الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

إرهاب المستوطنين.. من إدانة الاتحاد الأوروبي إلى سؤال الحماية والمساءلة والردع

Author
سارة حميدي 02 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلتين مجرد أحداث متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث أمنية منفصلة، بل باتت ظاهرة متكررة تثير قلقًا دوليًا متزايدًا، خصوصًا مع ارتباطها بالتوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن عنف المستوطنين أهمية سياسية، كونها تعكس استمرار القلق الأوروبي من تصاعد الاعتداءات بحق الفلسطينيين، ومن التداعيات التي يمكن أن تتركها هذه الممارسات على الوضع في الضفة الغربية المحتلة وعلى فرص تحقيق حل سياسي للصراع.

لكن الإشكالية لا تتوقف عند حدود الإدانة السياسية، بل تتجاوزها إلى ما بعد الإدانة وإمكانية المواقف الدولية الانتقال من التعبير عن القلق إلى توفير حماية فعلية للفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، والتعامل مع الاستيطان والعنف المرتبط به باعتبارهما جزءًا من منظومة واحدة؟

 

عنف المستوطنين لم يعد حوادث منفصلة

يرى المحلل السياسي الفلسطيني، أمين بركة، أن نقطة البداية يجب أن تكون في تجاوز النظرة التي تتعامل مع كل اعتداء باعتباره حادثة منفردة، فالتكرار واتساع نطاق الاعتداءات وتزامنها مع التوسع الاستيطاني كلها عوامل تجعل الحديث عن نمط مستمر من العنف أكثر دقة من اختزاله في تصرفات فردية، بل يندرج ضمن استراتيجية مدروسة وذات أبعاد استراتيجية، يخدم سياسات التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض واقع جديد على الأرض، سواء من خلال الاعتداء على الفلسطينيين، أو حرق المنازل والمركبات، أو اقتلاع الأشجار، أو الاستيلاء على الأراضي، وصولًا إلى التهجير القسري.

ويضع المحلل السياسي، في حديث إلى “الأيام نيوز”، هذا العنف في سياقه الأوسع، بحيث لا يصبح التركيز فقط على نتائج الاعتداء وإنما على البيئة التي تسمح بتكراره، فالاعتداء على الأشخاص والممتلكات والأراضي لا ينفصل وفق قراءته عن صراع أوسع على الأرض ومحاولات فرض واقع جغرافي جديد، محذرا من أنّ التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجموعة من الوقائع المنفصلة قد يؤدي إلى إغفال الرابط الذي يجمع بينها، وهو ما يجعل المعالجة الأمنية المؤقتة غير كافية إذا لم تترافق مع معالجة الأسباب والسياقات التي تغذيها.

القدس المحتلة.. الإرهاب يتقاطع مع تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي

تكتسب ظاهرة عنف المستوطنين في القدس المحتلة حساسية مضاعفة، ليس فقط بسبب خصوصية المدينة السياسية والدينية والتاريخية، وإنما أيضًا بسبب ارتباط الاعتداءات بمحاولات تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي فيها.

في هذا السياق، يرى أمين بركة أنّ أهمية هذا المحور تكمن في أن حماية السكان الفلسطينيين في القدس لا تتعلق فقط بحمايتهم من اعتداء محدد، وإنما بحماية وجودهم وممتلكاتهم في مدينة تشهد صراعًا مستمرًا على الأرض والهوية، مبرزا أنّ حماية المقدسيين قضية تتجاوز الاستجابة الأمنية لكل اعتداء بعد وقوعه، لتتحول إلى مسؤولية سياسية وقانونية مستمرة في سياق الخطر الأوسع الذي يهدد الوجود الفلسطيني في المدينة.

 

من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية

لطالما شكلت بيانات الإدانة الدولية جزءًا أساسيًا من التعاطي مع الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، غير أن تكرار الاعتداءات يطرح سؤالًا حول مدى فاعلية هذه البيانات إذا لم تتحول إلى إجراءات ملموسة تمنع وقوع الجرائم أو تضمن محاسبة مرتكبيها.

ومن هنا، يحدد المحلل السياسي الفلسطيني، أمين بركة، مجموعة من الإجراءات التي يرى أنها ضرورية للانتقال من الموقف السياسي إلى الفعل العملي، داعيا إلى الانتقال من إدانة الجرائم بعد وقوعها، إلى اتخاذ إجراءات عملية وفعالة تمنع تكرارها وتضمن محاسبة المسؤولين عنها، بدءًا من توفير الحماية الفعلية للفلسطينيين وممتلكاتهم وملاحقة عصابات المستوطنين وضمان محاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، وصولًا إلى فرض تدابير دولية، بما في ذلك تجميد الأصول ومنع السفر خصوصًا بحق من يثبت تورطه في أعمال العنف أو التحريض عليها.

 

الكيان الصهيوني ومسؤولية حماية الفلسطينيين

لا يكتمل النقاش حول عنف المستوطنين من دون التوقف عند الجهة التي تتحمل المسؤولية عن حماية السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

يحمّل المحلل السياسي الفلسطيني، أمين بركة، الاحتلال الصهيوني المسؤولية الأساسية باعتباره القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان أصحاب الأرض الرازحين تحت الاحتلال.

ويذهب المحلل السياسي إلى نقطة أكثر عمقًا، تتمثل في العلاقة بين الاستيطان وعنف المستوطنين، فالفصل بين الظاهرتين قد يؤدي إلى التعامل مع الأعراض بدل معالجة البيئة التي تساعد على استمرارها، مشيرا إلى أنّ المستوطنات والبؤر الاستيطانية تتوسع كلما ازداد الاحتكاك بالفلسطينيين وتزايدت عمليات الاستيلاء على الأراضي وفرض الوقائع الجديدة على الأرض.

وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يربط بين الجغرافيا والسياسة والأمن. فالتوسع الاستيطاني لا يعني فقط بناء منشآت جديدة، وإنما يخلق، بحسب هذه القراءة، واقعًا جديدًا يزيد من الاحتكاك ويعيد رسم السيطرة على الأرض.

وبالتالي، فإن مواجهة عنف المستوطنين لا يمكن أن تكون منفصلة عن الموقف من الاستيطان نفسه، لأن معالجة الاعتداءات دون معالجة البيئة التي تنتجها قد تجعل النتائج مؤقتة وغير قادرة على وقف الظاهرة.

بين تصريحات كايا كالاس التي تعكس حجم القلق الأوروبي من عنف المستوطنين، وتحليل أمين بركة الذي يضع الظاهرة في سياق الاستيطان والاحتلال والمسؤولية الدولية، يبدو أن القضية تجاوزت بالفعل حدود الحوادث الفردية.

فالمشكلة، وفق هذه القراءة، ليست في وقوع اعتداء هنا أو إحراق منزل هناك، وإنما في استمرار نمط من الممارسات التي تتقاطع مع الاستيلاء على الأراضي والتوسع الاستيطاني ومحاولات فرض وقائع جديدة، الأمر الذي يجعل الاكتفاء بالإدانة غير كافٍ.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية لا يكمن فقط في قوة العبارات المستخدمة لوصف عنف المستوطنين، بل في القدرة على تحويل هذه المواقف إلى إجراءات عملية من خلال حماية الفلسطينيين ومحاسبة المعتدين وفرض تدابير رادعة بحق المسؤولين عن العنف والتحريض عليه، والتعامل مع الاستيطان والعنف المرتبط به باعتبارهما وجهين لقضية واحدة.