الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
إفريقيا

أبوظبي في بؤر الصراع.. هل أصبحت الإمارات ذرعا إقليميا لمشروع تفكيك المنطقة؟

Author
سارة حميدي 10 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

من السودان إلى ليبيا ومن اليمن إلى الساحل الإفريقي، لم يعد الحضور الإماراتي في أزمات المنطقة مجرد تحرك عابر لدولة تبحث عن حماية مصالحها أو توسيع نفوذها، فخلال السنوات الأخيرة اتسعت خريطة التدخلات الإماراتية وتنوعت أدواتها، من الاستثمار والموانئ والشراكات الاقتصادية إلى العلاقات مع القوى المحلية والدعم السياسي والأمني لتجد أبوظبي نفسها حاضرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عدد متزايد من  الحروب والأزمات في الدول التي تشهد صراعات وانقسامات عميقة.

يرى محللون سياسيون أن تكرار حضورها في الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتها وانقساماتها الداخلية يطرح تساؤلا جوهريا حول طبيعة الدور الذي تؤديه أبوظبي، وما إذا كانت تسعى فعلا إلى بناء نفوذ إماراتي مستقل أم أنها تؤدي وظيفة ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الإمارات مجرد دولة صاعدة تتنافس مع قوى أخرى على النفوذ وإنما دولة تمتلك أدوات مالية واقتصادية وأمنية تجعلها قادرة على تنفيذ أدوار تتقاطع نتائجها مع مصالح قوى أكبر، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني، الذي  قد يجد في تفكك الدول العربية وإضعاف مؤسساتها وتراجع قدرتها على إنتاج قوة إقليمية متماسكة بيئة استراتيجية أكثر ملاءمة لمصالحها.

الفوضى كمدخل لإعادة تشكيل الدول وتعزيز النفوذ الإماراتي

في قراءة سياسية للدور الإماراتي في المنطقة والقارة الإفريقية، يرى المحلل السياسي حكيم بوغرارة أن ما تقوم به الإمارات يندرج ضمن استراتيجيات جماعية تشترك فيها أطراف عدة، في مقدمتها الكيان الصهيوني وفرنسا ونظام المخزن، معتبرًا أن هذا المحور بات يحاول توجيه الأزمات بما يؤدي إلى تدمير دول في إفريقيا، من السودان إلى منطقة الساحل وليبيا ومصر والجزائر وتونس، وتحويلها إلى دول هشة، بما يضمن استمرار مصالح هذه الأطراف عبر الشركات متعددة الجنسيات والسيطرة على منابع الطاقة والثروات الأولية.

ويربط بوغرارة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، هذا التوجه بما تسميه الإمارات التحضير لمرحلة ما بعد المحروقات، أي البترول والغاز، من خلال السعي إلى السيطرة على ذهب شرق إفريقيا واليورانيوم في القارة الإفريقية. وفي هذا السياق، يعتبر أن ما يسميه “الفيلم الصهيوني والمخزني والفرنسي” غير المعدل، بقيادة الإمارات، يستند إلى الإمكانات المالية الكبيرة التي تمتلكها أبوظبي، والتي تجنيها من النفط الخام ويقدّرها بخمسين مليار دولار سنويًا، مقابل عدد سكان قليل جدًا، ما يجعل هذه الأموال، بحسبه، موجهة إلى إثارة الأزمات والتأثير فيها، وجلب المرتزقة وإثارة الاضطرابات الأمنية، بما يسمح لها بالنهب بطريقة ممنهجة واستغلال المطارات والموانئ.

ويشير بوغرارة، في هذا الإطار، إلى أن شركة موانئ دبي تسيطر، وفق تقديره، على نحو ثلاثين ميناء حول العالم، معتبرًا أن هذا الحضور يمكنها من إدخال السلاح وتمويل المرتزقة وإثارة المشاكل الداخلية واستغلال الثروات المحلية، فضلًا عن جلب المرتزقة الأمنيين من جنوب إفريقيا ومن بولندا ومن دول عديدة، وإرسالهم إلى الأراضي السودانية.

ويذهب بوغرارة إلى أن هذه الاستراتيجية والمخططات الإماراتية نابعة من دوائر صناعة القرار، ومن منابر صهيونية وفرنسية تقدم لها المشورة، بما يجعل العالم، بحسب قراءته، في حالة توتر دائم ومشاكل داخلية، لأن الدول عندما تشعر بالقوة ستكون قادرة على مواجهة هذه المخططات من موقع قوة، وهو ما من شأنه، وفق طرحه، أن يقطع الطريق أمام العديد من الدول والجهات التي تستغل هشاشة الدول من أجل تمرير مصالحها وأجنداتها.

ويعتبر أن هذه السياسة تمكّن كذلك من تقسيم الشعوب والجيوش، مستشهدًا بما يحدث حاليًا في السودان وليبيا، وباستمرار قطع الطريق أمام أي تسوية سياسية في تلك الدول، بما يمنعها من العودة إلى الشرعية الشعبية والانتخابات. ويخلص بوغرارة إلى أن التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، إلى جانب ما تنشره كبرى الصحف في العالم، كلها تتهم الإمارات بالضلوع في مشاكل العالم وفي حالة عدم الاستقرار والفوضى التي تشهدها مناطق عدة.

ومن جهته، يقول المحلل السياسي علي حشاني إن الإمارات من الأنظمة التي تعيش على الفوضى، بهدف إطالة أمد نظامها السياسي، من خلال خلق الأزمات سواء في إقليمها أو في أقاليم جغرافية بعيدة عنها، عبر بناء مناطق نفوذ وممارسة الضغط على الدول في العديد من الملفات والمواقف. ويرى حشاني أن هذا الدور لا يرتقي، بحسب قراءته، إلى مستوى دور دولة ذات سيادة، وإنما يجعل منها كيانًا وظيفيًا لمشاريع غربية وأجنبية.

ويضيف حشاني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مواقف الدول تجاه تدخل الإمارات في ليبيا واليمن وسوريا ولبنان والعراق، أثناء أزمة الخليج، تعكس، بحسب قراءته، طبيعة هذا الدور، مشيرًا إلى أن التقرير الذي صدر بشأن نقل الإمارات مسيّرات وأسلحة إلى قوات الدعم السريع في السودان كان من بين التقارير التي ساهمت في كشف هذا الدور.

ويرى حشاني أن العديد من القرارات والتقارير أبانت عن هذا التدخل، وعن محاولة الإمارات، بحسبه، تفكيك الدول والأنظمة السياسية وإرهاب الشعوب والمنطقة بالفوضى والأزمات، معتبرًا أن هذه هي قاعدة النظام الإماراتي من أجل تغذية نفسه عن طريق خلق الأزمات.

وفي تقييمه للتدخلات الإماراتية الأخيرة في الإقليم، يقول حشاني إن هذه التدخلات لم تحقق أهدافها ونتائجها، معتبرًا أن “اللعبة الإماراتية” انكشفت، وأن حقيقة الدور الذي تلعبه الإمارات في الساحتين الإقليمية والدولية أصبحت ظاهرة للعيان، إلى درجة أن الدول الحليفة لها أصبحت تتجنب اتخاذ مواقف مساندة لها في بعض القضايا، نتيجة انكشاف ما تقوم به من أعمال قد تكون، بحسب تعبيره، خارج مخططات هذه الدول.

ويتابع حشاني أن الإمارات كانت تتعامل بمنطق أن من يعطيها مهمة تضيف إليها، وكانت تسير بهذا المنطق في خلق الأزمات وزرع الفوضى في العديد من مناطق العالم. كما أنها، خلال هذه التدخلات وإثارة الفتن والأزمات، تغطي على أعمال أخرى تقوم بها، من خلال التجارة بالبشر وتجارة الأسلحة والهجرة ودعم الهجرة غير الشرعية والجريمة العابرة للحدود.

ويصف حشاني نظام الإمارات والدولة الإماراتية والكيان الإماراتي بأنه أصبح مرتعًا لكل ما هو غير أخلاقي وغير نظامي في المنظومة الدولية، محذرًا من أن استمرار هذا النهج وهذا المسار سيفكك هذا الكيان عاجلًا أو آجلًا لأنه دائمًا من يخلق الأزمات ستخلق له أزمة وينتهي.

فإذا كانت النتيجة المتكررة هي مزيد من الانقسام، وتعدد مراكز القوة، وإضعاف المؤسسات المركزية، وارتباط أطراف محلية بقوى خارجية، فإن الأمر يستحق قراءة تتجاوز مفهوم النفوذ التقليدي إلى مفهوم إعادة تشكيل الدول من الداخل.

ماذا تقول التقارير الدولية؟

هذه القراءة السياسية لا تقف وحدها، فقد تناولت تقارير وتحقيقات دولية الدور الإماراتي في عدد من بؤر الصراع، وإن اختلفت طبيعة الاتهامات ومستوى الأدلة من ملف إلى آخر، وتكتسب هذه التقارير أهميتها لأنها تنقل النقاش من مستوى التحليل السياسي إلى معطيات تتعلق بالسلاح والتمويل والشبكات اللوجستية والقوى المحلية.

السودان… الحلقة الأكثر إثارة للجدل

في السودان، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في افريل ، كما تناولت تقارير دولية بصورة متكررة مسارات يُعتقد أنها ساهمت في وصول أسلحة ومعدات ومقاتلين إلى ساحات القتال.

وفي سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان إن أفرادا وكيانات مرتبطة بالإمارات أدت دورا مهما في شبكات تجنيد وتمويل ونقل مقاتلين أجانب وتوفير دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع، وهي اتهامات ترفضها أبوظبي، كما نشرت هيومن رايتس ووتش في ماي 2026 تحقيقا تناول تجنيد مقاتلين كولومبيين، وقالت إن بعضهم مر عبر منشآت مرتبطة بالإمارات قبل نشره في السودان.

وسبق لمنظمة العفو الدولية أن قالت إن أسلحة صينية متطورة وصلت إلى قوات الدعم السريع بعد إعادة تصديرها عبر الإمارات، وهو ما رفضته أبوظبي.

وبصرف النظر عن الخلاف حول كل واقعة وتفاصيلها، فإن المؤكد سياسيا أن الحرب السودانية لم تعد مجرد نزاع داخلي، وإنما تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها شبكات إقليمية ودولية متعدد،  وفي قلب هذه المعادلة يبرز السؤال حول الدور الإماراتي وحجم تأثيره في مسار الحرب.

والأهم أن السودان يمثل نموذجا واضحا لما يمكن أن يحدث عندما تتحول الدولة إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية: حرب طويلة ومؤسسات منهكة واقتصاد مدمر ونزوح واسع، بينما تتنافس الأطراف الخارجية على النفوذ والمصالح.

ليبيا… من الدولة إلى ساحة النفوذ

في ليبيا، يعود الجدل حول الدور الإماراتي إلى سنوات، خصوصا مع الاتهامات المتعلقة بدعم قوات خليفة حفتر بالسلاح والتمويل والدعم اللوجستي خلال مراحل الصراع.

وتحدثت تقارير دولية عن انتهاكات لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا وعن دعم عسكري لقوات حفتر بالتوازي مع تدخلات إقليمية ودولية أخرى، لكن خطورة الحالة الليبية لا تتوقف عند مسألة دعم هذا الطرف أو ذاك، فبعد سنوات من الصراع أصبحت البلاد تعاني من انقسام سياسي وعسكري مزمن وتعدد مراكز القرار وتنافس على المؤسسات والموارد والموانئ.

وهكذا تحولت ليبيا، التي تمتلك احتياطات نفطية وموقعا استراتيجيا على البحر المتوسط، من دولة قادرة نظريا على توظيف ثرواتها لبناء قوة اقتصادية وسياسية إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية.

وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج القوى الخارجية إلى السيطرة المباشرة على الدولة، بل يكفي أن يكون لها نفوذ داخل القوى التي تتقاسم القرار، لتصبح الموارد والموانئ والحدود أوراقا في شبكة أوسع من المصالح.

ودعمت الإمارات في اليمن قوى محلية في الجنوب وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما سعت السعودية إلى الحفاظ على ترتيبات مختلفة تتعلق بوحدة اليمن وموازين القوى داخله.

الموانئ والثروات… الاقتصاد كأداة جيوسياسية

لا يمكن فصل هذا الدور عن البعد الاقتصادي. فقد بنت الإمارات خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من المصالح المرتبطة بالموانئ والخدمات اللوجستية والنقل والطاقة والاستثمار، وأصبح حضورها في مناطق مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل الإفريقي مرتبطا أيضا بموقع هذه المناطق على طرق التجارة العالمية، فالموانئ هنا لم تعد  مجرد منشآت اقتصادية، وإنما أدوات نفوذ فمن يملك موقعا مؤثرا على خطوط التجارة يمتلك ورقة في الأمن والطاقة والنقل والعلاقات الدولية.

وتزداد أهمية هذا الأمر في إفريقيا حيث تتزايد المنافسة على الذهب والمعادن واليورانيوم وغيرها من الموارد الاستراتيجية، وبذلك تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والأمنية، فدولة هشة تملك ثروات وموقعا استراتيجيا تصبح أكثر عرضة للتنافس الخارجي والقوة التي تمتلك المال والعلاقات والقدرة على الاستثمار في بيئة الأزمات تستطيع بناء نفوذ طويل الأمد.

أين تقف إسرائيل من هذه المعادلة؟

هنا تنتقل القضية إلى مستوى أكثر حساسية، فالعلاقات الإماراتية الإسرائيلية، التي انتقلت إلى العلن مع اتفاقات التطبيع، لم تعد تقتصر على التمثيل الدبلوماسي بل توسعت لتشمل مجالات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية واستثمارية.

وبالتالي، فإن تحليل الدور الإماراتي في المنطقة لا يمكن أن يتجاهل هذه العلاقة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدول التي تشكل تاريخيا جزءا من المجال العربي والإقليمي المحيط بالكيان الصهيوني ، وتطرح هذه المعطيات فرضية سياسية مفادها أن الإمارات قد لا تتحرك دائما باعتبارها صاحبة مشروع مستقل، وإنما باعتبارها جزءا من منظومة إقليمية تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح الاحتالال الصهيوني.

ومن هذه الزاوية، تصبح المسألة أكثر وضوحا، ف إذا كان إضعاف الدول العربية وتفكيك مراكز قوتها يخدم إسرائيل استراتيجيا، فإن أي قوة إقليمية تساهم في إنتاج هذه النتيجة تصبح جزءا من معادلة تصب  بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مصلحة المشروع الإسرائيلي.

من المستفيد من إضعاف الدول العربية؟

السؤال المركزي الذي يطرح هنا ليس فقط، ماذا تحصل الإمارات من السودان أو ليبيا أو اليمن؟ بل من يستفيد من أن تبقى هذه الدول ضعيفة ومنقسمة؟

فالسودان الذي يغرق في الحرب لا يستطيع بناء دولة قوية ومستقلة وليبيا المنقسمة لا تستطيع توظيف موقعها وثرواتها بكامل استقلاليتها واليمن الذي تتعدد فيه القوى والمراكز لا يستطيع بسهولة استعادة دولة مركزية قوية، وفي كل حالة من هذه الحالات، تصبح الموارد والموانئ والممرات والقرار السياسي أكثر انفتاحا أمام القوى الخارجية، وإسرائيل، تتحرك في بيئة إقليمية تتراجع فيها قدرة الدول العربية على تشكيل قوة جماعية متماسكة.

هل تؤدي الإمارات وظيفة ضمن مشروع إقليمي أوسع؟

وإذا كانت هذه الوظيفة تساهم في إضعاف الدول العربية وتفكيك مراكز قوتها، فمن الصعب تجاهل حقيقة أن الكيان الصهيوني هو أحد أبرز المستفيدين من شرق أوسط أقل تماسكا وأضعف قدرة على إنتاج قوة إقليمية مستقلة، وعليه، فإن قراءة الدور الإماراتي باعتباره مجرد مشروع نفوذ إماراتي قد تكون قراءة ناقصة، فأبوظبي قد تسعى فعلا إلى السيطرة على الموانئ والثروات والممرات التجارية، لكنها في الوقت نفسه تتحرك داخل شبكة تحالفات أوسع، تتقاطع فيها مصالحها مع مصالح قوى دولية وإقليمية.

وهنا يصبح السؤال النهائي أكثر إلحاحا، إذا تحولت  الغمارات إلى أداة عربية متقدمة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بحيث تكون النتيجة النهائية دولا عربية أضعف ومجتمعات أكثر انقساما وموارد أكثر انفتاحا على الخارج وإسرائيل أكثر قدرة على فرض موقعها كقوة مهيمنة في المنطقة، من يقود الأوركسترا فعلا  ومن يدفع ثمن الموسيقى؟

↑