الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

7 ملايين لغم وجدار بطول 2700 كيلومتر.. صناعة مغربية للموت في الصحراء الغربية

Author
راضية زبانة 01 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتكشف يوما بعد آخر حقيقة المشروع الذي يقوده الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية، مع تراكم التقارير الدولية والشهادات الحقوقية التي تفضح واقعا يرزح تحت هيمنة استعمارية قائمة على القمع والعسكرة والإرهاب المنظم. ولا يتعلق الأمر بتجاوزات ظرفية أو انتهاكات متفرقة، بل بسياسة متكاملة تستهدف الإنسان الصحراوي في أمنه وحقوقه، وتستهدف الأرض الصحراوية في هويتها ومواردها، وتسعى إلى تفكيك البنية الوطنية للشعب الصحراوي وحرمانه من حقه في تقرير مصيره.

المجلة الأسبوعية المجرية “أن آل ثي” وضعت الرأي العام الأوروبي أمام واحدة من أكثر الحقائق صدمة في الصحراء الغربية. فقد سلطت الضوء على الجدار العسكري المغربي الذي يمتد على نحو 2700 كيلومتر، ليشكل ثاني أطول جدار في العالم بعد سور الصين العظيم. هذا الجدار لا يمثل مجرد خط دفاع عسكري، بل يحيط به أكبر حقل ألغام على وجه الأرض، بعدما زرع الاحتلال المغربي أكثر من سبعة ملايين لغم، إلى جانب كميات ضخمة من الذخائر غير المنفجرة.

وضعت المجلة الأسبوعية المجرية “أن آل ثي” الرأي العام الأوروبي أمام حقيقة صادمة في الصحراء الغربية، حين كشفت أن الجدار العسكري المغربي يمتد على نحو 2700 كيلومتر ويعد ثاني أطول جدار في العالم بعد سور الصين العظيم، وقد أحاطه الاحتلال المغربي بأكبر حقل ألغام على وجه الأرض عبر زرع أكثر من سبعة ملايين لغم وكميات ضخمة من الذخائر غير المنفجرة، في إطار سياسة عسكرية حولت مساحات شاسعة من الإقليم الصحراوي إلى حقول موت مفتوحة وفرضت على المدنيين العيش تحت تهديد دائم للألغام والانفجارات.

هذه الأرقام تكشف طبيعة السياسة التي اعتمدها الاحتلال المغربي منذ عقود، لأن الدولة التي تدعي امتلاك شرعية سياسية والاستناد إلى قبول السكان لا تلجأ إلى تشييد آلاف الكيلومترات من الجدران والأسلاك الشائكة وتطويقها بحقول الألغام، الأمر الذي يجعل الجدار العسكري المغربي تعبيرا عن هاجس السيطرة بالقوة وتجسيدا لرهان متواصل على المقاربة الأمنية والعسكرية في مواجهة شعب يتمسك بحقه في تقرير المصير.

جذور الفضيحة

تعود جذور هذه المأساة إلى سنة 1975 عقب انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية وتوقيع اتفاقية مدريد التي قسمت الإقليم دون الرجوع إلى إرادة الشعب الصحراوي. ذلك المسار أطلق مرحلة جديدة من الصراع، دفعت الشعب الصحراوي إلى خوض كفاحه الوطني وإعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في السابع والعشرين من فبراير سنة 1976.

خلال سنوات الحرب، تكبدت القوات المغربية خسائر عسكرية كبيرة أمام جيش التحرير الشعبي الصحراوي. هذا الواقع دفع النظام المغربي إلى الشروع في بناء الجدار العسكري بين عامي 1980 و1987. الجدار لم يأت استجابة لحاجة تنموية أو إنسانية، بل جاء بهدف تكريس السيطرة على الأرض وفرض وقائع عسكرية جديدة.

الثمن الأكبر لهذه السياسة دفعه المدنيون الصحراويون. الألغام المنتشرة على طول الجدار ما تزال تحصد الأرواح وتتسبب في إعاقات دائمة وتبتر أطراف الضحايا وتزرع الخوف في حياة السكان. الأرض التي يفترض أن تحتضن النشاط البشري والرعي والتنقل تحولت إلى مساحات مهددة بالموت. آلاف العائلات الصحراوية تعيش منذ سنوات طويلة تحت تهديد دائم فرضته سياسة عسكرة الإقليم وإحاطته بحقول الألغام.

محمود خطري، باحث سياسي

المحلل السياسي الصحراوي محمود خطري يرى في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الجدار العسكري المغربي وحقول الألغام المحيطة به لا يعكسان قوة سياسية بقدر ما يعكسان مأزقا عميقا يواجهه الاحتلال، مشيرا إلى أن “أي احتلال يراهن على الجدران والأسلاك الشائكة والألغام إنما يعلن عجزه عن كسب الشرعية”.

ويعتبر خطري أن الوقائع التي تكشفها التقارير الإعلامية والحقوقية الدولية تؤكد أن “سياسة فرض الأمر الواقع لم تنتج سوى مزيد من المعاناة الإنسانية وتعقيد الأزمة”. فبعد عقود طويلة من الاحتلال ما تزال القضية الصحراوية حاضرة في المحافل الدولية، وما تزال قرارات الأمم المتحدة تؤكد حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

ويشير المحلل السياسي الصحراوي إلى أن الرباط حاولت على امتداد سنوات طويلة تقديم صورة مغايرة للواقع، غير أن “الوقائع التي تتوالى تباعا تُظهر أن الإقليم ما يزال يعيش تحت وطأة نزاع لم تُحترم فيه الحقوق الأساسية للشعب الصحراوي كما تنص عليها قرارات الأمم المتحدة”.

الرهان المغربي على الجدار العسكري لم يحقق هدفه السياسي. الجدار لم يمنح الاحتلال شرعية، والألغام لم تطفئ مطالب الشعب الصحراوي، والسيطرة العسكرية لم تنجح في إنهاء النزاع. لهذا يلفت خطري إلى أن المغرب “استمر الرهان على القوة العسكرية والتحصينات والجدران، وكأنها قادرة على طمس قضية لا تسقط بالتقادم”.

خطورة السياسة المغربية لا تتوقف عند حدود الجدار العسكري والألغام. رئيسة الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي والمدافعة عن حقوق الإنسان أميناتو حيدر تكشف وجها آخر من وجوه الاستهداف المنظم للمجتمع الصحراوي. حيدر تؤكد أن المغرب لا يكتفي بالقمع والملاحقة وانتهاك الحقوق الأساسية، بل يعتمد سياسات تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي الصحراوي عبر نشر المخدرات وإقصاء الشباب ودفعهم نحو الهجرة.

هذه الشهادة الحقوقية اكتسبت أهمية خاصة لأنها جاءت خلال زيارة عمل إلى جنيف، شاركت خلالها حيدر في برنامج مكثف من الورشات واللقاءات الحقوقية رفيعة المستوى بدعوة من مؤسسة “رايت لايفليهود”، في إطار الجهود الرامية إلى تدويل واقع حقوق الإنسان في الأراضي الصحراوية المحتلة وكشف الممارسات التعسفية التي ينتهجها الاحتلال المغربي.

أمام البعثات الدبلوماسية والآليات الأممية، عرضت حيدر صورة مقلقة عن الأوضاع في الصحراء الغربية. فقد شددت على أن الاحتلال المغربي ينفذ سياسات تستهدف البنية الاجتماعية للشعب الصحراوي بصورة ممنهجة. إغراق الأراضي المحتلة بالمخدرات لا يمثل حادثا عرضيا ولا ظاهرة اجتماعية منفصلة عن سياقها السياسي، بل يشكل أداة تستهدف الإضرار بالشباب الصحراوي وإضعاف قدرته على المقاومة وتقويض الروابط الاجتماعية.

استنزاف الإنسان قبل احتلال الأرض

الاحتلال المغربي لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى أيضا إلى استنزاف الموارد البشرية للشعب الصحراوي، إذ تحدثت أميناتو حيدر عن التضييق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يواجهه الشباب الصحراوي من خلال التمييز والإقصاء والحرمان من فرص العمل، وهو واقع يدفع أعدادا متزايدة منهم إلى الهجرة بحثا عن مستقبل أفضل.

وتكشف هذه المعطيات أن أدوات السيطرة التي يستخدمها الاحتلال المغربي تتجاوز السيطرة العسكرية على الأرض، لأن الجدار العسكري يحاصر المجال الجغرافي للإقليم، وتحاصر الألغام حياة المدنيين، وتستهدف المخدرات النسيج الاجتماعي، ويدفع الإقصاء الشباب إلى الرحيل، في حين تستقبل السجون النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وخلال لقاءاتها في جنيف، أثارت أميناتو حيدر عددا من الملفات الحقوقية المستعجلة، وفي مقدمتها أوضاع المعتقلين السياسيين الصحراويين داخل السجون المغربية والانتهاكات التي يتعرضون لها، ولفتت الانتباه إلى الوضع الصحي المتدهور للمعتقل السياسي الصحراوي النعمة أسفاري الذي يخوض إضرابا عن الطعام، مطالبة بتدخل دولي عاجل لحمايته ووضع حد للانتهاكات التي تطاله وتطال بقية الأسرى الصحراويين.

واستعرضت حيدر، خلال مشاركتها في ورشة متخصصة حول تجريم النساء المدافعات عن حقوق الإنسان في ظل الأنظمة السلطوية والاحتلال، ما تتعرض له المدافعات الصحراويات من ملاحقات واستهداف بسبب نشاطهن السلمي، الأمر الذي يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مختلف فئات المجتمع الصحراوي.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن الاحتلال المغربي يخوض مواجهة مفتوحة ضد كل عناصر صمود الشعب الصحراوي، إذ تواجه الأرض الجدار والألغام، ويواجه المجتمع سياسات التفكيك والاستنزاف، ويواجه الشباب الإقصاء والتهميش، ويواجه المعتقلون السياسيون السجون والانتهاكات، بينما تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان الملاحقات والتضييق.

ويرى محمود خطري أن انتشار الألغام في مساحات واسعة من الصحراء الغربية يحمل أبعادا إنسانية خطيرة، لأن “زرع الألغام وتحويل أجزاء واسعة من الأرض إلى مناطق خطرة ليس مجرد إجراء عسكري، بل هو إرث ثقيل يدفع ثمنه المدنيون الأبرياء، ويجسد الوجه الحقيقي لسياسة لا ترى في الإنسان إلا رقما في معادلة الصراع”، مضيفا أن “لا يمكن لأي خطاب سياسي أو إعلامي أن يمحو آثار الضحايا أو يبرر استمرار معاناة الأسر التي تعيش في ظل هذا الواقع”.

وتواصل الشرعية الدولية وضع حق تقرير المصير في صلب القضية الصحراوية، غير أن الاحتلال المغربي يواصل الرهان على فرض الأمر الواقع، وهو ما يدفع خطري إلى اعتبار أن “تجاهل المطالب الدولية بإيجاد تسوية عادلة، والاستمرار في فرض الأمر الواقع، يعكس إصرارا على الالتفاف على الشرعية الدولية بدل احترامها”، مشددا على أن “القوة قد تفرض سيطرة مؤقتة، لكنها لا تمنح شرعية دائمة، ولا تستطيع إسكات صوت شعب يطالب بحق يعتبره المجتمع الدولي من المبادئ الأساسية، وهو حق تقرير المصير”.

ويعكس تزايد الاهتمام الإعلامي والحقوقي الدولي بقضية الصحراء الغربية فشل محاولات التعتيم التي سعى الاحتلال المغربي إلى فرضها خلال عقود، لأن التقارير الصحفية الأوروبية والتحركات الحقوقية داخل المؤسسات الأممية ونشاط المنظمات الدولية تفتح نوافذ جديدة أمام الرأي العام العالمي للاطلاع على حقيقة الأوضاع في الإقليم المحتل.

وتؤكد التطورات المتلاحقة أن القضية الصحراوية لم تنطفئ رغم الجدران والأسلاك الشائكة والألغام، لأن الشعب الصحراوي ما يزال يتمسك بحقوقه الوطنية، ويواصل الناشطون الصحراويون نقل معاناتهم إلى المنابر الدولية، وتواصل المؤسسات الحقوقية توثيق الانتهاكات، وما تزال الشرعية الدولية تؤكد حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.