهيد .

كما لم يتمكنوا من إلقاء القبض على محمد الصغير بلحاج، زعيم المقاومة، بسبب الأمطار الطوفانية التي هطلت في تلك الليلة. وظن الفرنسيون أنه فر إلى خارج الجزائر، وتحديدا إلى جريد تونس، بينما الحقيقة أنه تنقل إلى حلفائه من قبائل أحمر خدو وأولاد داود، ليعود في شهر ماي ويهاجم قصبة بسكرة، في عملية زعزعت الوجود العسكري الفرنسي بالمنطقة.

بعد انتهاء معركة مشونش، قام الفرنسيون بحرق غابة النخيل، وتدمير قلعة التخزين، والاستيلاء على أملاك الفارين من المقاومين. وقبل مغادرتهم بلدة مشونش، أجبروا كبار قبيلة أولاد أحمد وأولاد زيان على الحضور وطلب الأمان، وأخذوا البعض منهم إلى قسنطينة كرهائن.