الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

واشنطن تملك أوراق الضغط ولا تملك مفاتيح التسوية.. هل تعجز أمريكا عن إنهاء حرب أوكرانيا؟

Author
سارة حميدي 06 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقت تكثف فيه واشنطن تحركاتها الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، خاصة مع جولة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى روسيا وأوكرانيا، تزداد التساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على جمع طرفي الحرب إلى طاولة واحدة، ومدى قدرتها على التأثير في مواقفهما وفرض تسوية نهائية عليهما.

في هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون السياسية والمحلل السياسي ديمتري بريجع أن واشنطن لا تزال الطرف الخارجي الأكثر قدرة على إطلاق مسار تفاوضي بين موسكو وكييف، مستندة إلى نفوذ واسع على الجانب الأوكراني وأدوات ضغط اقتصادية وسياسية على روسيا، مشيرا إلى أن امتلاك هذه الأوراق لا يعني بالضرورة القدرة على فرض اتفاق، في ظل تعقيدات الموقف الروسي والحسابات السياسية والعسكرية الأوكرانية وتباين المصالح الأوروبية، فضلا عن الملفات الشائكة المرتبطة بالأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل الترتيبات الإقليمية.

ويرى مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية  ديمتري بريجع، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أن التحرك الأمريكي الحالي يطرح معادلة أكثر تعقيدا، فبحسبه قد تتمكن واشنطن من فرض مسار تفاوضي لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على فرض مخرجاته.

ويؤكد بريجع أن فهم الدور الأمريكي في أي مفاوضات محتملة بين موسكو وكييف يتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من النفوذ، وهي قدرة واشنطن على إطلاق المفاوضات وقدرتها على ممارسة الضغط على طرفي الصراع، ثم قدرتها على فرض تسوية نهائية.

وبحسب المتحدث ذاته، فإن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية ما يجعلها الطرف الأكثر قدرة على جمع موسكو وكييف ضمن إطار تفاوضي واحد، مشيرا إلى أن الجانب الأوكراني نفسه بات يدرك صعوبة تصور عملية تفاوضية فعالة من دون مشاركة أمريكية.

نفوذ أمريكي واسع على كييف

يشكل الدعم الأمريكي لأوكرانيا إحدى أبرز أدوات النفوذ التي تملكها واشنطن في تحديد مسار الحرب، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الحسابات العسكرية والسياسية لكييف. غير أن هذا النفوذ، رغم اتساعه، لا يعني أن القرار الأوكراني أصبح خاضعا بالكامل للإرادة الأمريكية.

يشير الباحث السياسي الروسي إلى أن هامش التأثير الأمريكي على أوكرانيا يبقى واسعا، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه واشنطن في منظومة الدعم العسكري والاستخباراتي والدفاع الجوي والتمويل، فضلا عن تأثيرها داخل المنظومة الغربية والمؤسسات الدولية المرتبطة بالأزمة.

ويرى أن هذه الأدوات تمنح واشنطن قدرة كبيرة على التأثير في قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب، وكذلك في طبيعة استراتيجيتها العسكرية والسياسية.

غير أن المحلل السياسي، يحذر من الخلط بين التأثير والقدرة على فرض اتفاق سياسي، موضحا أن القرار الأوكراني تحكمه أيضا اعتبارات داخلية وخارجية معقدة من بينها الرأي العام، والمؤسسة السياسية والعسكرية والموقف الأوروبي فضلا عن الملفات الأكثر حساسية وفي مقدمتها الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل الدولة الأوكرانية.

وبالتالي، فإن الضغط الأمريكي على كييف، وفق هذا التقدير، له حدود لا تستطيع واشنطن تجاوزها بسهولة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا تعتبرها القيادة الأوكرانية مرتبطة بالسيادة والأمن القومي.

روسيا.. مساحة أوسع لمقاومة الضغط الأمريكي

على الجانب الروسي، تبدو المعادلة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى واشنطن، إذ لا تمتلك الولايات المتحدة أدوات النفوذ المباشر نفسها التي تملكها في علاقتها مع كييف، ولذلك يتركز الضغط على موسكو بدرجة أكبر في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي مع محاولة رفع تكلفة استمرار الحرب.

في المقابل، يعتقد بريجع أن التعامل الأمريكي مع روسيا يختلف بصورة جوهرية، إذ تعتمد واشنطن بشكل أكبر على أدوات الضغط الاقتصادي والمالي والتكنولوجي.

ويشير إلى أن الولايات المتحدة تستطيع زيادة تكلفة استمرار الحرب عبر العقوبات، والقيود المالية والتكنولوجية، والعقوبات الثانوية، والضغط على تجارة الطاقة الروسية، وهي أدوات يمكن أن تؤثر في الاقتصاد الروسي على المدى الطويل.

لكن هذه الأدوات، في تقدير بريجع، لا تمنح واشنطن القدرة نفسها التي تتمتع بها في التعامل مع كييف، فروسيا كما يقول، دولة نووية كبرى تمتلك قاعدة عسكرية واقتصادية واسعة وتمكنت خلال سنوات الحرب من إعادة توجيه جزء مهم من تجارتها وتدفقات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية، كما أن استمرار الطلب من جانب قوى اقتصادية كبرى وفي مقدمتها الصين والهند على النفط الروسي يوفر لموسكو هامشا من المناورة في مواجهة سياسة العزل الاقتصادي الغربي.

الحسابات الميدانية تحدد سقف التنازلات

لا يمكن فصل الموقف الروسي من أي مسار تفاوضي عن تطورات الجبهة العسكرية، إذ إن تقييم موسكو لموازين القوى على الأرض ينعكس بصورة مباشرة على مستوى استعدادها لتقديم تنازلات سياسية.

ويعتبر المتحدث ذاته، أن العامل الأكثر أهمية في تحديد الموقف الروسي من أي مفاوضات هو قراءة موسكو لتطورات الميدان.

فالدولة التي تعتقد أن ميزان القوى يتحرك لصالحها تكون، عادة، أقل استعدادا لتقديم تنازلات تحت الضغط الدبلوماسي، وإذا كانت القيادة الروسية ترى أن وضعها العسكري يتحسن، فإن ذلك قد يدفعها إلى رفع سقف مطالبها التفاوضية بدلا من خفضه، وفقه.

ومن هذه الزاوية، فإن الضغوط الأمريكية لا تعمل بمعزل عن الحسابات العسكرية والسياسية لكل طرف، وإنما تتفاعل معها.

من فرض الاتفاق إلى إدارة مسار التفاوض

ومع تعقد الحسابات لدى طرفي الحرب، يبدو أن التحدي أمام واشنطن لم يعد يتمثل فقط في فتح قنوات الاتصال، بل في تحويلها إلى مسار قادر على إنتاج تفاهمات قابلة للاستمرار، وهنا تبرز الحدود الفعلية للنفوذ الأمريكي في مواجهة مصالح موسكو وحسابات كييف.

ويرى الباحث والمحلل السياسي الروسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية  ديمتري بريجع، أن التحولات التي شهدتها الحرب جعلت من الصعب على الولايات المتحدة أن تتعامل مع نفسها باعتبارها طرفا قادرا على صياغة اتفاق ثم إلزام موسكو وكييف به.

فواشنطن تستطيع أن تبعث برسائل واضحة إلى موسكو مفادها أن استمرار الحرب سيقابله مزيد من العقوبات والدعم لأوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، تستطيع أن توضح لكييف أن استمرار الحرب يحتاج إلى موارد وتسليح ودعم غربي، وأن هذه الموارد لا يمكن افتراض أنها ستكون مفتوحة بلا حدود.

لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع إلغاء الحسابات الاستراتيجية الروسية أو الاعتبارات السيادية والسياسية الأوكرانية.

ومن هنا، يخلص بريجع إلى أن واشنطن ما زالت تملك القدرة على دفع الطرفين إلى مسار تفاوضي، وربما فرض إطار للتفاوض، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على فرض التسوية النهائية.

فالفرق، كما يوضح المحلل السياسي، كبير بين امتلاك أدوات الضغط وامتلاك القدرة على التحكم الكامل في مخرجات التفاوض،  وفي الحالة الروسية  الأوكرانية، تبدو الولايات المتحدة قادرة على التأثير في شروط بدء الحوار لكنها تواجه قيودا كبيرة عندما يتعلق الأمر بتحديد شروط نهايته.

وفي المحصلة، قد تستطيع واشنطن أن تجمع موسكو وكييف إلى طاولة واحدة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقرر ما الذي سيحدث فوق تلك الطاولة.

↑