قدّمت الأستاذة رشيدة هاشمي، من جامعة ابن خلدون بتيارت، في تصريح لـ "الأيام نيوز"، قراءة تحليلية معمّقة لمفهوم الذكاء الاصطناعي من منظور أكاديمي، مبيّنة أن هذا المجال بات يشكّل قوة معرفية واقتصادية تعيد تشكيل ملامح العالم الحديث. ومن خلال تناولها لتفكيك المفاهيم والتعريفات وتصنيف الأنواع واستعراض التطبيقات، أكدت أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم محورًا أساسيًا في أي مشروع تنموي واقتصادي معاصر، وركيزة لا غنى عنها في بناء اقتصاد معرفي تنافسي، خصوصًا بالنسبة للدول التي تسعى للحاق بركب التحول الرقمي العالمي.
توضح الأستاذة هاشمي أن الذكاء الاصطناعي، رغم اتساع استخدامه وانتشاره على مستوى العالم، لا يزال يفتقر إلى تعريف جامع وموحد. فكل مدرسة أكاديمية أو تقنية تنظر إليه وفق منظومتها المعرفية الخاصة، ما نتج عنه تنوع واسع في الفهم النظري والتطبيقي لهذا المفهوم. فبينما تركز بعض التعريفات على الجانب الحسابي، تميل أخرى إلى تقليد الذكاء البشري، في حين تربط فئة ثالثة الذكاء الاصطناعي بالقدرة على التعلم والتكيّف.
وترى الأستاذة أن هذا التعدد في التعريفات يعكس ثراء الحقل واتساع آفاقه. إذ يُظهر كل تعريف زاوية معينة من قدرات الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث التفكير، الاستدلال، اتخاذ القرار أو تحليل البيانات. وهذا ما يفسر استخدام مفهوم "الذكاء" بشكل مرن، يتكيّف بحسب السياق: تعليمي، صناعي، أمني، مالي أو غيره.
وتضيف أن العامل المشترك بين معظم هذه التعريفات هو اتفاقها على أن الذكاء الاصطناعي يمثل نوعًا من البرمجيات القادرة على محاكاة الأداء البشري بطرق معقدة وديناميكية، مستندًا في ذلك إلى مزيج من الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة، مع القدرة على التعلم من التجربة بشكل مستمر.
وتوضح هاشمي أن غياب تعريف واحد لا يعني غموض المفهوم، بل يدل على أن هذا الحقل لا يزال في طور التشكّل، تمامًا كما حدث مع الكهرباء في بداياتها، حين لم تكن محددة بتعريف دقيق. فاليوم، يشهد الذكاء الاصطناعي تداخلاً كبيرًا بين النظرية والتطبيق، وهو أمر طبيعي في ظل التحولات التكنولوجية العميقة التي يعيشها العالم.
وترى أن هذه المرونة في التعريفات تُعد تحديًا من جهة، لكنها من جهة أخرى فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والآلة. فكلما توسع إدراكنا لأبعاد الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكاننا توجيه إمكاناته نحو خدمة الإنسان والتنمية، بدلاً من الانجراف خلف مخاطره المحتملة.
الذكاء الاصطناعي... برمجيات تتعلم وتتطور خارج النمط التقليدي
تلفت الأستاذة الانتباه إلى اختلاف الذكاء الاصطناعي الجوهري عن الأنظمة المعلوماتية التقليدية، مشددة على أنه لا يمكن اعتباره مجرد أداة جامدة تنفّذ أوامر معدة سلفًا، بل هو نظام ديناميكي يتعلّم ويتطور بناءً على التفاعل مع البيانات والتجربة.
وتشير إلى أن أبرز ما يميز الذكاء الاصطناعي هو قدرته على التعلم الذاتي، ما يعني أنه قادر على تحسين أدائه بمرور الوقت دون الحاجة إلى تدخل مباشر من الإنسان، وذلك عبر تحليل كميات ضخمة من المعطيات واستخلاص الأنماط والروابط منها. وهذه القدرة تمنحه آفاقًا واسعة، خاصة في المجالات التي تتطلب اتخاذ قرارات متغيرة باستمرار.
كما تؤكد أن الذكاء الاصطناعي قادر على التكيّف مع مواقف جديدة، ما يتيح له أداء مهام معقدة كانت في السابق حكرًا على العقل البشري، لا سيما تلك التي تتطلب دقة عالية وسرعة معالجة فائقة، مثل تشخيص الأمراض، تحليل الأسواق، أو قيادة المركبات ذاتية التحكم.
وتبرز الأستاذة كذلك خاصية اتخاذ القرار الذكي ضمن أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد هذه الأنظمة على تقييم سيناريوهات متعددة، واحتساب الاحتمالات والمخاطر، ما يجعلها أقرب إلى آليات التفكير البشري منها إلى البرمجيات التقليدية القائمة على أوامر ثابتة.
وتضيف أن الذكاء الاصطناعي يتمتع بمنظومة إدراكية متكاملة تمكّنه من فهم محيطه عبر مستشعرات وتحليل الصور والأصوات والتفاعل مع المواقف بمرونة. وهذا ما يدعم تصورها بأننا نتعامل مع "كيان ذكي تقنيًا"، يتجاوز كونه مجرد آلة مبرمجة.
ذكاء ضعيف وآخر خارق... تصنيفات تكشف مسارات التطور
وفي سياق حديثها عن تطور الذكاء الاصطناعي، توضح الأستاذة رشيدة هاشمي أن فهم هذا المجال لا يكتمل دون الإلمام بتصنيفاته الأساسية. وتبيّن أن الذكاء الاصطناعي يُقسم عادة إلى ثلاثة مستويات رئيسية، تختلف في قدراتها ووظائفها وتداعياتها.
النوع الأول، المعروف بـ"الذكاء الاصطناعي الضعيف" (Weak AI)، يُستخدم في تنفيذ مهام محددة مسبقًا، مثل المساعدات الصوتية، والترجمة الآلية، ويُعد الأقل تطورًا رغم انتشاره الواسع. أما النوع الثاني، "الذكاء الاصطناعي القوي" (Strong AI)، فيمتلك قدرة على التحليل والتعلم المستقل، ما يجعله أقرب لمحاكاة الذكاء البشري.
أما النوع الثالث، فهو "الذكاء الاصطناعي الخارق" (Super AI)، الذي لا يزال نظريًا، إلا أنه يثير نقاشات واسعة في الأوساط العلمية والأخلاقية، نظرًا لاحتمال امتلاكه وعيًا ذاتيًا وقدرات تتفوق على العقل البشري، ما يفتح الباب لأسئلة وجودية حول مستقبل الإنسان والسيطرة على التكنولوجيا.
وترى الأستاذة أن هذا التصنيف يُظهر تدرجًا واضحًا في قدرات الذكاء الاصطناعي، من أدوات ذكية تؤدي مهام معينة، إلى أنظمة معرفية قد تتطور باستقلالية. وهو ما يفرض ضرورة تبني سياسات مرنة ومسؤولة تتناسب مع كل مستوى من هذه المستويات.
وتشدد على أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون مقاربة موحدة، بل يجب أن يراعي تباين مستوياته، لما تحمله كل فئة من فرص ومخاطر متباينة تتطلب فهماً دقيقًا من صانعي القرار في مختلف القطاعات.
من المختبرات إلى تفاصيل الحياة اليومية
وتنتقل الأستاذة هاشمي للحديث عن الحضور المتزايد للذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، مشيرة إلى أن هذه التقنية لم تعد حكرًا على المختبرات أو الصناعات المتقدمة، بل أصبحت مكوّنًا أساسيًا في تفاصيلنا اليومية، بدءًا من الهواتف الذكية، مرورًا بالسيارات، وانتهاءً بالتعليم، التسويق، والطب.
وتوضح أن هذا التوسّع يعود إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على التكيّف مع أنماط استخدام متنوعة، ما جعله يدخل مجالات متداخلة كمعالجة اللغة الطبيعية، تحليل الصور، التعرف على الصوت، الطائرات المسيرة، والأنظمة الخبيرة.
وتضيف أن هذا الاندماج التقني خلق واقعًا جديدًا يعيد تشكيل سوق العمل، ويغيّر طبيعة المهارات المطلوبة، ما يفرض تطوير المنظومات التعليمية بما يتماشى مع هذه التحولات التكنولوجية العميقة.
وترى أن الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي لا يمثّل تحوّلًا تقنيًا فحسب، بل هو تحول اقتصادي واجتماعي شامل، حيث أصبح هذا الأخير أداة لتحسين العمليات وتقليل التكاليف، بل واستبدال بعض الوظائف البشرية بأنظمة ذكية، ما يفرض تحديات على المجتمعات والدول.
وتؤكد أن الدول التي تدرك هذا التحول وتستثمر في البنية التحتية الرقمية وتنمية رأس المال البشري، ستكون الأقدر على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، في حين قد تجد الدول الأخرى نفسها في مواجهة خطر التبعية الرقمية والتأخر التقني.
من قدرات الآلة إلى مستقبل الاقتصاد الرقمي
وفي ختام تصريحها، تربط الأستاذة رشيدة هاشمي بين التقدم التقني في الذكاء الاصطناعي وملامح الاقتصاد الرقمي الجديد، مشيرة إلى أن ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي من اقتصاد قائم على العمل اليدوي إلى اقتصاد تقوده الخوارزميات والبيانات والتحليل الذكي.
وتؤكد أن هذا التحوّل يتطلب إعادة النظر في مفهوم الإنتاج نفسه، حيث لم تعد الأصول المادية مثل الأرض والمعدات هي المحرك الوحيد للنمو، بل باتت إدارة المعرفة وتوظيف الذكاء الاصطناعي أحد أبرز عناصر توليد القيمة.
وتحذر من أن الاقتصادات الناشئة، ومنها الجزائر، ستواجه تحديات كبيرة إذا لم تدمج الذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجياتها التنموية، باعتباره مجالًا تقنيًا حاسمًا وعنصرًا محوريًا في تحقيق التنويع الاقتصادي والتحول الرقمي.
وتختم بالتأكيد على أن التحول نحو الاقتصاد الذكي يقتضي بيئة تنظيمية وتشريعية مرنة، إلى جانب استثمارات قوية في البحث العلمي، وشراكات استراتيجية بين الجامعات وقطاع الأعمال، لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بما يخدم الأهداف الوطنية لا استيرادها بشكل سلبي.

