جاء توغّل القوات الروسية على الحدود السودانية كإشارة لا يمكن تجاهلها، فهو ليس مجرد تحرك عسكري عابر، بل خطوة تحمل أبعادا استراتيجية ورسائل متعددة المعاني، تتجاوز حدود منطقتي "كركر" و"بيراو"، لتصل إلى صراع خفي على التجمعات الحدودية للسكان المحليين، ومسارات التأثير في قلب إفريقيا الوسطى. هذا التوغّل يطرح تساؤلات جوهرية: ما الذي يدفع موسكو للتحرك الآن؟ ولماذا تتحول حدود السودان إلى ساحة اختبار لتوازنات إقليمية ودولية معقّدة؟ الإجابة عن هذه التساؤلات، تتطلب فهم السياق الجيوسياسي الذي تتحرك فيه روسيا، واستيعاب طبيعة العلاقات والتحديات التي تواجه السودان.
في هذا السياق، يشير المستشار الدبلوماسي أحمد علي عبد القادر، في تصريحاته لـ"الأيام نيوز"، إلى أن التحركات الروسية على الحدود السودانية لا يمكن فصلها عن الرؤية الاستراتيجية لموسكو في إفريقيا. فالحدود الهشّة للدول التي تعاني من أزمات وصراعات داخلية، مثل السودان، تمثل بيئة مثالية للتمدد النفوذ باستخدام أدوات أمنية وعسكرية مباشرة وغير مباشرة. ويؤكد عبد القادر أن موسكو تعمل وفق منطق "ملء الفراغ"، مستفيدة من ضعف الحضور الغربي المباشر، ومن حالة السيولة السياسية والأمنية التي يعيشها السودان منذ اندلاع أزمته الداخلية.
ويضيف أن اختيار الحدود السودانية لم يكن اعتباطيا، بل جاء مرتبطا بموقع السودان الجغرافي المتميز، كجسر يربط شمال إفريقيا بوسطها وشرقها، بالإضافة إلى قربه من مناطق تشهد تنافسا محتدما بين قوى دولية وإقليمية. فالحدود الممتدة عبر مساحات شاسعة وضعيفة الرقابة، بحسب عبد القادر، تمثل نقطة ارتكاز مثالية لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل السياسي والاقتصادي أيضا، من خلال التأثير في المجتمعات الحدودية، ومسارات التجارة والتهريب، وحتى شبكات الولاء المحلية.
وعند النظر إلى الأبعاد الأوسع للتحرك الروسي، يشدد عبد القادر على أن هذه التحركات تحمل رسائل متعددة الاتجاهات. فهي، من جهة، توجه رسالة إلى القوى الغربية مفادها أن موسكو لا تزال قادرة على المناورة وفرض حضورها خارج فضائها التقليدي، رغم الضغوط والعقوبات. ومن جهة أخرى، تُعد إشارة واضحة لدول الإقليم بأن روسيا لاعب أساسي في معادلات الأمن الإفريقي، ومستعدة لاستخدام أدوات "القوة الخشنة" حيثما تتطلب مصالحها ذلك.
غير أن عبد القادر يرى أن الأخطر يكمن في التداعيات بعيدة المدى لهذا التوغّل. فالحدود التي تتحول إلى ساحات نزاع متنازع عليها تهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي للمجتمعات المحلية، وتغذي اقتصاديات الصراع، وتبقي المنطقة في حالة عدم استقرار مزمن.
كما يحذر من أن السودان، في ظل وضعه الداخلي الهش، قد يجد نفسه في موقع لا يملك فيه سوى القليل من القدرة على حماية سيادته، بينما تتحول أرضه إلى ساحة لتصفية حسابات دولية لا صلة له بها. وفي هذا السياق، يرى عبد القادر أن التوغّل الروسي على الحدود السودانية ليس مجرد خطوة أمنية ظرفية، بل فصلا جديدا في حكاية صراع النفوذ في إفريقيا، حيث تختبر القوى الكبرى حدود القوة، وتدفع ثمنها دول تتآكل سيادتها تحت وطأة الأزمات الداخلية والخارجية.
السودان.. مختبر لتوازنات إقليمية ودولية
من جانب آخر، لم تعد الحدود السودانية تُقرأ اليوم بوصفها خطوطا فاصلة بين الدول، بل أصبحت مساحة مكشوفة تتقاطع فيها رهانات القوى الكبرى، وتُختبر فيها معادلات النفوذ في إفريقيا. وفي هذا الإطار، يقدم المحلل السياسي الروسي ديمتري بريجع، الباحث في مركز الدراسات العربية الأوراسية، قراءة دقيقة لدلالات التوغّل الروسي، مشيرا إلى أن هذه الحدود تمثل حلقة مفصلية في إعادة رسم خرائط النفوذ، وأنها أكثر من مجرد موقع عسكري، بل مختبر لاختبار قدرة السودان والدول المحيطة على إدارة هذه التدخلات.
وفي حديثه لـ"الأيام نيوز"، يؤكد بريجع أن الأهمية الاستثنائية للحدود السودانية تنبع من موقعها الجيوسياسي عند تقاطع ثلاثة فضاءات استراتيجية: الساحل الإفريقي، والقرن الإفريقي، ومحور البحر الأحمر. هذا التداخل يجعلها نقطة عبور حساسة للتجارة والطاقة والحركات المسلحة، ويحوّلها في الوقت ذاته إلى ساحة مثالية لاختبار توازنات أمنية وسياسية جديدة دون الدخول في مواجهة دولية مباشرة.
ويرى بريجع أن القوى الكبرى لم تعد تعتمد على التدخلات الكلاسيكية ذات المواجهة المباشرة، بل باتت تفضّل العمل في "المناطق الرمادية"، حيث لا وجود رسمي معلن، ولا انسحاب كامل، بل تبقى هناك قدرة على المراقبة والتحكم بمرونة.
ووفق هذا المنطق، تصبح الحدود السودانية مساحة اختبار يمكن من خلالها قياس ردود الفعل الإقليمية والدولية، ومدى قدرة الدولة السودانية في وضعها الهش على فرض سيادتها. وهذا، بحسب بريجع، يفسر تحوّل هذه الحدود إلى محور لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في قلب إفريقيا.
أما على مستوى التداعيات الاجتماعية والاقتصادية، فيحذّر بريجع من اختزال التوغّل الروسي في بعده العسكري المحدود، فالتجربة الإفريقية تظهر أن التحركات الأمنية غالبا ما تكون مدخلا لتحولات أعمق تؤثر على البنية الاجتماعية والاقتصادية للمناطق الحدودية. ثم إن عسكرة الحدود تؤدي إلى نشوء اقتصاد مواز، وإعادة تشكيل شبكات النفوذ المحلية، وتبدّل أنماط الولاء، بحيث تصبح المجتمعات الحدودية جزءا من معادلة الصراع لا مجرد ضحية لها.
ويشير الباحث الروسي إلى أن السودان، بحكم هشاشة سلطته المركزية وتعدد الفاعلين المسلحين داخله، يشكّل بيئة خصبة لمثل هذه التحولات. فقد يتحول حادث حدودي محدود، في غياب المعالجة السياسية، إلى مسار طويل لإعادة هندسة التأثير في الوسط الإفريقي، سواء عبر الأمن أو الاقتصاد أو العلاقات القبلية العابرة للحدود.
ورغم ذلك، لا يجزم بريجع بأن موسكو تسعى بالضرورة إلى تثبيت وجود دائم، بل يرجّح أن التوغّل يندرج ضمن صراع أطول وأكثر تعقيدا، تُستخدم فيه الحدود كورقة ضغط قابلة للتصعيد أو التهدئة تبعا لتطورات المشهد الدولي. فالإبقاء على الوضع في منطقة رمادية يتيح لموسكو هامش مناورة واسعا دون تحمّل كلفة سياسية مباشرة.
وتكشف قراءة ديمتري بريجع أن ما يجري على الحدود السودانية يتجاوز الحدث الآني، ليعكس تحوّل هذه الحدود إلى مختبر حقيقي لتوازنات النفوذ الدولي في إفريقيا. وبين احتمال إعادة تشكيل المجتمعات الحدودية أو الاكتفاء بإدارة صراع منخفض الوتيرة، يبقى الثابت أن السودان بات في قلب لعبة دولية أكبر، تُرسم ملامحها على أطرافه قبل أن تصل إلى عمقه.
الإرهاق من الغرب يفتح أبواب موسكو
على المستوى الدولي، يفرض التوغّل الروسي في إفريقيا قراءة مختلفة عما اعتادت عليه السردية الغربية، قراءة تنطلق من تحوّل المزاج الإفريقي ذاته قبل أن تُسقط على صراع النفوذ بين موسكو والغرب. فوفق رؤية حسين قنبر، مدير مركز الدراسات للشرق الإفريقي، في تصريحاته لـ"الأيام نيوز"، السؤال الجوهري لم يعد: "ماذا تريد روسيا من إفريقيا؟"، بل تحول إلى: "لماذا لم تعد إفريقيا تريد الغرب بالشكل الذي كان عليه سابقا؟"
يشير قنبر إلى أن قطاعات واسعة من النخب والشعوب الإفريقية، وخصوصا في المستعمرات الفرنسية السابقة، باتت تشعر بإرهاق تاريخي من نمط الشراكة الغربي، الذي ارتبط بالتدخل السياسي والوصاية الاقتصادية وربط المساعدات بشروط تمس السيادة الوطنية. هذا الإرهاق خلق فراغا نفسيا وسياسيا قبل أن يكون فراغا استراتيجيا، وهو ما جعل الانفتاح على روسيا خيارا مقبولا، بل مرغوبا في بعض السياقات.
ويؤكد قنبر أن الحضور الروسي في إفريقيا لا يمكن وصفه بمشروع توسعي أو محاولة لفرض أمر واقع بالقوة. روسيا، وفق تحليله، لا تتحرك بعقلية إسقاط الأنظمة أو إعادة هندسة الدول كما فعلت بعض القوى الكبرى في مناطق أخرى. بل تعتمد موسكو على مقاربة براغماتية تقوم على الشراكات الثنائية، واحترام خصوصيات الدول، وتغليب منطق المصالح المتبادلة بدل الإملاءات السياسية.
ويضيف مدير مركز الدراسات أن العلاقات الروسية–الإفريقية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود سابقة، حين دعمت موسكو حركات التحرر الوطني، ونسجت علاقات لم تكن قائمة على منطق الاستغلال المباشر للثروات أو فرض النماذج السياسية. ورغم اختلاف الرؤى أحيانا مع بعض الدول الإفريقية، فإن الإطار العام للعلاقة ظل، في نظر قنبر، إطارا متوازنا ومرنا، يسمح بالتباين دون القطيعة.
أما عن استخدام التحركات الروسية كورقة تفاوض في ملفات دولية أكبر، فلا ينفي قنبر هذا البعد، لكنه يضعه في سياقه الطبيعي. فكل قوة كبرى تستخدم حضورها الدولي لتعزيز موقعها التفاوضي، غير أن الحالة الإفريقية مختلفة، لأن المبادرة لم تأتِ فقط من موسكو، بل من أطراف إفريقية تبحث عن تنويع شركائها، وكسر الاحتكار الغربي لمسارات التعاون الأمني والاقتصادي.
ويخلص قنبر إلى أن قراءة التوغّل الروسي من زاوية الصراع مع الغرب وحدها قراءة قاصرة، لأنها تتجاهل العامل الإفريقي نفسه. إفريقيا اليوم لم تعد ساحة صامتة تُدار من الخارج، بل فاعلا يعيد ترتيب تحالفاته وفق مصالحه.
وفي هذا السياق، يبدو الحضور الروسي أقرب إلى استجابة لطلب سياسي وأمني واقتصادي، منه إلى مشروع لفرض نفوذ بالقوة. وعليه، فإن ما يجري لا يعكس بالضرورة محاولة لفرض أمر واقع جديد، بقدر ما يكشف عن انتقال إفريقيا إلى مرحلة تعدد الشركاء، حيث لم يعد الغرب الخيار الوحيد، ولم تعد الخرائط تُرسم بإرادة طرف واحد، بل تتشكل من توازنات متغيرة تتفاعل فيها مصالح محلية وإقليمية ودولية في آن واحد.

