2025.01.13
ثروة صاعدة في عمق الصخور.. نفط المستقبل ينبض في قلب الهقار

ثروة صاعدة في عمق الصخور.. نفط المستقبل ينبض في قلب الهقار


يؤكد البروفيسور جمال الدين عيسى، أستاذ الجيولوجيا المنجمية بجامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين، في تصريح لـ "الأيام نيوز"، أن الجزائر تمتلك مؤهلات جيولوجية واعدة تؤهلها للانضمام إلى نادي الدول المنتجة لليثيوم، المعدن الذي يُعرف عالميًا بـ "نفط المستقبل". ويُبرز أن هذا المورد الاستراتيجي يُعدّ عنصرًا محوريًا في التحولات التكنولوجية الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والتنقل الكهربائي.

وبحسب الأستاذ عيسى، فإن التركيز على الليثيوم يأتي في سياق السعي إلى تنويع الاقتصاد الوطني والتوجّه نحو استغلال الثروات المعدنية غير التقليدية. ويشير إلى أن الجزائر، التي تملك خبرات طويلة في مجال الجيولوجيا والتعدين، قادرة على استثمار هذا المورد بشكل علمي ومدروس، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية والإمكانيات التقنية اللازمة.

ويضيف أن أهمية الليثيوم تتجاوز كونه مادة أولية في صناعة البطاريات، ليكون عنصرًا حاسمًا في أمن الطاقة العالمي وفي التوازنات الاقتصادية المستقبلية. ومن هذا المنطلق، فإن اكتشافات الليثيوم في الجزائر يجب أن تُقرأ في سياق استراتيجي أشمل، يأخذ بعين الاعتبار التحولات العالمية في الطلب على المواد الأولية المرتبطة بالتحول الطاقوي.

ويخلص الأستاذ عيسى إلى أن الجزائر تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة استغلال مواردها الطبيعية، والليثيوم يمثل إحدى أبرز هذه الفرص التي يجب أن تُستثمر بعقلانية وبُعد نظر.

خريطة أبرز المواقع الجيولوجية الحاملة لليثيوم

ويوضح الأستاذ جمال الدين عيسى، أن الدراسات الميدانية والتحاليل الجيوكيميائية أظهرت وجود عدد من المناطق الجزائرية التي تحتوي على مؤشرات واعدة لوجود الليثيوم، خاصة في صخور البيغماتيت والغريزن، وهي بيئات جيولوجية تُعرف عالميًا بإمكانية احتوائها على هذا المعدن النادر.

ويُشير إلى أن أبرز هذه المواقع تتمركز في أقصى الجنوب الجزائري، على غرار حقل "تين فيلكي" الواقع في الدرع التوارقي، والذي يضم مئات العروق البيغماتيتية الغنية بالليثيوم والبريليوم والعناصر الأرضية النادرة. كما يبرز كل من مواقع "ريشلة"، "تامازارور"، و"غريوون" في الهقار، كمناطق شهدت حملات تحليلية مكثفة كشفت عن وجود معادن الليثيوم مثل الزينوالديت، والليبدوليت، والإسبودومين.

وفي شمال البلاد، يلفت الأستاذ عيسى إلى وجود مؤشرات جيولوجية مشجعة في الكتل الكريستالية لمنطقتي "كابيلي الكبرى والصغرى" و"إيدوغ"، حيث سُجلت نسب معتبرة من الليثيوم في الصخور الحاملة للفلور والبورون والتنجستن. كما يشير إلى وجود دراسات أولية حول الترسبات الطينية (بنتونيتية) في ولايات مثل مغنية وحمام بوحجر، والتي قد تحمل بدورها إمكانات مستقبلية واعدة.

ويُشدد الأستاذ عيسى على أن هذه المعطيات الجيولوجية، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى جهود ميدانية متواصلة وحملات تنقيب تفصيلية باستخدام أحدث التقنيات، لتحديد الكميات القابلة للاستغلال الاقتصادي، والتثبت من جدوى الاستثمار في كل موقع على حدة.

نتائج التحاليل العلمية ومؤشرات الجدوى الاقتصادية

كما سلط الأستاذ جمال الدين عيسى الضوء على نتائج التحاليل العلمية ومؤشرات الجدوى الاقتصادية لهذه الثروات غير التقليدية، وأكد أن الفريق العلمي الذي أشرف عليه قام بإجراء تحاليل دقيقة على العينات المستخرجة من عدة مواقع، أبرزها ريشلة، تين فيلكي، وتامازارور، باستخدام تقنيات متقدمة مثل التحليل الطيفي اللهبي (spectrophotométrie de flamme) والأشعة السينية (XRD)، مما سمح بتحديد نسب الليثيوم في الصخور والمكونات المعدنية بدقة. وقد أظهرت بعض العينات نسبًا مشجعة تجاوزت 2.5% من أكسيد الليثيوم (Li₂O) في معادن مثل الزينوالديت والليبدوليت، وهو ما يُعد مؤشرًا إيجابيًا بالمقاييس العالمية.

ويضيف أن توزيع هذه النسب يختلف من موقع إلى آخر، إلا أن التركيز الأكبر سُجل في الصخور البيغماتيتية التي تُصنَّف ضمن الرواسب الصلبة ذات الجدوى العالية، مقارنةً بالرواسب السائلة مثل المياه المالحة. كما أبرزت التحاليل وجود عناصر مرافقة ذات قيمة اقتصادية، مثل البريليوم والتنغستن والروبيديوم، ما يزيد من الجدوى المنجمية الشاملة لهذه التكوينات.

غير أن الأستاذ عيسى يُنبه في المقابل إلى ضرورة الحذر في تفسير هذه المعطيات، إذ أن الانتقال من نتائج مخبرية مشجعة إلى مشروع منجمي ناجح يتطلب دراسات جدوى اقتصادية مفصلة تشمل تكاليف الاستخراج والمعالجة، البنية التحتية، شروط السوق، ومدى توفر التكنولوجيا المناسبة.

التحديات الجيولوجية والفرص المستقبلية للاستغلال

ويختتم أستاذ الجيولوجيا المنجمية بجامعة باب الزوار، بالتأكيد على أن استغلال الليثيوم في الجزائر يمرّ بتحديات موضوعية لا يمكن تجاهلها، لكنها لا تُلغي الفرص الحقيقية التي تملكها البلاد لتطوير هذا المورد الاستراتيجي. ويشير إلى أن أبرز التحديات تتمثل في محدودية الدراسات العميقة، وضعف التنقيب المتخصص، وغياب خارطة وطنية مُحدَّثة تحدد بدقة الإمكانات الليثيومية القابلة للاستغلال.

كما يُلفت إلى أن بعض المناطق، مثل السبخات المالحة في الجنوب الشرقي، رغم توفر الشروط الجيولوجية المناسبة (مناخ جاف، أحواض مغلقة، حركات تكتونية نشطة)، إلا أنها تفتقر لما يُعرف بـ "المصدر الأولي" لليثيوم المرتبط بالنشاط البركاني والحراري المائي، ما يُقلل من فرص استغلالها اقتصاديًا، وفق ما خلُصت إليه بعض رسائل الدكتوراه الحديثة مثل دراسة زاتوت (2017).

في المقابل، يرى الأستاذ عيسى أن الفرص واعدة جدًا في الجنوب الكبير، خاصة في البيغماتيتات الغنية والمرتبطة بالبنى الجيولوجية القديمة، وهي مناطق لم تُستنفد بعد من حيث التنقيب والتحليل. ويُشدد على أن الاستغلال المستقبلي لا يجب أن يقتصر على تصدير المادة الخام، وإنما ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية وطنية لتطوير سلسلة قيمة صناعية متكاملة تشمل الاستخراج، التحويل، والتصنيع المحلي لبطاريات الليثيوم.

ويؤكد أن الجزائر أمام فرصة تاريخية لتدارك تأخرها في سباق المعادن الاستراتيجية، شريطة تبنّي مقاربة علمية تشاركية، تُشرك الجامعات ومراكز البحث في وضع السياسات، وتُوفر الشروط اللازمة لجذب الاستثمارات والشراكات الدولية التكنولوجية، مع الالتزام بمبادئ الاستغلال البيئي الرشيد والتنمية المستدامة.