السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

3 أشهر لإعادة صياغة الدور الروسي في سوريا..  تفكيك ترتيبات الأمس واختبار توازنات الغد

Author
الأيام نيوز 10 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعلنت وزارة الخارجية السورية، أمس الأحد، التوصل إلى مذكرة تفاهم بشأن الوجود الروسي في سوريا، عقب عام ونصف من المفاوضات والمباحثات المكثفة التي استهدفت «رسم ملامح المرحلة المقبلة للعلاقة بين الجانبين». وتضع المذكرة ترتيبات جديدة للوجود الروسي في الساحل السوري، مع منح الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيدا لإدخالهما تدريجيا ضمن منظومة الإدارة المدنية.

وتجمع رؤى محللين تحدثوا إلى «الأيام نيوز» على أن مذكرة التفاهم لا تشير إلى انسحاب روسي كامل من سوريا، وإنما إلى إعادة صياغة طبيعة الحضور الروسي ووظائفه، مع تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك، واستعادة دمشق إدارة المرافق المدنية في حميميم وطرطوس.

وتذهب تقديرات إلى أن موسكو قد تحتفظ بجزء من نفوذها عبر التعاون العسكري والتدريب والعلاقات المؤسساتية، في وقت يرتبط طول المفاوضات بتشابك المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، بينما يبقى التأثير الغربي عاملا ضمن البيئة السياسية المحيطة بالمباحثات دون معطيات كافية تثبت أنه فرض صيغة الاتفاق.

وفي المقابل، تتجه دمشق، وفق هذه الرؤى، إلى إعادة تعريف علاقتها بموسكو ضمن سياسة خارجية تقوم على السيادة وتعدد الشركاء، بما يفتح المجال أمام علاقة أكثر براغماتية تختلف عن الصيغة التي حكمت المرحلة السابقة.

وتنص التفاهمات، وفق ما نقلته وكالة «سانا» عن الخارجية السورية، على إعادة صياغة وظيفة المنشآت ذات الطابع العسكري وتحويلها إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات تحفظ المصالح المتبادلة بين دمشق وموسكو. وحددت المذكرة مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، على أن تدخل الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ بعد انتهاء هذه الفترة، في صيغة تقول دمشق إنها تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العلاقات السورية الروسية.

حميميم وطرطوس أمام ترتيبات جديدة

ويرى ديمتري بريجع، المحلل السياسي ومدير مركز الدراسات الأوراسية، أن فهم هذه الترتيبات يحتاج إلى العودة إلى موقع حميميم وطرطوس ضمن البنية العسكرية واللوجستية الروسية في سوريا. ويشير إلى أن قاعدة حميميم الجوية شكلت لسنوات إحدى أهم ركائز الوجود العسكري الروسي، وتقع جنوب شرقي مدينة اللاذقية قرب مطار اللاذقية الدولي، وتشترك معه في بعض مسارات الهبوط. وكانت القاعدة في بدايتها محدودة المساحة ومخصصة أساسا للطيران المروحي، قبل أن تستخدمها القوات السورية لاحقا لاستقبال بعض الطائرات المدنية الصغيرة والمتوسطة.

ديمتري بريجع، باحث سياسي

ويذكر بريجع أن التحول الأكبر في وضعية حميميم جاء في أوت 2015، حين وقعت روسيا وسوريا اتفاقا منح القوات الروسية حق استخدام القاعدة في أي وقت ومن دون مقابل ولأجل غير محدد. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت حميميم إلى مركز رئيسي للعمليات الجوية الروسية في سوريا، واستخدمتها موسكو في عمليات عسكرية ضد فصائل المعارضة السورية، ما منح القاعدة أهمية استراتيجية ضمن انتشارها العسكري في المنطقة.

ويشير بريجع إلى أن الوضع القانوني والسياسي للوجود الروسي دخل مرحلة تفاوض جديدة عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بعدما تغيرت المعطيات التي حكمت العلاقة بين موسكو ودمشق لسنوات طويلة. ومع انتقال السلطة إلى قيادة سورية جديدة، برزت الحاجة إلى إعادة تحديد مستقبل القواعد والمنشآت الروسية وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه موسكو داخل البلاد، وهو ما دفع الطرفين إلى مفاوضات مطولة بحثا خلالها ترتيبات الوجود الروسي وحدود التعاون بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

ويضيف أن موسكو تحدثت في جوان الماضي عن إمكانية إعادة صياغة وظائف المنشآت العسكرية الروسية في سوريا، وهو ما أظهر اتجاها نحو تعديل طبيعة حضورها. وبحسب تقديره، فإن الاتفاق الجديد لا يعني خروج روسيا من حميميم وطرطوس قبل بدء تطبيقه، إذ سجلت الأشهر الماضية مؤشرات على استمرار النشاط والتحركات الروسية في الساحل السوري، بينها تحركات لقوافل عسكرية بين طرطوس وحميميم ووصول سفينة حربية روسية إلى طرطوس.

ويضع بريجع مذكرة التفاهم ضمن مسار إعادة تنظيم تدريجي للوجود الروسي، إذ يستمر الحضور القائم خلال المرحلة الانتقالية، بينما تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية، ومنها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس. وفي المقابل، تنتقل المنشآت ذات الطابع العسكري إلى صيغة مراكز تدريب وتأهيل مشتركة خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر. لذلك، يرى أن الترتيبات الجديدة لا تشير إلى انسحاب روسي فوري، وإنما إلى تغيير في طبيعة الوجود ووظائفه.

ويطرح تغيير طبيعة القواعد والمنشآت الروسية تساؤلات حول حجم النفوذ الذي تستطيع موسكو الاحتفاظ به ضمن الصيغة الجديدة، وهو ما يرى جورج صبرة، الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، أنه لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الروسي في سوريا، رغم ما يمثله من تحول واضح في شكل الوجود العسكري.

جورج صبرة، الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري

ويوضح صبرة أن مذكرة التفاهم تنقل الوجود الروسي من وظيفة عسكرية مباشرة إلى وظيفة تقوم على التدريب والتأهيل المشترك، مع استمرار المصالح المتبادلة بين الطرفين، الأمر الذي يجعل التغيير مرتبطا أساسا بوظيفة المنشآت وطبيعة الحضور الروسي فيها، وليس بإنهاء العلاقة العسكرية بين دمشق وموسكو.

ويشرح صبرة أن إنشاء منشآت مشتركة للتدريب والتأهيل يمكن أن يمنح موسكو قناة مستمرة للتواصل مع المؤسسة العسكرية السورية، وتدريب الكوادر، ونقل الخبرات والعقيدة العسكرية، إلى جانب التعاون في مجال المعدات العسكرية. ومن هذا المنطلق، قد ينتقل النفوذ الروسي من السيطرة المباشرة على القواعد إلى أدوات أخرى تقوم على التدريب والخبرة والعلاقات المؤسساتية.

النفوذ الروسي ينتقل إلى صيغة مختلفة

ويولي صبرة أهمية خاصة لصياغة الاتفاق بين دمشق وموسكو، إذ لا تتحدث المذكرة عن انسحاب روسيا من حميميم وطرطوس أو إغلاق المنشآت، وإنما عن تغيير وظائفها من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة. ويرى أن هذا التفصيل يحمل دلالة استراتيجية، خصوصا مع تحديد ثلاثة أشهر لإنجاز عملية التحويل، ما يجعل ترتيبات التنفيذ عاملا أساسيا في تحديد حجم الحضور الروسي خلال المرحلة المقبلة.

في المقابل، يبرز الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية باعتبارها تغيرا مهما على مستوى السيادة والإدارة. فمطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس سيدخلان تدريجيا ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية، بينما تعود المناطق التجارية التي كانت روسيا تديرها في طرطوس إلى الإشراف السوري.

ويعتبر صبرة أن الاتفاق لا يمثل خروجا روسيا من سوريا، ولا يبقي الحضور الروسي بالشكل السابق. ووفق تقديره، تتجه موسكو نحو صيغة أقل وضوحا على المستوى العسكري، مع إمكانية الاحتفاظ بجزء من نفوذها عبر التعاون والتدريب والمصالح الاقتصادية واللوجستية. ويضع هذا المسار أمام دمشق معادلة دقيقة تجمع بين استعادة السيطرة على المنشآت السيادية والحفاظ على قنوات التعاون مع موسكو.

ويربط عدي رمضان، المحلل السياسي، طول المفاوضات التي استمرت نحو عام ونصف بتشابك المصالح المرتبطة بالوجود الروسي. ويوضح أن مستقبل حميميم وطرطوس ارتبط منذ سقوط بشار الأسد بإعادة صياغة العلاقات بين دمشق وموسكو وتحديد شكل العلاقة مع السلطة السورية الجديدة، في ظل انتقال روسيا من التعامل مع نظام حليف إلى التفاوض مع قيادة سياسية جديدة.

عدي رمضان، دكتور في العلاقات الدولية

ويعتقد رمضان أن طول المفاوضات يرتبط بتعدد المصالح التي سعى كل طرف إلى حمايتها. دمشق تريد تثبيت سيادتها على المنشآت والأراضي السورية وإعادة المرافق المدنية إلى مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه تحرص على الحفاظ على علاقاتها مع قوة دولية بحجم روسيا. أما موسكو فتسعى إلى الحفاظ على موطئ قدم في شرق المتوسط وعدم خسارة البنية التحتية التي شكلت لسنوات مركزا لوجودها العسكري واللوجستي في المنطقة.

مفاوضات طويلة تحكمها مصالح متشابكة

ويشير رمضان إلى أن موسكو لم تتعامل مع الانسحاب الكامل باعتباره الخيار الوحيد، مستشهدا بحديث الخارجية الروسية في جوان 2026 عن بحث إعادة صياغة وظائف المنشآت العسكرية. ويرى أن هذا الموقف يعبر عن توجه روسي نحو التكيف مع الواقع السياسي الجديد، بدل التخلي الكامل عن الحضور داخل سوريا.

وعن تأثير المواقف الغربية، يدعو المحلل السياسي إلى التعامل مع هذا العامل بحذر. ويشير إلى وجود مصالح وضغوط غربية مرتبطة بتقليص النفوذ الروسي في سوريا، لافتا إلى تقارير صحفية تحدثت عن مناقشات بين دمشق وواشنطن بشأن تقليص وارداتها من النفط الروسي، ضمن مساعي السلطات السورية الجديدة إلى تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة وتنويع شراكاتها الخارجية.

ويستبعد رمضان الجزم بأن الضغوط الغربية فرضت صيغة مذكرة التفاهم الحالية، لغياب معطيات علنية كافية تثبت ذلك. ويقدر أن المفاوضات الطويلة ارتبطت أساسا بتحديد المصالح الاستراتيجية للطرفين، بينما شكل الموقف الغربي جزءا من البيئة السياسية المحيطة بالمباحثات، دون أن تتوفر أدلة كافية على أنه حسم شكل الاتفاق.

وتقود هذه المعطيات إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل العلاقة السياسية بين دمشق وموسكو، خصوصا أن مذكرة التفاهم تأتي بعد مرحلة ارتبط فيها التعاون الروسي السوري بشكل وثيق بنظام بشار الأسد. ويرى محمد نور الدغيم، المحلل السياسي، أن حديث الخارجية السورية عن فتح الباب أمام «مرحلة مختلفة» لا يعني أن دمشق قررت قطع صلتها بموسكو أو إنهاء العلاقة معها، وإنما يشير إلى انتقال سياسي في طبيعة الروابط بين الطرفين بعد تغير السلطة في دمشق.

ويشرح الدغيم أن التحدي أمام دمشق الجديدة يتمثل في إعادة تعريف العلاقة مع موسكو بما ينسجم مع المعطيات السياسية التي فرضها انتقال السلطة، وليس في إنهاء هذه العلاقة، خاصة أن روسيا احتفظت خلال عهد بشار الأسد بدور عسكري وسياسي رئيسي في دعم النظام السابق، إلى جانب حضور مباشر على الساحل وموقع متقدم داخل مؤسسات الدولة السورية.

وفي ظل هذا التحول، تسعى السلطة السورية الحالية إلى صياغة علاقاتها الخارجية على أساس سيادة الدولة وتعدد الشركاء، بما يتيح لها الحفاظ على علاقاتها مع موسكو ضمن ترتيبات جديدة وتجنب الارتهان لقوة واحدة.

ويعتبر المحلل السياسي أن مذكرة التفاهم تمنح دمشق فرصة لفتح صفحة جديدة مع موسكو دون قطع العلاقات معها. دمشق لا تبدو راغبة في مواجهة روسيا، بالنظر إلى ثقلها الدولي وموقعها في مجلس الأمن ومصالحها الاقتصادية والعسكرية داخل سوريا، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لاستمرار العلاقة وفق الصيغة التي حكمت المرحلة السابقة.

ويلفت الدغيم إلى أن قبول موسكو بالتفاوض حول إعادة تنظيم وجودها يشير إلى إدراك لدى الطرفين بأن استمرار العلاقة يحتاج إلى التكيف مع الواقع السوري الجديد. وتضع هذه المعادلة المصالح الحالية في موقع متقدم ضمن إدارة العلاقة الثنائية، مع بقاء الملفات السياسية التي طبعت المرحلة السابقة ضمن دائرة التفاوض.

ويخلص الدغيم إلى أن الحديث عن «مرحلة مختلفة» يشير إلى انتقال العلاقة من صيغة ارتبطت بشخص النظام السابق إلى علاقة بين دولتين تعملان على تحديد مصالحهما وفق المعطيات الجديدة. ويرى أن هذه الصيغة تمنح دمشق مساحة أوسع لإدارة علاقاتها مع موسكو والغرب، وتساعدها على تجنب الارتهان لمحور واحد.

وبحسب تقديره، لا تظهر حاليا مؤشرات كافية على توجه دمشق نحو القطيعة مع موسكو أو العودة إلى تحالف كامل معها. الاتجاه الأقرب يتمثل في بناء علاقة أكثر براغماتية، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة السورية، مع إبقاء الخلافات السياسية السابقة ضمن إطار تفاوضي، بينما ستحدد آليات تنفيذ مذكرة التفاهم خلال الأشهر الثلاثة المقبلة مدى التغيير الفعلي في الوجود الروسي وطبيعة الدور الذي ستحتفظ به موسكو داخل سوريا.