في قلب جحيم الشرق الأوسط المتصاعد، وبين ألسنة نار لا تكاد تنطفئ حتى تعود بأشدّ اشتعالًا، يطفو سؤال يقضّ مضاجع العواصم الكبرى ويؤرّق كواليس أجهزة الاستخبارات: ماذا لو قررت "«إسرائيل»" اغتيال رأس هرم السلطة في إيران، المرشد الأعلى؟ خطوة كهذه قد تراها طهران إعلانًا صريحًا باستهداف النظام نفسه، بل بمثابة إعلان حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هذا الاحتمال لم يعد مجرّد سيناريو خيالي، بل ورقة مشتعلة فوق طاولة الصراع، قد تُلهب المنطقة بأكملها، وتزجّ بها في أتون مواجهة غير مسبوقة تتجاوز كل الخطوط الحمراء.
ففي حال نفّذت "«إسرائيل»" هذا الاغتيال، فإن الرد الإيراني سيكون خارج حدود المألوف، ولن يُقاس بمنطق الردود الموزونة التي اعتدناها. سيكون الرد معمّمًا، موجعًا، وقد يشمل – ولأول مرة – قواعد أمريكية في الخليج، السفن الحربية، المصالح الاقتصادية، وربما استهدافًا مباشرًا لمضيق هرمز؛ الشريان النفطي العالمي الأكثر حساسية. فمجرد التهديد بإغلاقه قد يربك الأسواق العالمية، ويجعل برميل النفط يحلّق إلى أرقام غير مسبوقة، فما بالك بضربة عسكرية مباشرة... هل تملك إدارة ترامب رفاهية التورّط في حرب جديدة؟
ماذا لو تورطت الولايات المتحدة في المستنقع الإيراني؟ إن دخول أمريكا الحرب رسميًا سيعني تغييرًا جذريًا في قواعد الاشتباك. فهل تسير واشنطن فعلًا نحو الحرب؟ أم أن هناك من يرى، خاصة داخل التيار الجمهوري وأوساط المال، أن ذلك مجازفة محفوفة بالمخاطر؟ يرى كثير من المتابعين في الداخل الأمريكي أن أي تورط مباشر سيكون انتحارًا سياسيًا واقتصاديًا.
ومع ذلك، ثمة من يعتقد أن دخول واشنطن الصراع قد يتم عبر مجازفة مدروسة، بهدف قلب النظام في طهران وإنهاء نظام "الملالي" عبر "ثورة الخلافة"، وهو مشروع مؤجل منذ سقوط الشاه. لكن اتخاذ مثل هذا القرار ستكون كلفته السياسية والمالية والإنسانية باهظة، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على حلفائها في أوروبا والخليج، إذ ستكون الفاتورة طويلة، وربما تفوق قدرة أي طرف على تحملها بمفرده.
وفي المقابل، هل تمتلك "«إسرائيل»" والولايات المتحدة وحلفاؤهما القدرة على تحمّل هذه التكاليف؟ أم أن لعبة تقاسم الأعباء ستُفرض بقوة السلاح والنفط والسياسة؟ من سيدفع الفاتورة فعلًا؟ الخليج؟ أوروبا؟ الشركات النفطية الكبرى؟ أم أن الجميع سيقع ضحية جنون استراتيجي قد يُفجَّر بلحظة خطأ واحدة؟
ثم، ما موقع مضيق هرمز في هذه المعادلة؟ هل سيكون نقطة البداية أم خط النهاية؟ إن استهداف المضيق أو حتى تعطيله يعني انتحارًا اقتصاديًا جماعيًا، لكنه في المقابل قد يكون الورقة الرابحة لطهران لتجميد أي قرار عسكري دولي ضدها. إنها ورقة الردع الأخيرة، لكنها أيضًا بوابة الخراب.
في طهران، لا يبدو أن النظام في عجلة من أمره لخوض حرب شاملة، لذا يتبع مبدأ التدرج، بسياسة النفس الطويل، وردود الفعل المحسوبة، وضربات رمزية لكنها ذات دلالة. فهل هو تكتيك مرحلي؟ أم تمهيد لدخول أوسع للقوات النظامية إلى ساحة المواجهة، بتنسيق مع الحلفاء التقليديين: حزب الله، الحوثيين، الميليشيات في العراق، وحتى حماس؟ هؤلاء جميعًا قد يتحولون من أوراق ضغط إلى وحدات اشتباك مباشر، ليُعاد رسم خريطة التحالفات وفق ميزان الدم والنار.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن طاولة الحوار ـ رغم التصعيد ـ لا تزال قائمة، لكنها محاصرة بالشكوك والمطامع. فما هي الحلول الممكنة لكل طرف؟ إيران ربما تلوّح بالحوار على قاعدة "رفع العقوبات مقابل وقف التصعيد"، فيما قد تقبل أمريكا، لكنها تطالب بالمزيد: تقييد المشروع النووي، تقليص النفوذ الإقليمي، وربما ضمانات لاستقرار النظام الداخلي. أما «إسرائيل»، فلا ترى في الحوار سوى هدنة قصيرة قبل عاصفة أخرى، ولن تتنازل إلا أمام انهيار اقتصادي أو تهديد وجودي.
لكن هذه الحرب، إن اشتعلت، فلن تبقى محصورة في مسرح العمليات التقليدي. تداعياتها ستهزّ دول الخليج، التي ستكون جبهات مباشرة لضرب القواعد الأمريكية، وتقع تحت ضغط مزدوج: حماية مصالحها، والحد من التصعيد على أراضيها. أما تركيا، فستراقب بحذر، وقد تنخرط أو تراهن على الفوضى لتعزيز نفوذها. القضية الفلسطينية ستتأرجح بين العزلة والانفجار، ومصر ستسعى للتهدئة، لكنها قد لا تبقى محايدة إذا تجاوزت الحرب الخطوط الحمراء، تحت ما يُعرف بلعبة المصالح وبسط النفوذ.
روسيا ستراقب وتناور، تسعد بإنهاك أمريكا لكنها لا ترغب بانهيار إيران، حليفها التقليدي. أما الاتحاد الأوروبي فسينشغل بحسابات الطاقة، واللاجئين، والانقسامات الداخلية، وقد يُستدرج إلى نزاع لا يملك أدواته. ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل تستطيع «إسرائيل» وأمريكا فعلاً قلب النظام الإيراني؟ وهل هناك من يجرؤ على تكرار سيناريو العراق؟ وإن سقط النظام، فهل تسقط الثورة، أم تنهض من تحت الركام أقوى مما كانت؟
المنطقة تقف على حافة زلزال، وكل خطوة قد تكون اللغم الأخير. وفي لحظة ما، قد تتحول لعبة الشطرنج إلى حلبة ملاكمة، وقد يفاجئ أحد اللاعبين الجميع بضربة غير محسوبة. عندها، لن يكون هناك منتصر... بل خاسرون يتساقطون تحت رماد المجازفة.

