الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

5 جويلية 1962… يوم عاد الوطن إلى أبنائه

Author
بثينة صايفي 05 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يظل الخامس من جويلية 1962 إحدى أبرز المحطات المفصلية في تاريخ الجزائر الحديث، فهو اليوم الذي استعاد فيه الشعب الجزائري سيادته الوطنية بعد 132 سنة من الاحتلال الفرنسي، تتويجًا لمسيرة طويلة من المقاومات الشعبية والنضال السياسي والكفاح المسلح الذي صنعته تضحيات ملايين الجزائريين.

ولم يكن الاستقلال حدثًا عابرًا أو ثمرة ظرف سياسي، بل جاء نتيجة مسار تاريخي معقد مر بمحطات حاسمة، من اندلاع الثورة التحريرية، إلى مفاوضات إيفيان، ثم استفتاء تقرير المصير، وصولًا إلى إعلان استقلال الجزائر في الخامس من جويلية 1962.

وفي قراءة لهذه المحطات التاريخية وما تحمله من دلالات وطنية، يستعرض الباحث في التاريخ، عباس كحول، أبرز المراحل التي قادت إلى استرجاع السيادة، ويؤكد أن الاستقلال لم يكن ميلادًا للدولة الجزائرية، وإنما استعادة لسيادتها التي سُلبت منذ سنة 1830.

 

استرجاع السيادة… وليس ميلاد الدولة الجزائرية

يؤكد الباحث في التاريخ، عباس كحول، أن الخامس من جويلية 1962 لا يمثل تاريخ ميلاد الدولة الجزائرية، وإنما تاريخ استرجاع السيادة الوطنية التي فقدتها البلاد منذ الاحتلال الفرنسي في الخامس من جويلية 1830، مشددا على أن الجزائر لم تنشأ مع الاستقلال، بل كانت موجودة قبل الاستعمار كشعب وأرض وتاريخ وحضارة، وأن الاحتلال الفرنسي لم يلغِ وجود الدولة الجزائرية أو هوية شعبها، وإنما سلبها سيادتها الوطنية وفرض عليها استعمارًا دام 132 سنة.

ويوضح كحول أن استرجاع السيادة في سنة 1962 جاء تتويجًا لمسيرة طويلة من التضحيات والنضال الوطني، خاضها الجزائريون بمختلف فئاتهم عبر مراحل متعاقبة، بدأت بالمقاومات الشعبية التي واجهت الاحتلال منذ سنواته الأولى، مرورًا بنشاط الحركة الوطنية التي حافظت على المطالبة بالاستقلال في المحافل السياسية، وصولًا إلى ثورة أول نوفمبر 1954 التي نجحت في توحيد جهود الجزائريين حول هدف واحد هو استعادة الحرية والسيادة الوطنية.

ويضيف الباحث أن استقلال الجزائر لم يكن منحة من المستعمر، وإنما ثمرة كفاح مرير دفع الشعب الجزائري ثمنه باهظًا، إذ تجاوزت فاتورة التضحيات خمسة ملايين شهيد، من بينهم مليون ونصف المليون شهيد خلال الثورة التحريرية، إلى جانب آلاف المعتقلين والمهجّرين وضحايا القمع والتعذيب، ويرى أن هذه التضحيات جسدت تمسك الجزائريين بحقهم في تقرير مصيرهم، وأسست لاسترجاع السيادة الكاملة على أرضهم ووحدة ترابهم الوطني.

كما أن استعادة السيادة في الخامس من جويلية 1962 – بحسبه – لم تكن مجرد نهاية لحقبة استعمارية، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجزائر المستقلة، تقوم على تجسيد المبادئ التي ناضلت من أجلها الثورة التحريرية، وفي مقدمتها السيادة الوطنية الكاملة، ووحدة الشعب، ووحدة التراب الوطني، وبناء دولة مستقلة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب الجزائري.

 

مسار طويل من المقاومة حتى التحرير

ويشير الباحث في التاريخ عباس كحول إلى أن استرجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962 لم يكن وليد ظرف سياسي عابر، وإنما جاء تتويجًا لمسار تاريخي طويل من النضال والمقاومة خاضه الشعب الجزائري على امتداد أكثر من قرن، وأن هذا المسار انطلق منذ الأيام الأولى للاحتلال الفرنسي سنة 1830، من خلال المقاومات الشعبية التي قادها عدد من رموز المقاومة الوطنية في مختلف مناطق البلاد، والذين رفضوا الخضوع للاحتلال ودافعوا عن الأرض والهوية والسيادة رغم اختلال موازين القوى.

ويضيف كحول أن المقاومة الوطنية تطورت لاحقًا إلى نضال سياسي قادته الحركة الوطنية الجزائرية، التي عملت على إبقاء القضية الجزائرية حية في الداخل والخارج، وأسهمت في ترسيخ الوعي الوطني والمطالبة بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، معتبرا أن هذه المرحلة شكلت حلقة أساسية في مسار التحرير، ومهدت لاندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954، التي نقلت النضال إلى مرحلة أكثر تنظيمًا وشمولًا.

ويؤكد الباحث أن الثورة التحريرية نجحت في توحيد مختلف فئات الشعب الجزائري حول هدف واحد هو استرجاع الاستقلال والسيادة الوطنية، حيث التفت الجماهير حول جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني، وشاركت في دعم الثورة بمختلف الأشكال، سواء من خلال العمل العسكري أو السياسي أو اللوجستي، وهو ما منح الثورة قوة واستمرارية رغم شدة القمع الاستعماري.

ويرى كحول أن هذا الإجماع الوطني كان أحد أبرز عوامل انتصار الثورة، التي قدم خلالها الشعب الجزائري تضحيات جسيمة تجاوزت خمسة ملايين شهيد، من بينهم مليون ونصف المليون شهيد خلال ثورة التحرير، إلى جانب آلاف الجرحى والمعتقلين والمهجّرين، وأن هذه التضحيات الكبيرة هي التي مهدت الطريق لاسترجاع السيادة الوطنية، وجعلت استقلال الجزائر ثمرة كفاح شعب بأكمله، وليس نتيجة تسوية سياسية أو تنازل من سلطات الاحتلال.

 

اتفاقيات إيفيان… بداية المرحلة الانتقالية

ويوضح الباحث في التاريخ، عباس كحول، أن تتويج الكفاح المسلح الذي خاضه الشعب الجزائري على مدار أكثر من سبع سنوات جاء بالتوقيع على اتفاقيات إيفيان في 18 مارس 1962، بعد مفاوضات طويلة بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والسلطات الفرنسية، وأن هذه الاتفاقيات شكلت محطة مفصلية في تاريخ الثورة التحريرية، إذ مهدت الطريق لإنهاء الحرب وفتحت الباب أمام انتقال الجزائر من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة استرجاع السيادة الوطنية، مشيرا إلى أن الاتفاقيات دخلت حيز التنفيذ بإعلان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، وهو التاريخ الذي أنهى رسميًا العمليات العسكرية بين جيش التحرير الوطني والقوات الاستعمارية الفرنسية، غير أن ذلك لم يكن يعني نهاية جميع أشكال العنف، إذ بقيت البلاد تعيش أوضاعًا أمنية معقدة خلال المرحلة الانتقالية.

ويضيف أن هذه المرحلة عرفت إنشاء الهيئة التنفيذية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن فارس، والتي أوكلت إليها مهمة تسيير الشؤون العامة والإشراف على تنفيذ بنود اتفاقيات إيفيان، إلى غاية تنظيم استفتاء تقرير المصير واستكمال إجراءات نقل السلطة إلى الجزائريين. ويعتبر أن هذه الهيئة كان لها دور محوري في ضمان استمرارية مؤسسات الدولة خلال فترة حساسة اتسمت بكثرة التحديات السياسية والأمنية.

كما يلفت الباحث إلى أن المرحلة الانتقالية لم تكن سهلة، بسبب تصاعد أعمال العنف التي نفذتها منظمة الجيش السري الفرنسي  (OAS)، التي حاولت إفشال مسار الاستقلال عبر تنفيذ عمليات إرهابية استهدفت المدنيين والمنشآت، ونشر الفوضى لإبقاء الجزائر تحت السيطرة الاستعمارية، ورغم تلك التهديدات، يؤكد كحول أن الإرادة الشعبية وتمسك الجزائريين بحقهم في الاستقلال مكّنا من تجاوز تلك المرحلة، وصولًا إلى تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي مهّد لإعلان استقلال الجزائر واسترجاع سيادتها الكاملة.

 

استفتاء الأول من جويلية… تفويض شعبي للاستقلال

ويبرز كحول أن محطة الأول من جويلية 1962 شكلت لحظة مفصلية في تاريخ الجزائر، حيث نُظم الاستفتاء على تقرير المصير بصيغة “نعم” أو “لا” للاستقلال، وأسفر الاستفتاء عن تصويت 5.975.581 جزائريًا لصالح الاستقلال بنسبة بلغت 99,72 بالمائة، وهو ما عكس الإجماع الشعبي على إنهاء الاستعمار واستعادة السيادة الوطنية.

ويضيف المتحدث أن الرئيس الفرنسي، شارل ديغول، اعترف رسميًا باستقلال الجزائر في الثالث من جويلية 1962، غير أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة يوسف بن خدة اختارت إعلان الاستقلال رسميًا يوم الخامس من جويلية، ليصبح عيدًا وطنيًا يخلد خروج الاستعمار في التاريخ نفسه الذي دخل فيه الجيش الفرنسي الجزائر سنة 1830، في رسالة رمزية تؤكد نهاية حقبة الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة ووحدة الشعب والتراب الوطني.

 

فرحة الاستقلال… احتفال شعب استعاد وطنه

ويؤكد كحول أن إعلان الاستقلال أطلق موجة عارمة من الاحتفالات في مختلف المدن الجزائرية، حيث خرج المواطنون، رجالًا ونساءً وأطفالًا، إلى الشوارع احتفاءً بانتهاء الاحتلال، رافعين العلم الوطني الذي أصبح رمزًا لوحدة الجزائريين وانتصارهم، كما شهدت البلاد احتفالات رسمية شارك فيها قادة الثورة، إلى جانب الاستعراضات التي نظمها جيش التحرير الوطني بعد نزوله من الجبال وعودته إلى المدن، في مشهد جسّد نهاية حرب التحرير وبداية مرحلة بناء الدولة الجزائرية المستقلة

↑