2025.12.04
الأسير المُحرَّر حسن بشارات (6)

الأسير المُحرَّر حسن بشارات (6)


نهى شحادة عودة
26 يونيو 2025

تُعرف الشاعرة الفلسطينية "نهى شحادة عودة" في المجتمع الأدبي العربي باسم "ياسمينة عكَّا"، أبصرت النور في مُخيّمات اللاجئين في لبنان ذات يوم مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصولها إلى قرية شعب في قضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينية وضمان توريثها لأجيال اللاجئين.. نشرت رواية واحدة وعددا من الدواوين الشعرية، وخصّت جريدة "الأيام نيوز" بمجموعة من القصاصات التي أودع فيها الأسرى المُحرّرون الفلسطينيون بعض ذكرياتهم في رحلة العذاب..

بعد شهرين نُقلت إلى سجن "عوفر"، وأبلغوني بأنه محكومٌ عليّ إداريًّا لمدة ستة أشهر سجنا، ثم وضعوني مع إخوة أسرى آخرين في قسم مغلق لا يوجد فيه شيء، غير أن إخوتنا الأسرى في الأقسام الأخرى كانوا يلقون إلينا من فوق الأسلاك الشائكة بالطعام، ويُمكنني القول بأن الحال في سجن "عوفر" كان أفضل من سجن "حوارة".

 صباح اليوم الثاني نُقلت إلى سجن "النقب".. وانتهت محكوميتي في تشرين الأول/ أكتوبر، ولكنهم مدّدوا الفترة بعد انتهائها إلى ستة أشهر أخرى، وعند المحاكمة تم تخفيف الحكم إلى ثلاثة شهور.

في الرابع عشر من الشهر الأخير لعام 2003، أصابني ألمٌ شديد في أسناني، فأخذوني إلى طبيب الأسنان. في العيادة وأنا على كرسي العلاج، شاهدتُ التلفاز وصُعقت من مشهد اعتقال الرئيس العراقي "صدام حسين"، وقد لاحظ الطبيب انزعاجي فتعمّد إيذائي، حيث قام بحركة عنيفة كادت أن تخلع فكّي السفلي، ولا أزال حتى اليوم أعاني من آثار هذا الحادث، وأُصدر طقطقةً عند فتح فمي.

أعادني الطبيب إلى قسم الانتظار في العيادة، وهناك وجدتُ من أمدّني بهاتف جوّال مُهرّب.. فاتصلتُ بزوجتي، فأجابتني شقيقتها وأخبرتني بأنني رُزقت بطفلة أسميتها في تلك اللحظة "نوال".

بعد انقضاء ثلاثة شهورٍ، سلّطوا عليّ حُكما إداريًّا بثلاثة شهور أخرى، وأرسلوني إلى محكمة "إيرز" على حدود غزّة، وأثناء رحلة التنقّل بالبوسطة (الحافلة)، تعرّضت إلى الضرب المبرح على ظهري بأعقاب البنادق، فأصبتُ بـ "ديسك".. ثم أعادوني إلى "النقب" حيث الجو الصحراوي: شديد الحرارة نهارا وشديد البرودة ليلا. بقيت هناك حتى تم اعتقال أخي أحمد، وانتهاء التحقيق القاسي معه..

وانتهت مدة الستة أشهر الثانية، وكنت أترقّب الإفراج عني بانتهاء المدّة ولكن لا أحد أبلغني بشيء، فقمت بحركة احتجاجية ورفضت المثول أمام العدّ المسائي.. فحضر مدير السجن وأبلغني بأنه قد حُكم عليّ بـ 15 عاما غيابيا، والإفراج الذي كنت أترقّبه سيكون في (14 - 7 - 2017)، وكم كانت صدمتي كبيرة إلى درجةٍ لا تُوصف.

في صباح اليوم التالي، أعادوا نقلي إلى سجن "عوفر"، وبعدها مثلتُ أمام المحكمة، فطلب القاضي من النيابة أن تقدّم مادة إدانتي، وأمهلها 72 ساعة، وإلا سيفرج عني. وبعد انتهاء المدة في مساء اليوم الثالث، أبلغني مسؤول السجن بتجهيز نفسي للإفراج عني، فقمت بتوزيع كل ملابسي على الأسرى، غير أنه حضر بعد ساعتين وأبلغني بأنه تقرر تحويلي إلى التحقيق مرة أخرى.

خضعت إلى تحقيقٍ مُكثّف فيه تهويل وترهيب.. ثم حضر أحد المحامين وقابلني ثم أخبرني بأنه قادمٌ من عند أخي أحمد، ويحمل إليّ رسالة منه مفادُها أن الحكم عليه لن يقلّ عن مؤبّد، وباعتبار أنني متزوّج وصار لي أبناء فإنه حمل الملفّ كاملا عنّي، ولكن عليّ أن ألتزم باعترافات ثابتة..

ضابط التحقيق، وبلغة المتعجرف الواثق، قال لي بأنني سأمضي بضع سنوات في السجن، أما أخي أحمد فإن الأحكام ستُسلّط عليه بمؤبّدين و20 عاما.. كان هذا عام 2004.

وفي صفقة بين المحامي والنيابة، حُكم عليّ بسنتين ونصف السنة. وخلال هذه المدة، لم يُسمح لأحدٍ من عائلتي بزيارتي، ورفضَت إدارة السجون أن تجمعي مع أخي أحمد، ولكنني كنت مع أبناء أخي أسامة وسامر وبعضٍ من أصدقائي.. وقد أفرج عني في نهاية عام 2005.

حضرت محاكمة أخي أحمد الذي رأيته مُكبّل اليدين والقدمين في مواجهة ثلاثة قضاة.. انطلقَت المحاكمة بكلمات عبريّة قليلة جدا، ثم أغلقوا ملّفه بسرعة قياسية، وأبلغني المُحامي بأنهم سلّطوا على أخي أحمد حكما بمؤبّدين، وابتدأت رحلته مع العذاب والمرض الجسدي والنفسي..

توفيت والدتي عام 2008 عندما كانت تستعد لزيارة أخي أحمد. وتوفي أخي الأكبر عام 2023. وتوفيت أختي الكبرى عام 2023. ونحن في عام 2025، بعد مضيّ 23 عاما وأخي أحمد قابع في سجن الاحتلال، ولم يرد اسمه في الدفعة الأولى لصفقة تبادل الأسرى.. كل أصدقائه في القضية نفسها التي حوكم عليها وردت أسماؤهم إلا هو لا يزال يترقبّ ونحن نترقّب معه ساعة الفرج والفرح إن شاء الله.