الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

2026.. غابات الجزائر تقاوم الحرائق بالذكاء والتقنية

Author
راضية زبانة 15 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أكد بوعيشة بدر الدين، خبير الغابات، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن اللجنة الوطنية لحماية الغابات (2026)، ستعمل على “تعزيز منظومة الوقاية من الحرائق ومكافحتها وتحسين الجاهزية لمواجهتها”، مع تحديث الخطط وتنسيق الجهود بين السلطات المحلية والمجتمع المدني، مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة لضمان تقييم دقيق وتحكم أفضل في حرائق الغابات.

تأتي هذه التصريحات في سياق تنصيب اللجنة أمس السبت بالعاصمة الجزائرية، تحت إشراف وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين المهدي وليد، خلال مراسم حضرها الأمناء العامون للقطاعات المعنية، والمدير العام للغابات، والمدير العام للحماية المدنية، والمندوب الوطني للمخاطر الكبرى، إلى جانب مديري المؤسسات والهيئات العمومية أعضاء اللجنة، وإطارات قطاع الغابات ورئيس الغرفة الوطنية للفلاحة.

يشكّل تنصيب هذه اللجنة، التي تضم 27 عضوا يمثلون 14 قطاعا و13 مؤسسة وهيئة معنية بحماية الغابات، إجراء تنظيميا سنويا يهدف إلى التحضير المسبق لموسم مكافحة حرائق الغابات، الذي تم تعديل موعد انطلاقه إلى الأول من شهر ماي بدلا من الفاتح جوان سابقا، مع تمديد آجال اختتامه إلى أواخر نوفمبر، نظرا لاستمرار الظروف المناخية التي تساعد على اندلاع الحرائق، مثل ارتفاع درجات الحرارة والجفاف الموسمي. وقد أوضح الوزير في كلمته أن اللجنة ستعمل على تقييم الجهود الوطنية المبذولة خلال الموسم الفارط واستشراف التدابير الكفيلة بتحسين جاهزية كل الفاعلين لمواجهة هذه الآفة المصنفة ضمن المخاطر الكبرى في الجزائر.

تتجلى أهمية اللجنة الوطنية لحماية الغابات في مسؤوليتها عن “تعزيز منظومة الوقاية من الحرائق ومكافحتها وتحسين الجاهزية لمواجهتها”، وذلك من خلال تنصيب لجان عملياتية على المستوى الولائي والبلدي، بالإضافة إلى لجان خاصة بسكان المناطق القريبة من الغابات، كما أكد بوعيشة بدر الدين.

وأوضح أن اللجنة تعتمد على تحديث خطط المكافحة الوقائية والنشطة ضد حرائق الغابات، إضافة إلى الطفيليات والأمراض، وتنسيق أعمال المنظمات المعنية، ووضع برامج للولايات في بداية كل حملة، مع تقييم نهائي للاستفادة من التقارير الميدانية، وعقد اجتماعات تنسيقية وإطلاق برامج تحسيسية لتسهيل التدخلات الوقائية.

يظهر من هذا التوجه تركيز السلطات على “التجند الشامل لمؤسسات الدولة تحت توجيهات السلطات العليا للبلاد”، وتسخير كل الوسائل البشرية والمادية، مع تنسيق فعال بين الجيش الوطني الشعبي والمصالح الأمنية والحماية المدنية وإدارة الغابات، لضمان نجاح الحملات الوقائية وتقليل المساحات المتضررة.

بدر الدين بوعيشة

التكنولوجيا الحديثة ودورها في الرصد والتقييم

أكد بوعيشة أن ارتفاع أسعار المواد الأولية وتوجه الأفراد لاستخدام بدائل من الموارد الطبيعية، بما فيها الخشب والنباتات الطبية والعطرية المتوفرة في الغابات، زاد من الضغط على الثروة الغابية. كما ساهمت التحولات المناخية في دفع الجزائر لاعتماد استراتيجيات مسبقة تضمنت سن قوانين حماية أراضي الدولة، من خلال القانونين 21-23 و18-23، اللذين يهدفان للحفاظ على الثروة الطبيعية والغابية ضد أي عوامل مدمرة، سواء بشرية أو طبيعية.

تتجلى قوة الاستراتيجيات الحديثة في الجمع بين الوقاية والتدخل السريع، حيث تشمل حملات التوعية والتحسيس المكثفة عبر جميع الوسائل، ما أسهم في تقليل الحرائق والمساحات المتضررة مقارنة بالمعدل المسجل خلال العقد الماضي. فقد أعلن الوزير أن المساحة الإجمالية المحترقة سنة 2025 لم تتجاوز 5289 هكتارا، مقابل حوالي 40 ألف هكتار خلال العقد السابق، ما يمثل انخفاضا يقارب 90٪، ويعكس فعالية المقاربة الاستباقية والتشاركية بين مختلف القطاعات.

وفي سياق تعزيز الفعالية، يُبرز التعاون مع وكالة الفضاء الجزائرية واستخدام القمر الصناعي “ألكومسات 1” كأداة استراتيجية في مراقبة حرائق الغابات. فقد أوضح بوعيشة بدر الدين أن “الاتصالات الفضائية التي يوفرها القمر تسمح بربط فرق التدخل الميداني بمراكز القيادة حتى في المناطق الجبلية والغابية المعزولة”، ما يضمن نقل المعلومات والصور الجوية في الزمن الحقيقي، وتحديد البؤر الحرارية بدقة أكبر.

كما أن دمج بيانات الاستشعار عن بعد مع المراقبة الجوية والطائرات المسيّرة يمكّن من تحديد أماكن ومسارات انتشار الحرائق بدقة، مع تحديد طبيعة المساحات المحروقة، ما يعزز قدرة الجهات المعنية على اتخاذ قرارات دقيقة.

يكتمل هذا الجانب التكنولوجي مع استخدام نظم المعلومات الجغرافية لتحليل المخاطر وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، بما يضمن دقة الإحصائيات وموثوقية التقييمات، كما أكد الوزير على ضرورة “توحيد المنهجيات العلمية والعملياتية لتقييم الخسائر الناجمة عن الحرائق، من خلال اعتماد مقاربات موحدة تجمع بين المعاينات الميدانية والمعطيات الفضائية والتحليل الرقمي”.

تعزيز الجاهزية والتنسيق الميداني

تسعى اللجنة الوطنية، بحسب العرض المقدم من المديرية العامة للغابات، إلى بناء منظومة متكاملة تشمل كافة مراحل الوقاية والتدخل، مع إشراك المواطنين والمجتمع المدني في جهود التوعية والتبليغ المبكر، وتحفيز الفلاحين على تأمين ممتلكاتهم، إلى جانب دعم البحث العلمي والمؤسسات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحديثة. ويشمل ذلك:

  • تكوين فرق تضم الدرك الوطني وقطاع الغابات والحماية المدنية لمتابعة أسباب الحرائق على مستوى الولايات.
  • إشراك السكان المقيمين داخل الغابات أو بالقرب منها في جهود الوقاية والتبليغ المبكر، لضمان فعالية التدخل الأولي.
  • إعداد برامج توعية للفلاحين والناشطين في المجال الفلاحي المحاذين للغابات، لرفع مستوى الوقاية على الأرض.
  • تعزيز التعاون مع وكالة الفضاء الجزائرية في تحليل المعطيات الفضائية وضبط منهجية موحدة للتقييم الجوي والميداني لكل الفضاءات الغابية.
  • دراسة إمكانية استخدام القمر الصناعي الجزائري “ألكومسات 1” لتغطية الاتصالات في المناطق ذات التضاريس الصعبة.
  • دعم البحث العلمي والدراسات المتعلقة بحرائق الغابات وأنماطها، لتعزيز فهم المخاطر وتقييم المعطيات المرتبطة بها.
  • ربط مختلف المنصات الرقمية القطاعية الخاصة بمتابعة الحرائق لتوحيد المعطيات وتعزيز الاستجابة المبكرة.
  • تشجيع مساهمة المؤسسات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحديثة لتعزيز قدرات الوقاية والمراقبة.

وتشكل هذه التدابير، بالإضافة إلى توحيد المنهجيات العلمية والعملياتية لتقييم الخسائر الناجمة عن الحرائق، قاعدة قوية لتطوير حملة الوقاية من حرائق الغابات ومكافحتها لعام 2026، والتي أعلن الوزير أن افتتاحها سيكون في 1 ماي المقبل، لتكون تتويجا للجهود المبذولة على المستويين الوطني والمحلي، مع تعزيز التعاون بين كافة الهيئات والمؤسسات المعنية.

نتائج ملموسة واستراتيجية مستدامة

يشير البيان الوزاري إلى أن المساحات المتضررة من حرائق الغابات خلال العامين الأخيرين شهدت انخفاضا غير مسبوق، إذ لم تتجاوز المساحة الإجمالية المحترقة 5289 هكتارا سنة 2025، مقارنة بالمعدل السابق البالغ 40 ألف هكتار، وهو ما يعكس نجاح المقاربة الاستباقية والتشاركية.

كما أن اعتماد الرقمنة والعصرنة في إدارة مخاطر حرائق الغابات عبر استخدام الطائرات المسيّرة (140 طائرة خلال موسم 2026) وصور الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية يعزز القدرة على رصد البؤر الحرارية والتدخل السريع، ويضمن دقة الإحصائيات وموثوقية التقييمات.

تؤكد هذه الجهود أن الجزائر تتبنى استراتيجية شاملة تجمع بين الوقاية، التكنولوجيا الحديثة، التنسيق الميداني والمشاركة المجتمعية، ما يمكّنها من الحد من آثار الحرائق بشكل غير مسبوق، وضمان حماية مستدامة للثروة الغابية، مع توفير نموذج عملي يحتذى به في إدارة المخاطر البيئية.

وفي هذا السياق، شدد الوزير على أن حماية الغابات والموارد الطبيعية تعد جزءا لا يتجزأ من السيادة الوطنية، نظرا لارتباط هذه الثروة بالأمن الغذائي والبيئي والمائي، مما يجعل من حماية الغابات مسألة حيوية تتطلب جهودا مشتركة بين جميع القطاعات والمجتمع المدني.

تأتي هذه الاستراتيجية ضمن إطار تشريعي محكم، يعكس أهمية حماية الثروة الطبيعية والغابية، حيث يتيح القانونان 21-23 و18-23 تنظيم عمليات الوقاية ومكافحة الحرائق، وتحديد مسؤوليات مختلف الأطراف المعنية. ويشكل ذلك ضمانا لتوحيد إجراءات التدخل وتقليل المخاطر، بما يعكس نجاح التجربة الجزائرية في اعتماد مقاربة علمية وعملية متكاملة، تجمع بين الوسائل الميدانية والتكنولوجية، مع إشراك المواطنين والمجتمع المدني في مختلف مراحل الوقاية.