2026.01.08
القرار 2797 يضع القضية الصحراوية بين أيدي العالم.. الجزائر تجهض المؤامرة سياسة

القرار 2797 يضع القضية الصحراوية بين أيدي العالم.. الجزائر تجهض المؤامرة


ربيعة خطاب
02 نوفمبر 2025

خبراء عرب وغربيون لـ"الأيام نيوز": تصويت مجلس الأمن يُنهي معركة التأويل القانوني

يؤكد خبراء في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، شاركوا "الأيام نيوز" أراءهم، أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 يمثل مرحلة مفصلية في مسار قضية الصحراء الغربية، إذ أعاد تثبيت مبدأ تقرير المصير كركيزة أساسية لأي تسوية مقبلة، رغم محاولات الالتفاف عليه. ويُنظر إلى القرار باعتباره انعكاسا لتوازن دقيق بين من يتمسكون بالشرعية الدولية ومن يجنحون إلى تسويات تحكمها المصالح السياسية. كما تُظهر التعديلات المتكررة التي عرفتها المسودة قبل اعتمادها النهائي أن الملف لا يزال مفتوحا على خيارات متعددة، وأن معركة التأويل القانوني لم تُحسم بعد. ويرى المحللون أن الجزائر استطاعت، عبر تحرك دبلوماسي هادئ وفعّال، إعادة النقاش الأممي إلى مرجعيته الأصلية، بينما واجهت الرواية المغربية تراجعا واضحا بعد سقوط رهاناتها على اعتراف ضمني بالسيادة.

في المحصلة، يُجمع المتابعون على أن القرار الجديد لم يقدّم حلا نهائيا، لكنه أعاد توجيه البوصلة نحو جوهر القضية: حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

الجلسة الأخيرة، التي انتهت باعتماد القرار رقم 2797 القاضي بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لمدة عام إضافي، أعادت فتح النقاش حول جوهر القضية ومآلاتها، في ظل تباين واضح في مواقف الدول الأعضاء بين من يتمسك بالشرعية الدولية ومن يسعى إلى تطويعها لخدمة مصالحه الإقليمية.

الجزائر، التي شاركت بتمثيل دبلوماسي رفيع، أوضحت على لسان ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، أنها امتنعت عن التصويت على مشروع القرار حرصا على النأي بنفسها عن نص لا يعكس بشكل كاف المبادئ الأممية الخاصة بتصفية الاستعمار. وقال بن جامع: "القرار بصيغته الحالية يعاني من نقائص وشوائب، ولا يرقى إلى مستوى تطلعات الشعب الصحراوي الذي يناضل منذ أكثر من خمسين عاما من أجل أن يقرر مصيره بنفسه"، وأشار إلى أن الجزائر، بصفتها دولة جارة، شاركت في النقاشات بنية صادقة وبروح بنّاءة، غير أن النص النهائي جاء مجحفا، سواء من حيث المرجعية القانونية أو من حيث التوازن السياسي المطلوب.

وقد حظي قرار التمديد بتأييد 11 عضوا من أصل 15، وسط جدل واسع حول طبيعة الصياغة التي تولت الولايات المتحدة إعدادها. فالمسودة الأولى، وفق ما كشفه مراقبون، تجاوزت حدود الموضوعية ومالت لصالح الطرح المغربي، في انعكاس مباشر لاتفاقيات التطبيع بين الرباط وتل أبيب ضمن ما يُعرف بـ"اتفاقيات أبراهام"، التي منحت المغرب اعترافا أمريكيا مؤقتا بـ"سيادته" على الإقليم المحتل.

في المقابل، شددت جبهة البوليساريو، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، على رفضها لأي صيغة تفاوضية لا تضع مبدأ تقرير المصير في صلبها كخيار وحيد ونهائي، معتبرة أن كل مساعي فرض وهم "الحكم الذاتي" ليست سوى محاولة لإضفاء شرعية سياسية على الاحتلال.

وقدّمت الجبهة سلسلة مقترحات جديدة، أبرزها توسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة أوضاع حقوق الإنسان، وتنظيم استفتاء شعبي يحدد مصير الإقليم وفق إرادة أبنائه. هذه الخطوة أربكت حلفاء الرباط، ودَفعت عددا من الدول إلى إعادة النظر في مواقفها السابقة.

وفي خضم هذه التجاذبات، شهدت مخيمات اللاجئين حتى في الأراضي المحتلة من الصحراء الغربية مظاهرات واسعة عبّرت عن الرفض الشعبي القاطع للمسودة الأمريكية، وأكدت التمسك بحق تقرير المصير كخيار لا يقبل المساومة.

وقد لاقت هذه الموجة من الاحتجاجات صدى داخل أروقة الأمم المتحدة، خاصة بعدما أيّدت دول مثل الجزائر وروسيا والصين وباكستان الموقف الداعي إلى تعديل النص ليعكس بشكل دقيق القرارات السابقة لمجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 1514 الخاص بتصفية الاستعمار، الذي يُعد المرجعية القانونية الأساسية لكل قضايا التحرر الوطني.

وفي تعليقه على القرار، اعتبر المحلل السياسي محمود خطري أن اعتماد القرار 2797، رغم محدوديته، يمثل "انتصارا رمزيا لمبدأ تقرير المصير، ويؤكد أن القضية الصحراوية استعادت موقعها في صدارة النقاش الأممي بعد سنوات من محاولات التهميش والتجميد". وأضاف خطري: "تمديد ولاية المينورسو في حد ذاته يحمل دلالة سياسية مهمة، لأنه يعيد التذكير بأن المهمة الأصلية للبعثة هي تنظيم الاستفتاء لا إدارة الوضع القائم".

المحلل السياسي محمود خطري _الصحراء الغربية

وأوضح أن الضغوط المتزايدة على الرباط من داخل مجلس الأمن ومن منظمات حقوق الإنسان قد تفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد أكثر توازنا وعدلا.

كما يرى خطري أن موقف الجزائر المتزن يعكس تمسكها الثابت بالمبادئ الأممية ورفضها لأي حلول تُفرض بالقوة أو عبر المساومات السياسية، مشددا على أن "الجزائر تتعامل مع القضية من منظور أخلاقي وسيادي، لا من منطلق تنافس إقليمي، فهي تؤمن أن الشعوب وحدها من تمتلك الحق في رسم مستقبلها، وأن تجاوز هذا المبدأ يُعد خرقا لجوهر القانون الدولي".

ورغم أن القرار 2797 لا يحقق كل ما يطمح إليه الصحراويون، فإنه يكرس مجددا الاعتراف الدولي بحقهم في تقرير مصيرهم، ويمنحهم سندا قانونيا وسياسيا لمواصلة النضال ضمن إطار الشرعية الأممية. فالإبقاء على بعثة المينورسو واستمرار الإشارة في قرارات مجلس الأمن إلى "حق تقرير المصير" يعني أن المجتمع الدولي لم يغلق بعد باب الاستفتاء، وأن الأفق ما يزال مفتوحا أمام حل عادل ودائم يضع نهاية لمعاناة أجيال من الصحراويين الذين يعيشون بين المنافي والمخيمات.

وبين مسودة أمريكية منحازة، وموقف جزائري مبدئي، وضغط شعبي صحراوي متصاعد، يظل السؤال مطروحا: هل تعود الصحراء الغربية إلى سكّتها الحقيقية نحو تقرير المصير؟ فكل الإشارات توحي بأن الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعوب، مهما طال الزمن، لا يمكن أن تُطمس تحت ركام الصفقات السياسية.

الجزائر تُعيد التوازن داخل مجلس الأمن..

هكذا سقطت رواية "الانتصار المغربي" في الصحراء الغربية

خليل الزكندي - إعلامي وكاتب – (بلجيكا)

بين الخطاب السياسي والواقع الميداني في الصحراء الغربية، تكشف التطورات الأخيرة داخل مجلس الأمن عن صراع خفي بين من يسعى إلى تطويع القانون الدولي لخدمة أجنداته، ومن يتمسك بصرامته كدرع يحمي الشعوب من شرعنة الاحتلال.

خليل الزكندي - إعلامي وكاتب – (بلجيكا)

بمجرّد أن بدأت التحضيرات داخل أروقة الأمم المتحدة لتجديد ولاية بعثة "المينورسو" المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار في الصحراء الغربية، دخل النظام المغربي في سباق محموم لتوجيه الرأي العام الدولي والتأثير على مسار النقاشات داخل مجلس الأمن. فعبر تعبئة مكثفة لأذرعه السياسية والإعلامية، الرسمية منها والموازية، سعت الرباط إلى تسويق رواية مفادها أن أعضاء المجلس باتوا مقتنعين بأن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه الملك محمد السادس عام 2007 أصبح المرجعية الوحيدة والنهائية لأي تسوية ممكنة للصراع، وأن مرحلة الحديث عن تقرير المصير قد طُويت نهائيا.

غير أن هذه الحملة الدعائية، التي شملت تصريحات رسمية وتغريدات منسقة وتحركات في العواصم الغربية، لم تكن سوى محاولة استباقية لتلميع خطاب ملكي مرتقب في ذكرى "المسيرة الخضراء"، أراد النظام من خلاله أن يقدم نفسه أمام الداخل والخارج كمنتصر دبلوماسي حسم الجدل الأممي لصالحه.

لكن الواقع داخل مجلس الأمن سلك مسارا مغايرا تماما، إذ أظهرت المشاورات الأولى حول مشروع القرار الأمريكي أن المسودة جاءت منحازة بوضوح للرؤية المغربية، الأمر الذي أثار استياء الجزائر التي سارعت إلى كشف الطابع السياسي للنص واعتبرته خرقا صريحا لقرارات المجلس السابقة ولأسس الشرعية الدولية التي لا تزال تصنف الصحراء الغربية ضمن قضايا تصفية الاستعمار.

منذ تلك اللحظة، تحركت الجزائر بفاعلية غير مسبوقة داخل أروقة الأمم المتحدة، مدعومة بعدد من الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية، لتصحيح مسار المشروع الأمريكي ودفعه نحو إعادة التوازن. وبفضل دبلوماسية هادئة وفعالة، تمكنت من كسب دعم دول دائمة العضوية وأخرى وازنة، ما أفضى إلى إدخال تعديلات جوهرية أعادت القرار إلى مساره القانوني الأصلي: تأكيد صريح على مبدأ تقرير المصير كحق غير قابل للتنازل، وتراجع واضح لمقترح الحكم الذاتي إلى مستوى ثانوي بوصفه "مبادرة جادة وذات مصداقية" لا أكثر.

هذا التحول في النص النهائي مثّل ضربة موجعة للنظام المغربي الذي كان يراهن على استصدار قرار أممي يمنحه اعترافا ضمنيا بسيادته على الإقليم. فبعد أسابيع من الضجيج الإعلامي والترويج لانتصار دبلوماسي وشيك، وجد المخزن نفسه أمام وثيقة أممية تذكّره بأن الشرعية الدولية لا تُشترى بالدعاية، وأن مجلس الأمن، رغم تناقضات أعضائه، لم ينزلق نحو شرعنة الاحتلال. والمفارقة أن الخطاب الملكي، الذي كان يُفترض أن يُلقى في السادس من نوفمبر بوصفه لحظة "الانتصار الحاسم"، جرى تقديم موعده على عجل في محاولة لامتصاص صدمة فشل الرهان المغربي، إذ أعلن الملك أن المجلس اعتمد الحكم الذاتي "أساسا للحل"، بينما الحقيقة أن هذه الصيغة لم ترد في متن القرار، بل ظهرت فقط في الحيثيات التمهيدية التي لا تحمل قوة إلزامية.

بهذا التناقض الواضح، وجد النظام المغربي نفسه أمام مأزق سياسي وإعلامي مزدوج: داخليا، يواجه تحدي إقناع الرأي العام الذي صُنع له وهم "الاعتراف الأممي" بأن الأمر لا يعدو كونه تأويلا إعلاميا، وخارجيا، عليه تبرير استغلاله المفرط للمنابر الدولية في تمرير قراءة مغلوطة لقرار لا يمنحه ما يدّعيه. وهكذا تحولت الحملة التي أرادها المخزن تتويجا دبلوماسيا إلى دليل جديد على محدودية تأثيره داخل مجلس الأمن، وعلى أن القوة الناعمة لا يمكن أن تحل محل القوة القانونية.

في المقابل، خرجت الجزائر من هذه الجولة أكثر رسوخا في مبدئها الثابت: الدفاع عن حق تقرير المصير كقاعدة غير قابلة للمساومة. وبفضل مواقفها الصلبة، تم الحفاظ على جوهر القضية ضمن خانة تصفية الاستعمار، رغم كل الضغوط والمناورات.

والدرس الأوضح من هذه التطورات أن الدبلوماسية المبنية على التضليل الإعلامي لا تصنع الشرعية، وأن محاولات "تسييس القانون الدولي" لا تدوم طويلا أمام إرادة الشعوب وصرامة النصوص الأممية. فالقرارات لا تُكتب في مكاتب العلاقات العامة، بل تُصاغ في ميزان العدالة والحق، وهنا فشل النظام المغربي في انتزاع اعتراف لم تمنحه له الأمم المتحدة منذ نصف قرن، ولن تمنحه له بيانات مغلوطة أو خطابات استعراضية مهما كانت نبرتها.

من "تاكينغ نوت" إلى "ريأفيرمينغ"..

كيف حافظ مجلس الأمن على مبدأ تقرير المصير؟

نور الدين شعباني - بروفيسور في التاريخ ومحلل سياسي – (الجزائر)

يقدّم البروفيسور نور الدين شعباني، في تصريح لـ"الأيام نيوز"، قراءة قانونية وسياسية متوازنة لقرار مجلس الأمن الدولي بشأن ملف الصحراء الغربية، قراءة تميّز بين لغة السياسة ولغة القانون، وتُظهر أن ما صدر عن المجلس لا يعني تبنيا لسيادة مغربية على الإقليم، بل هو صياغة دبلوماسية دقيقة تهدف إلى تحقيق توازن مقبول على الساحة الدولية.

البروفيسور نور الدين شعباني_الجزائر

وأوضح شعباني أن المجلس استخدم في قراره عبارة "taking note" للإشارة إلى المقترح المغربي حول الحكم الذاتي بوصفه "خيارا جديا وذا مصداقية"، من دون أن يترتب على ذلك اعتراف صريح بسيادة المغرب. ويرى أن هذه الملاحظة اللغوية تحمل نتائج عملية مهمة، إذ تؤكد أن مجلس الأمن لم يُغيّر الإطار القانوني للصراع في الصحراء الغربية، الذي لا يزال يُصنَّف ضمن قضايا تصفية الاستعمار، وليس مجرد نزاع إقليمي حول السيادة.

ويشرح شعباني أن عبارة "taking note" تختلف في آثارها القانونية عن مصطلحات أقوى مثل "recognizing" أو "affirming"، وهو ما يشكّل، بحسبه، جوهر التحليل القانوني للقرار. ويضيف: "القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن تعتمد على مفردات دقيقة تحمل دلالات ملزمة أو غير ملزمة، وحين يتم التأكيد على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وحق تقرير المصير، تتجلى المرجعية الحقوقية التي تبقى أساس معالجة ملف الصحراء الغربية".

وأشار إلى أن ورود كلمة "reaffirming" في القرار يدل على تمسّك المجلس بمبدأ حق تقرير المصير، مما يعني أن الملف لا يزال ضمن إطار تصفية الاستعمار، مع ما يستتبع ذلك من التزامات دولية لمتابعة تنفيذ القرارات السابقة والسعي نحو حلّ سياسي متوافق عليه بين الطرفين.

من الناحية السياسية، يرى شعباني أن القرار قد يمنح المبادرة المغربية زخما إعلاميا ودبلوماسيا مؤقتا، خاصة لدى بعض الدول الأوروبية والإفريقية التي تبحث عن مصالح استراتيجية في غرب المتوسط. لكنه يؤكد في المقابل أن "غياب الطابع القانوني للاعتراف بالسيادة يعني أن المسار التفاوضي لم يُغلق، ولم يتحوّل إلى مستوى قانوني جديد يُنهي خيار تقرير المصير".

ويضيف أن هذا الوضع يمنح الجزائر وحلفاءها حجة قانونية صلبة للتمسك بمرجعيات الأمم المتحدة وقراراتها التاريخية. ومن الناحية العملية، يتوقع شعباني أن يترك القرار مسارين متوازيين: "أولا، مسار دبلوماسي تشجيعي للحلول المقترحة بانخراط دولي أوسع، وثانيا، مسار قانوني وحقوقي يُبقي القضية ضمن إطار تصفية الاستعمار".

ورغم ما في القرار من مرونة لغوية، يرى شعباني أن "لغة مجلس الأمن قد تفتح نافذة سياسية جديدة للتقارب، إذا ما رافقها التزام فعلي بتفكيك الأزمات الأمنية وبدء حوار شامل يضمّ المجتمع المدني والهيئات الأممية المعنية".

وفي ظل هذه المعادلة المعقّدة، يطرح شعباني سؤالا محوريا: "هل يمتلك الطرفان القدرة على تقديم تنازلات تضمن استقرار الإقليم وتحفظ كرامة السكان وحقوقهم السياسية والاقتصادية؟". ويخلص إلى أن القرار "لم يمنح أي طرف نصرا قانونيا قاطعا، بل أعاد ترتيب الشروط السياسية التي قد تجعل الحل واقعا قابلا للتطبيق، إذا ما توافرت ضمانات دولية تنفيذية ومراقبة محايدة".

أما اقتصاديا، فيشير إلى أن "اللغة الدبلوماسية المعتدلة قد تؤثر على الاستثمارات المحتملة في المنطقة، وهو ما يستدعي يقظة حكومية ومجتمعية لمنع استغلال الغموض لصالح أطراف تستقطب الموارد دون ضمانات عادلة للسكان". كما يؤكد أن القوى الكبرى معنية بالحفاظ على التوازنات الإقليمية واستقرار إمدادات الطاقة، مما يجعل "الوساطة الدولية مطالبة بالحياد وباحترام إرادة السكان".

ويختتم شعباني تحليله بالتأكيد على أن "الفارق بين عبارة (taking note) وعبارات أقوى ليس شكليا فحسب، بل هو الفاصل بين الانتقال من وضع تصفية استعمار إلى وضع اعتراف بسيادة". وبناء على ذلك، يؤكد أن "المهم لا يقتصر على قراءة القرار، بل في متابعة إجراءات تنفيذه وقراءته بشفافية، وتوظيفه كفرصة لإخراج ملف الصحراء الغربية من دائرة التوتر إلى فضاء تفاوضي يحترم حق تقرير المصير ويضع ضوابط واضحة للإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة".

حق تقرير المصير باق.. لكنه مؤجل!

ميخائيل ماهر - أستاذ القانون الدولي – (مصر)

يشكّل القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية محطة جديدة في مسار طويل من التجاذبات القانونية والسياسية التي رافقت هذا الملف منذ عقود. فقد أعاد المجلس التأكيد على مبدأ حقّ تقرير المصير للشعب الصحراوي، مع الإبقاء في الوقت ذاته على الإشارة إلى خيار ما يُسمى "الحكم الذاتي" بوصفه طرحا قابلا للنقاش.

ميخائيل ماهر - أستاذ القانون الدولي – (مصر)

هذا التوازن اللغوي في صياغة القرار لا يمكن اعتباره مجرّد توافق دبلوماسي بين الأعضاء، بل هو انعكاس مباشر لتوازنات القوى داخل المجلس، وحدود التفاهم بين من يتمسكون بمرجعية القانون الدولي وقرارات تصفية الاستعمار، وبين من يجنحون إلى حلول توافقية تستجيب لمعادلات النفوذ الإقليمي والمصالح الجيوسياسية للدول الكبرى.

من الناحية القانونية، يمثّل تثبيت عبارة «حقّ تقرير المصير» داخل النص الأممي مكسبا واضحا للشرعية الدولية، وتجديدا للاعتراف بأن الصحراء الغربية لا تزال قضية تصفية استعمار، وليست نزاعا حدوديا بين دولتين كما تسعى بعض الأطراف إلى تصويرها. فالمبدأ ما يزال قائما، والمرجعية القانونية لم تُمسّ، غير أن إدراج مصطلح "حل عملي وواقعي" يمنح بعدا سياسيا جديدا للملف، إذ يُدخل عنصر المرونة الدبلوماسية الذي تسعى من خلاله بعض القوى إلى المواءمة بين النصوص القانونية ومتطلبات الواقعية السياسية. هذه الصياغة المزدوجة تُبقي الحق قائما في النصوص، لكنها لا توفّر آليات واضحة لتفعيله: فلا جدول زمنيا للاستفتاء، ولا إشرافا أمميا محددا، ولا ضمانات لتنفيذ القرار على الأرض. وبذلك يتحول الانتصار القانوني إلى مكسب رمزي أكثر منه إنجازا عمليا.

وفي قراءة أستاذ القانون الدولي ميخائيل ماهر، فإن القرار يعكس ما يمكن وصفه بـ"توازن الضرورة"، حيث وجد مجلس الأمن نفسه أمام معادلة دقيقة: فالتجاهل الكامل لمطلب تقرير المصير مستحيل قانونيا، في حين أن فرض تنظيم الاستفتاء دون توافق سياسي يبدو غير ممكن عمليا. ومن هنا، جاءت الصياغة الحالية لتوازن بين المبدأ والبراغماتية، وتحافظ في الوقت نفسه على مساحة تفاوض مفتوحة بين الأطراف.

أما الجزائر، فقد لعبت دورا محوريا في تثبيت المرجعية القانونية داخل القرار، من خلال تحرك دبلوماسي نشط داخل أروقة الأمم المتحدة، مدعوم بتحالفات مع عدد من الدول الإفريقية وأمريكا اللاتينية. هذه الجهود حالت دون تمرير صياغة كانت تميل بالكامل لصالح الموقف المغربي، وأسهمت في الحفاظ على لغة القرار ضمن حدود الشرعية الدولية. فبدلا من أن يتحول النص إلى اعتراف ضمني بسيادة المغرب، جاء متوازنا، يكرّس حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وإنْ بصيغة أقلّ حدة.

غير أن هذا التوازن يظلّ هشّا، لأن تطبيق المرجعية القانونية يبقى رهينا بإرادات سياسية متقلبة ومصالح متشابكة. فالمغرب يسعى إلى استثمار مصطلح "الحل العملي" لتوسيع دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي، بينما ترى جبهة البوليساريو والجزائر أن أي تراجع عن تنظيم استفتاء حرّ يفرغ المبدأ من مضمونه ويحوّله إلى شعار دبلوماسي بلا مضمون. وهكذا، يتواصل الصراع بين الاعتراف المبدئي بالحق وبين تعطيله عبر أدوات السياسة.

على المستوى الإقليمي، يُرتقب أن يُلقي القرار بظلاله على موازين القوى في شمال إفريقيا، حيث قد تشهد المرحلة المقبلة جولات تفاوض جديدة تحت إشراف المبعوث الأممي، مع انخراط أوسع للقوى الغربية الساعية إلى صياغة "تسوية واقعية" تضمن الاستقرار ولا تصطدم صراحة بمبدأ تقرير المصير.

في المحصلة، يمكن القول إن القرار الأممي الأخير مثّل نصرا قانونيا مؤقتا لمعسكر تقرير المصير، لكنه لم يتحول بعد إلى مكسب عملي ملموس. فالقانون بقي حاضرا في الخطاب، بينما تواصل السياسة فرض منطقها في التطبيق. وبقدر ما نجحت الجزائر وحلفاؤها في الحفاظ على النص ضمن إطار الشرعية الدولية، فإن مستقبل القضية سيظل مرهونا بإرادة المجتمع الدولي في تحويل المبادئ إلى آليات تنفيذ، لأن غياب الاستفتاء عن الأجندة الأممية يجعل من حقّ تقرير المصير مبدأ مُعلّقا بين الاعتراف الرمزي والتأجيل المستمر.

مسودة القرار تغيّرت 6 مرات.. المخزن في ورطة سياسة

عبد الله ولد بوناه - خبير في الشؤون الإفريقية - موريتانيا

تغيّرت مسودة القرار الأممي حول الصحراء الغربية ست مرات قبل أن تصل إلى صيغتها النهائية، وهو ما لا يمكن اعتباره تفصيلا تقنيا كما تحاول الرباط تبريره، بل يمثل دليلا واضحا على أن الموقف المغربي فقد تماسكه تحت ضغط الدبلوماسية الدولية. فكل تعديل حمل تنازلا غير معلن، وكل حذف مثّل صفعة سياسية، وكل إعادة صياغة أكدت أن مجلس الأمن لم يتبنَّ الرواية المخزنية كما حاول الإعلام الرسمي المغربي تصويرها.

عبد الله ولد بوناه - خبير في الشؤون الإفريقية - موريتانيا

يعكس هذا التبدّل المتكرر عمق الانقسام داخل مجلس الأمن حول توصيف طبيعة الصراع في الصحراء الغربية، بين من يتمسكون بمرجعية القانون الدولي ومبدأ تصفية الاستعمار، وبين من يسعون إلى فرض مقاربة واقعية تُكرّس الاحتلال وتُضفي عليه شرعية سياسية تحت شعار "الاستقرار الإقليمي". النتيجة النهائية جاءت وسطا هشّا، لا يرضي أحدا، خصوصا المغرب الذي خسر ما تبقى من زخم دبلوماسي بعد أن أصبح يلاحق اعترافات رمزية لا تستند إلى أساس قانوني حقيقي.

لم تكن التغييرات الستة في صياغة القرار مجرد عملية تحرير لغوي، بل نتاجا لمعارك دبلوماسية داخل أروقة المجلس. فقد رفضت عدة دول أي عبارة توحي بسيادة مغربية على الإقليم، وهو ما دفع نحو حذف تعبيرات كانت الرباط تسعى إلى تمريرها، مثل "الدعم للحكم الذاتي كحل وحيد"، واستبدالها بصيغة أكثر توازنا تتحدث عن "حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين"، في إطار مبادئ الأمم المتحدة بما فيها حق تقرير المصير. هذه الصيغة الجديدة نسفت سردية المغرب التي حاولت تقديم القرار كاعتراف ضمني بسيادته على الصحراء، وأعادت التأكيد على أن الملف ما يزال خاضعا لقواعد تصفية الاستعمار وقرارات الشرعية الدولية.

يجد النظام المغربي نفسه اليوم أمام أزمة سردية حقيقية. فبعد عقود من الاستثمار في خطاب "الانتصار الدبلوماسي"، انتهى به الأمر إلى قرار لا يمنحه سوى تمديد ولاية بعثة المينورسو، أي استمرار الوضع القائم دون أي تقدم سياسي أو قانوني. فلا حسم ولا سيادة ولا مكسب جديد، بل تجميد للصراع تحت غطاء من الغموض. حتى الدول التي كانت تُعد من أبرز داعمي الرباط باتت مضطرة إلى استخدام لغة حذرة، لأنها تدرك أن القانون الدولي لا يسمح بتبرير الاحتلال أو شرعنته بمفردات مراوغة.

لقد أدركت الرباط متأخرة أن لغة المصالح تتغلب على لغة الولاءات، وأن التحالفات الظرفية لا تصمد أمام قوة القانون الدولي. فكل محاولة لشراء المواقف عبر الدبلوماسية الاقتصادية اصطدمت بجدار الشرعية القانونية، التي لا تزال تصنّف الصحراء الغربية كـ"إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي" ينتظر استفتاء لتقرير المصير منذ عام 1975.

تُظهر التعديلات الستة في نص القرار حجم المأزق المغربي بوضوح. فالموقف الواثق لا يحتاج إلى تجميل لغوي متكرر ولا إلى تهذيب دبلوماسي يفرغ النص من مضمونه. كل كلمة حُذفت كانت طعنة في جسد الخطاب الرسمي، وكل جملة أعيدت صياغتها أكدت هشاشة الموقف السياسي للمخزن. أما النسخة النهائية من القرار، فقد قدّمت للمغرب "الخذلان المغلف بالمجاملة"، بينما أبقت على الشعب الصحراوي في موقعه الطبيعي كصاحب الحق الشرعي الوحيد في تقرير مصيره.

الخلاصة واضحة: من يبدّل صياغة مسودة واحدة ست مرات لا يمتلك قوة الموقف، بل يعيش خوف السقوط. والمغرب اليوم يواجه هذا السقوط تدريجيا، بعدما انتقل من موقع الفاعل إلى موقع المفعول به، ومن مدّع للنصر إلى متوسل للشرعية. لم تكن التعديلات الستة مجرد تغييرات شكلية في وثيقة أممية، بل ست صفعات متتالية على وجه وهم اسمه "السيادة المغربية على الصحراء الغربية".

انتصارات ورقية تتلاشى أمام نص القرار الأممي..

من هو الخاسر الأكبر من سياسات وهم التوسّع المغربي؟

محمود خطري - محلل سياسي – (الصحراء الغربية)

يُعدّ القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 محطة جديدة في مسلسل العبث الأممي حول قضية الصحراء الغربية، وفي الوقت ذاته كشف هشاشة الخطاب المخزني وازدواجية الموقف الدولي. جاءت صياغة القرار بلون رمادي يمزج بين دعم الحكم الذاتي وحق تقرير المصير، وهو ما يعكس إرادة القوى الكبرى في إبقاء الصراع مفتوحا للاستثمار السياسي والاقتصادي، بعيدا عن أي حلّ حقيقي وفق الشرعية الدولية.

من الناحية القانونية، وضع القرار تحت الفصل السادس، ما يجعله توصية غير ملزمة ولا تحمل أي أثر على السيادة. ورغم ذلك، حاول المغرب تسويقه كـ"فتح مبين"، مستغلا أي ثغرة في النص لتغليف واقعه المهزوز بشعارات النصر. غير أن هذه "الانتصارات الورقية" لا تغيّر حقيقة أن مجلس الأمن لم يمنح الرباط اعترافا بالسيادة، بل أبقى على جوهر القضية كما هو: قضية تصفية استعمار تنتظر استفتاء حُرم منه الصحراويون منذ أكثر من ثلاثة عقود.

خطاب الملك محمد السادس عقب صدور القرار كشف مأزق المخزن أكثر مما عبّر عن قوته. فبدل أن يستند إلى منطق سيادة واضحة، لجأ إلى لغة دينية وشعبوية لإضفاء قداسة على نص سياسي متناقض. قوله إن "ما قبل 31 أكتوبر ليس كما بعده" لا يصمد أمام الواقع؛ فالوضع الميداني لم يتغير، والمغرب لا يزال عاجزا عن فرض شرعية حقيقية على الأرض دون غطاء أممي. بدا هذا الخطاب موجّها أساسا إلى الداخل المغربي لتسكين الرأي العام، وإلى الخارج لاستجداء دعم القوى الكبرى التي تتحكم في موازين اللعبة.

في المقابل، لم يتضمن القرار أي إشارة صريحة إلى تنظيم الاستفتاء، وهو جوهر مهمة بعثة مينورسو. هذا التجاهل المتعمد يوضح انحراف الأمم المتحدة عن التزاماتها الأصلية، ورضوخها لضغوط أمريكية وفرنسية ترى في استمرار الوضع الراهن ضمانة لمصالحها في المنطقة. أما روسيا والصين، فاختارتا حيادا مصلحيا، ما حوّل الصحراء الغربية إلى رقعة شطرنج تُدار فيها التوازنات لا المبادئ.

القرار إذن ليس انتصارا للدبلوماسية المغربية كما يروّج الإعلام الرسمي، بل وثيقة تكرّس الغموض وتطيل عمر الاحتلال. ربط تقرير المصير بـ"حل مقبول للطرفين" يفرغ الحق من مضمونه، إذ لا يقبل الاحتلال بأي تنازل، ولا يُفاوض الشعب المستعمَر على حريته. الواقع الميداني يثبت أن شيئا لم يتبدل: لا سيادة قانونية للمغرب على الصحراء، ولا إرادة أممية لفرض استفتاء، وما يجري هو مجرد إدارة أزمة، لإبقاء المنطقة رهينة صراع يخدم مصالح القوى الكبرى والمخزن معا.

الخاسر الأكبر هو الإنسان، سواء في العيون أو الرباط، الذي يدفع ثمن سياسات الوهم والتوسع. خطاب النصر المزعوم لا يخفي الحقيقة: المغرب يعيش مأزقا داخليا عميقا يغذّيه الهروب إلى الأمام باسم "القضية الوطنية". بينما يُستنزف المال العام في سباق التسلح والدعاية، يُحرم المواطن من أبسط حقوقه في العدالة والتنمية. لذلك، يؤكد القرار 2797 أن الشرعية لا تُصنع بخطابات أو قرارات رمادية، وأن التحرر الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن لا كرامة مع احتلال، ولا سيادة تُبنى على إنكار حق تقرير المصير.

الصحراء الغربية.. الشعب فوق كل الحسابات

المفكر والباحث الأستاذ حسين قنبر - مدير مركز دراسات الشرق للسلام – (لبنان)

يمثل فشل المسودة الأمريكية الأخيرة بشأن الصحراء الغربية انتصارا رمزيا للشرعية الدولية، ويؤكد تمسك الشعب الصحراوي بحق تقرير مصيره، مسلطا الضوء على هشاشة الادعاءات المغربية وإصرار المجتمع الدولي على احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.

لقد كانت المسودة في صيغتها الأولى تهدف إلى فرض خيار "الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية" كحل وحيد ونهائي، متجاوزة بذلك الأسس القانونية والقرارات الأممية التاريخية التي أكدت جميعها على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بحرية واستقلال.

المفكر والباحث الأستاذ حسين قنبر - مدير مركز دراسات الشرق للسلام – (لبنان)

إسقاط المسودة لا يشكل مجرد حدث إجرائي، بل انتصارا رمزيا وسياسيا للشرعية الدولية، ويعكس تمسك الشعب الصحراوي بحقه المشروع رغم محاولات الالتفاف المتكررة. أظهرت ردود الفعل الدولية وعيا متزايدا بخطورة تحويل مبدأ تقرير المصير إلى شعار شكلي، وبأن أي حل لا يقوم على احترام إرادة الشعوب لن يحقق استقرارا ولا سلاما دائمين في المنطقة.

سعت الولايات المتحدة عبر المسودة إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي في شمال إفريقيا بما يتماشى مع مصالحها الاقتصادية والعسكرية في الساحل والصحراء، وتكريس واقع يمنح المغرب غطاء قانونيا لاحتلاله المستمر. غير أن صلابة الموقف الجزائري، وتماسك الجبهة الإفريقية المؤيدة للشرعية الدولية، إلى جانب تحفظ قوى عالمية مثل روسيا والصين، أفشلت تلك المساعي وأعادت النقاش إلى جذوره القانونية والإنسانية.

القضية الصحراوية ليست نزاعا إقليميا بين دولتين، بل قضية تحرر وكرامة لشعب يسعى لإثبات وجوده السياسي والوطني ضمن إطار القانون الدولي. أي محاولة لاستبدال هذا الحق بمفاهيم غامضة مثل "الحكم الذاتي الموسع" تمثل التفافا على الشرعية الأممية وإحياء لأساليب استعمارية جديدة. حق تقرير المصير مبدأ كوني لا يسقط بالتقادم ولا يخضع للمساومات السياسية، ويظل أساسيا في أي حل عادل ودائم.

فشل المسودة يمثل بداية مرحلة جديدة من المفاوضات أكثر توازنا وإنصافا، إذ لم يعد بإمكان أي طرف الادعاء بامتلاك "الحل الوحيد"، بل صار ضروريا العودة إلى منطق الحوار الصادق تحت رعاية الأمم المتحدة. كما يوجه الحدث رسالة واضحة إلى القوى الكبرى مفادها أن مجلس الأمن لا يمكن أن يتحول إلى أداة لفرض الواقع، وأن زمن الإملاءات الدبلوماسية بدأ يتراجع أمام قوة الموقف القانوني والأخلاقي.

ما تحقق ليس انتصارا نهائيا، لكنه خطوة متقدمة على طريق العدالة، وانتصار للشرعية على منطق القوة، وللقانون الدولي على الحسابات الجيوسياسية. أصبحت القضية الصحراوية اختبارا حقيقيا لصدقية النظام الدولي وقدرته على حماية الشعوب الضعيفة من سطوة المصالح الكبرى، لأن التاريخ لا يرحم من يقف ضد إرادة الحرية، ولا يسامح من يحاول تجميل الاحتلال بعبارات دبلوماسية.

أمام استراتيجية الصحراويين..

ليلة انكشاف هشاشة الخطاب المغربي تتكشف

جمال زهران - أستاذ العلاقات الدولية - (مصر)

في ظل صدور قرار مجلس الأمن الأخير، قرأت جبهة البوليساريو الموقف الدولي بحذر ودبلوماسية، محافظة على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وموجهة رسالة مزدوجة للرباط والمجتمع الدولي حول هشاشة الادعاءات المغربية وخطورة التحركات الدبلوماسية غير المحسوبة.

في تصريح خصّ "الأيام نيوز"، قال الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية، إن بيان البوليساريو عقب صدور قرار مجلس الأمن الأخير جاء "حذرا، متحفظا، ودبلوماسيا في الوقت نفسه"، مشيرا إلى أن البيان يعكس "توازنا دقيقا بين الرفض المطلق للانحياز الأممي الواضح، وبين الحرص على إبقاء الباب مفتوحا أمام مسار التسوية السياسية الذي لم يغلق تماما رغم تراجعه".

جمال زهران - أستاذ العلاقات الدولية - (مصر)

ويشير زهران إلى أن البيان الأخير للبوليساريو يقدّم قراءة ذكية للمرحلة السياسية المعقدة، إذ فهمت الجبهة أن القرار لم يلبِّ الحد الأدنى من تطلعات الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وفي الوقت ذاته لم يمنح المغرب الشرعية التي حاول تسويقها دبلوماسيا عبر خطاب الانتصار. بحسب المحلل، "أدركت الجبهة أن خيوط اللعبة في مجلس الأمن لا تُدار بميزان القانون الدولي فحسب، بل بموازين النفوذ والاصطفافات الجديدة التي تعيد رسم خريطة المصالح في شمال إفريقيا والساحل".

ويتابع زهران أن التحفظ الدبلوماسي للبوليساريو ليس تراجعا، بل تكتيكا استراتيجيا يهدف إلى تفادي الوقوع في فخ التصعيد اللفظي الذي قد تستخدمه الرباط لتبرير خطوات ميدانية أو سياسية جديدة في الأقاليم المحتلة. كما يوضح أن القيادة الصحراوية "تزن كل كلمة لأنها تتحرك في فضاء دولي هش، حيث تتقاطع الحسابات الأمريكية - الفرنسية - الإسرائيلية، مع تردد واضح داخل الاتحاد الأوروبي تجاه الموقف من المغرب بعد سلسلة فضائح الفساد التي طالت برلمانيين أوروبيين".

أما بالنسبة لموقف الدول التي صوتت لصالح القرار أو امتنعت عن معارضته، فيشير زهران إلى أن بعضها "اختار الحياد الشكلي تحت ضغط الحسابات الثنائية مع واشنطن أو الرباط، بينما هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك بمحاولة تمرير صيغة توفيقية لا تزعج الكيان الصهيوني الذي بات حليفا غير معلن للمغرب في هذا الملف".

ويصف المحلل المحاولة المغربية لجرّ الصراع إلى دائرة التطبيع بأنها "خطر استراتيجي"، مضيفا أن الرباط تسعى لتحويل قضية تصفية الاستعمار إلى "ورقة استثمار إقليمي" ضمن صفقة أمنية مع إسرائيل والغرب، تهدف إلى تثبيت ما تسميه "الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية".

ويشدّد زهران على أن "التداخل بين المصالح الإسرائيلية والمغربية داخل أروقة الأمم المتحدة يثير الريبة"، ويكشف أن بعض الأصوات التي دعمت القرار فعلت ذلك ليس من منطلق قناعة بمضمونه، بل كمجاملة سياسية للرباط التي تقدّم نفسها كـ"حليف وظيفي في هندسة التطبيع الإقليمي".

ويعتبر المحلل أن الرد الصحراوي المتزن يحمل رسالة مزدوجة: أولا للمجتمع الدولي بأن الجبهة لا تزال ملتزمة بخيار الحل السياسي العادل وفق قرارات الشرعية الدولية، وثانيا للرباط بأن "السكوت لا يعني قبول الأمر الواقع"، بل هو انتظار اللحظة المناسبة لإعادة طرح القضية بزخم جديد في ظل تغير موازين القوى الدولية.

ويختم زهران تصريحه بالتأكيد على أن المعركة الحالية ليست ميدانية فقط، بل قانونية ودبلوماسية وإعلامية، وأن "الوعي بخطورة التلاعب بالألفاظ في نصوص مجلس الأمن" أصبح ضرورة ملحّة، لأن "كل كلمة تُسقط من قرار أو تُضاف إليه تعني حياة أو موت قضية بأكملها". ويقرأ زهران بيان البوليساريو كتحذير محسوب وردّ بليغ على خطاب النشوة المغربية الذي يحاول إخفاء مأزق دبلوماسي يتفاقم يوما بعد يوم.

المينورسو تتجدّد..

حق تقرير المصير يفرض نفسه رغم كل المحاولات

الدكتور رسلان إبراهيم - باحث مختص في الشؤون الأمريكية (مصر – أمريكا)

يشكّل قرار مجلس الأمن الأخير حول تجديد ولاية بعثة المينورسو محطة مفصلية في مسار الصراع حول الصحراء الغربية، إذ يكشف التوازنات الدقيقة داخل الأمم المتحدة ويؤكد أن القانون الدولي وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره لا يمكن تجاوزه، رغم محاولات بعض الأطراف تسييس القضية وتسويقها دبلوماسيا.

يقول الدكتور رسلان إبراهيم المصري، أستاذ العلاقات الدولية والمحلل السياسي، في تصريح خاص لـ"الأيام نيوز"، إن قرار مجلس الأمن الأخير بشأن تجديد ولاية بعثة المينورسو لم يكن مجرّد إجراء تقني كما حاولت بعض الأطراف تصويره، بل شكل محطة سياسية مفصلية في مسار الصراع حول الصحراء الغربية. القرار كشف حدود التأثير المغربي داخل أروقة الأمم المتحدة وأبرز قدرة الجبهة الصحراوية على فرض حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.

الدكتور رسلان إبراهيم - باحث مختص في الشؤون الأمريكية (مصر – أمريكا)

يشير المصري إلى أن القرار، رغم لغته الدبلوماسية المتحفظة، حمل إشارات دقيقة حول استمرار مسؤولية الأمم المتحدة في تطبيق مبدأ تقرير المصير، وهو المبدأ الذي حاول المغرب تهميشه لسنوات عبر خطاب "الحكم الذاتي الموسّع". ويؤكد أن السكوت عن ذكر الاستفتاء لا يعني إسقاطه من أجندة المنظمة، بل يعكس التوازنات الدقيقة داخل مجلس الأمن، حيث تتداخل مصالح الولايات المتحدة وفرنسا مع مواقف أكثر اتزانا من روسيا والجزائر ودول أمريكا اللاتينية.

ويصف المصري البيان الذي أصدرته جبهة البوليساريو عقب القرار بأنه "ذكي ودقيق"، فقد وظف لغة دبلوماسية تجمع بين التحفظ والغضب المكبوت. في المقابل، بالغت الرباط في الاحتفاء بالقرار باعتباره "انتصارا دبلوماسيا"، متجاهلة أن النص ذاته جدّد التأكيد على "ضرورة التوصل إلى حل سياسي يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية"، وهي عبارة - كما يوضح المحلل - "تحمل في طيّاتها معنى الاستقلال أكثر مما توحي به من غموض".

ويعتبر المصري أن قرار التمديد لبعثة المينورسو دون تعديل في تفويضها السياسي يشير إلى أن مجلس الأمن لم يتبنّ الرؤية المغربية كما حاولت بعض الدوائر الإعلامية الترويج له. فالقرار لم يمنح المغرب أي تفويض إضافي، ولم يشير إلى شرعية تواجده العسكري في الأقاليم المحتلة، بل أبقى الوضع على حاله في انتظار حل تفاوضي شامل. ويصف هذا الواقع بأنه "أقرب إلى التجميد منه إلى الاعتراف، وأقرب إلى الإنذار منه إلى المكافأة".

وعن الموقف الأمريكي، يشير المصري إلى أنه رغم ليونة واشنطن الظاهرية تجاه الرباط، إلا أنها لم تتبنّ صراحة مشروع الحكم الذاتي. ويقول: "صحيح أن واشنطن لم تتراجع رسميا عن الاعتراف، لكنها في الواقع جمدته دبلوماسيا، والدليل أنها سمحت بمرور قرار متوازن لمصلحة استمرار العملية السياسية دون أي انحياز واضح".

يختتم المصري بالقول إن قرار مجلس الأمن الأخير يكرّس شرعية القانون الدولي على حساب الانتقائية السياسية، ويعيد الصحراء الغربية إلى صلب النقاش الأممي كقضية تصفية استعمار. ويضيف: "من راهن على أن يكون القرار تتويجا للمسار المغربي، وجد نفسه أمام نصّ رمادي يذكّره بأن الأمم المتحدة لا تمنح صكوك الملكية، بل تحاكم التاريخ بالشرعية، والشرعية هنا لا تزال إلى جانب الشعب الصحراوي وحقه في تقرير مصيره".

أمام محاولات الإقصاء والتهميش..البوليساريو تكسب المعركة السياسية

جمال مارس - باحث ومحلل سياسي - تونس

القرار الأخير لمجلس الأمن حول تجديد ولاية المينورسو شكّل نقطة تحوّل في الصراع الصحراوي، كاشفا التباين بين الخطاب المغربي الانتصاري والواقع الدولي، ومؤكدا حضور جبهة البوليساريو كطرف رئيسي، فيما أعاد المشهد المغاربي ترتيب موازين القوى السياسية والدبلوماسية في المنطقة.

في تصريح خاص لـ"الأيام نيوز"، يرى الأستاذ جمال مارس، الخبير في الشؤون المغاربية، أن القرار الأخير لمجلس الأمن بشأن تجديد ولاية المينورسو لم يمرّ كأي قرار اعتيادي، بل شكّل نقطة تحوّل مهمة في بنية العلاقات الإقليمية داخل المغرب العربي، لأنه كشف حجم التباين بين خطاب الرباط الانتصاري وبين الواقع الدبلوماسي الماثل أمام الأمم المتحدة.

جمال مارس - باحث ومحلل سياسي - تونس

ويشير مارس إلى أن الرباط حاولت تقديم القرار على أنه "دعم دولي جديد لخيار الحكم الذاتي"، بينما قرأته العواصم المغاربية، وعلى رأسها الجزائر وتونس وموريتانيا، كتأكيد على أن الأمم المتحدة لم تحسم بعد لصالح أي طرف، وأن مبدأ تقرير المصير لا يزال حاضرا كإطار مرجعي. في هذا السياق، يؤكد مارس أن المشهد الأممي أثبت أن الشرعية الدولية لا يمكن تسييسها أو اختزالها في بيانات إعلامية، بل تتطلب انسجاما حقيقيا مع ميثاق الأمم المتحدة وقراراته السابقة.

ويعتبر مارس أن المقاربة المغربية في التعامل مع القرار انطوت على استثمار سياسي وإعلامي أكثر من كونها قراءة قانونية دقيقة. فالمغرب، بحسب تحليله، يعيش حالة "نشوة دبلوماسية مصطنعة" تهدف إلى إيحاء الرأي العام الداخلي بأن الرباط نجحت في تثبيت أطروحتها داخل مجلس الأمن، بينما في الواقع، لم يتم إدراج أي بند يمنح اعترافا فعليا بالسيادة على الصحراء. يوضح مارس: "لقد نسي المخزن أن الشرعية الدولية لا تُصاغ بالبيانات، بل تُقاس بمدى انسجام القرار مع ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما لم يتحقق في الحالة المغربية".

ويشير مارس إلى أن موقف الجزائر كان محوريا، إذ أرسلت من خلال عدم التصويت على القرار إشارة دبلوماسية عميقة مفادها أن "الحياد الجزائري ليس حيادا سلبيا، بل موقف مبدئي نابع من رفض نصوص لا تكرّس حق تقرير المصير بشكل صريح". ويصف مارس هذا الموقف بأنه رسالة واضحة للمجتمع الدولي تفيد بأن الجزائر لن تكون شاهدا صامتا على تحريف المسار الأممي، بل حارسا على شرعيته، وهو ما أعاد إحياء دورها الأخلاقي والسياسي في المنطقة.

ويضيف مارس أن القرار الأخير يضع الاتحاد الإفريقي أمام مسؤولية تاريخية لإعادة تفعيل دوره في هذا الملف بعد أن همّشته الضغوط الغربية. ويؤكد أن عودة النقاش إلى منصة الأمم المتحدة لا تعني تغييب البعد الإفريقي، لأن الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار واضحة. ويقول: "إفريقيا التي حرّرت شعوبها من الاستعمار لا يمكنها أن تصمت على استعمار جديد بواجهة اقتصادية ودبلوماسية".

ويشير مارس أيضا إلى أن الخطاب المغربي بعد القرار حاول ربط القضية بالمسار التطبيعي مع الكيان الصهيوني لكسب دعم ضمني داخل مجلس الأمن، إلا أن هذه الاستراتيجية أساءت إلى صورة الرباط، إذ بدا وكأنها تساوم على القضية الفلسطينية مقابل دعمها في ملف الصحراء. ويوضح مارس: "لقد حاول المغرب أن يربط شرعية وجوده في الصحراء بشرعية التطبيع، وهي معادلة خطيرة ومرفوضة في الوعي العربي والإفريقي".

ويختم مارس تصريحه بالتأكيد على أن القرار الأممي الأخير لم يكن في صالح الرباط كما حاولت الترويج، بل كان انتصارا للغة التوازن والحذر التي اعتمدها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه دي ميستورا، واللذان رفضا الانحياز لأي حل مفروض من طرف واحد. ويضيف أن الربح الحقيقي يعود إلى جبهة البوليساريو التي استطاعت فرض نفسها كطرف رئيسي على طاولة مجلس الأمن، رغم محاولات الإقصاء والتهميش.

وبذلك، يشهد المشهد المغاربي بعد القرار تحولات واضحة: الجزائر تستعيد زمام المبادرة الأخلاقية والسياسية، تونس تلتزم بالشرعية الدولية، موريتانيا تراقب بحذر، بينما الرباط تتخبط بين خطاب النصر المزعوم وواقع دبلوماسي لا يمنحها أكثر من "هدنة مؤقتة".

وماذا بعد؟.. ضربة ناعمة على قفا رباط

الأستاذ جاستين روسيل - باحث في شؤون الأمن الدولي - (أمريكا)

يعكس قرار مجلس الأمن الأخير بشأن تجديد ولاية المينورسو في الصحراء الغربية توازنات دولية دقيقة، حيث كشف محدودية النفوذ المغربي وأعاد التأكيد على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، بينما تجنّبت القوى الغربية مواجهة جوهر الأزمة، وفق تحليل الباحث الأمريكي جاستين روسيل.

في حديث حصري لـ"الأيام نيوز"، يرى الباحث الأمريكي في شؤون الأمن الدولي، جاستين روسيل، أن قرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بتجديد ولاية بعثة المينورسو في الصحراء الغربية يمثل انعكاسا لـ"حالة التردد التاريخي" التي تسيطر على موقف القوى الغربية من قضايا تصفية الاستعمار، خصوصا حين تتقاطع مع مصالحها الاقتصادية والعسكرية.

الباحث الأمريكي في شؤون الأمن الدولي، جاستين روسيل

فبينما كرّرت ديباجة القرار دعم الأمم المتحدة لجهود المبعوث الشخصي، ستافان دي ميستورا، فقد ابتعد عن معالجة جوهر الأزمة، أي حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفق المواثيق الدولية، وهو ما يراه روسيل إشارة إلى حدود الجرأة الغربية أمام الرباط والجزائر على حدّ سواء.

ويصف روسيل الموقف الأمريكي داخل مجلس الأمن بأنه مزيج من الحذر والبراغماتية، مضيفا أن واشنطن، التي لا تزال تحتفظ باعتراف إدارة ترامب بـ"السيادة المغربية" على الصحراء، اختارت عدم ترجمته إلى سياسة رسمية مكتوبة داخل المجلس. ويبين: "لقد تركت الولايات المتحدة الباب مواربا، بحيث لا تغضب الرباط ولا تصطدم بالجزائر، وهي سياسة تشبه اللعب على الحبلين". ويؤكد أن هذا الموقف المزدوج أنتج وثيقة رمادية، تعبّر عن تسوية وقتية بين الضغوط الإقليمية واللوبيات الغربية، لا عن إجماع حقيقي.

ويشير الخبير الأمريكي إلى أن الخطاب الفرنسي لم يختلف كثيرا عن نظيره الأمريكي، وإن بدا أكثر ميلا لمجاملة المغرب. فباريس، التي تعاني من عزلة متزايدة في الساحل الإفريقي بعد انسحابها من مالي والنيجر، تحتاج إلى الرباط كشريك رمزي في شمال إفريقيا، لكنها تدرك أن الرهان على الحكم الذاتي لن يغيّر الواقع القانوني للصحراء الغربية. ويقول روسيل: "فرنسا فضّلت تمرير القرار دون تصعيد، مكتفية بدعم ضمني لتمديد ولاية المينورسو، مع الحفاظ على صيغ دبلوماسية تسمح لها بالمناورة لاحقا إذا تغيّرت موازين القوى".

ويضيف أن التحول اللافت جاء من أصوات داخل الأروقة الغربية نفسها، إذ بدأت أطر أكاديمية ومنظمات حقوقية تضغط باتجاه مراجعة المقاربة الغربية. ويستشهد روسيل بواقع البرلمانات الأوروبية التي لم تعد تتبنى الخطاب المغربي كما في السابق، بعد فضائح تورّط فيها مسؤولون مغاربة ضمن البرلمان الأوروبي. ويشرح: "الفضيحة أضرت بصورة المغرب وأحرجت شركاءه الغربيين، الذين صاروا أكثر حذرا في الدفاع عنه علنا".

ويكشف روسيل أن القرار الأخير أعاد التأكيد على حدود النفوذ المغربي داخل الأمم المتحدة، رغم الدعم الإعلامي والتحالفات المعلنة. لم يتمكن المغرب من إدراج أي بند يشرّع وجوده العسكري أو الاقتصادي في الصحراء، ولم يحصل على أي تفويض يسمح له بالتصرف كقوة سيادية. في المقابل، كرّس القرار ضرورة التوصل إلى "حل سياسي واقعي ومستدام يقوم على التفاوض بين الطرفين"، وهو توصيف قانوني يضع الجانبين على قدم المساواة ويعيد طرح القضية ضمن الإطار الأممي الصحيح.

ويشير الباحث إلى أن التقارب المغربي مع الكيان الصهيوني أثّر سلبيا على النقاش داخل المجلس، إذ رأت بعض الدول غير دائمة العضوية في هذا التقارب "استثمارا سياسيا مشبوها" يبعد عن جوهر حل الصراع. ويشرح روسيل: "المغرب صار في نظر عدد من الدبلوماسيين لاعبا يبحث عن حماية إسرائيلية أكثر من شرعية دولية، وهو ما أضعف موقفه أمام مجلس الأمن".

ويخلص روسيل إلى أن القرار الأممي الأخير شكّل ضربة ناعمة للرباط، وانتصارا صامتا لجبهة البوليساريو، إذ لم يحقق المغرب أي مكاسب حقيقية، بينما نجحت الجبهة الصحراوية في إعادة إحياء خطاب تقرير المصير داخل الأمم المتحدة. ويختم بالقول: "الغرب اليوم لم يعد يملك ترف التجاهل، لأن الصحراء الغربية أصبحت مرآة تكشف ازدواجية خطابه بين ما يدّعيه من دعم للديمقراطية وحقوق الشعوب، وما يمارسه من انتقائية عندما تتعارض تلك المبادئ مع مصالحه".

الصبر والشرعية مقابل المال والأسلحة..

البوليساريو تحقق التفوق على المدى الطويل

علي روينة - خبير عسكري متقاعد - (الجزائر)

يشكل قرار مجلس الأمن الأخير بشأن تجديد ولاية بعثة المينورسو في الصحراء الغربية محطة حاسمة تعكس توازنات القوى الإقليمية والدولية في المحيط المغاربي والساحل الإفريقي. في هذا السياق، يرى اللواء المتقاعد علي روينة، الخبير العسكري الجزائري، أن القضية الصحراوية تجاوزت البعد السياسي لتصبح مسألة أمن إقليمي ترتبط بالجغرافيا والشرعية والمواجهة العسكرية، مؤكدا أن القرار الأممي الأخير أعاد رسم موازين القوى، وكشف هشاشة الرؤية المغربية، بينما منح جبهة البوليساريو زخما سياسيا وميدانيا يعيد الاعتبار لمبادئ تقرير المصير والشرعية الدولية.

في تحليل خاص لـ"الأيام نيوز"، يعتبر اللواء المتقاعد علي روينة، الخبير العسكري الجزائري، أن قرار مجلس الأمن الأخير بشأن تجديد ولاية بعثة المينورسو في الصحراء الغربية لا يمكن قراءته بمعزل عن المعطيات الأمنية التي تحكم المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي.

علي روينة - خبير عسكري متقاعد - (الجزائر)

ويشير إلى أن القضية الصحراوية "لم تعد ملفا سياسيا فحسب، بل تحوّلت إلى مسألة أمن إقليمي تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا والشرعية "، مضيفا أن القرار الأممي الأخير كشف هشاشة الرؤية المغربية المبنية على فرض الأمر الواقع، إذ لم يمنح مجلس الأمن الرباط أي غطاء قانونيا لتصرفاتها الميدانية في الأراضي المحتلة.

ويبرز اللواء علي روينة أن جبهة البوليساريو نجحت خلال السنوات الأخيرة في استعادة زمام المبادرة على المستوى الميداني والسياسي، رغم الحصار الإعلامي والدبلوماسي المفروض عليها. "الجيش الصحراوي اليوم لم يعد ذلك الكيان الرمزي كما يحاول الإعلام المغربي تصويره، بل قوة منظمة تملك القدرة على تنفيذ عمليات دقيقة ضد المواقع العسكرية المغربية الممتدة على طول الجدار الرملي"، مشددا على أن تقرير الأمين العام الأخير للأمم المتحدة أقرّ ضمنيا بعودة التوتر المسلح منذ خرق المغرب لوقف إطلاق النار في الكركرات سنة 2020. ويضيف أن هذا الواقع يعكس قدرة البوليساريو على تحويل التحديات إلى مكاسب تكتيكية واستراتيجية، بما يعيد توازن القوى إلى مساره الطبيعي.

ويشير الخبير إلى أن القرار الأممي تجاهل عمدا الإشارة المباشرة إلى مسؤولية المغرب عن خرق وقف إطلاق النار، وهو ما يعكس الضغوط الغربية على صياغة النص. ومع ذلك، لا يعني السكوت تجاوز الحقائق، إذ أن تقارير البعثة الميدانية وثّقت الانتهاكات بشكل واضح، ما يجعل الرباط في موقف دفاعي أمام القانون الدولي. ويؤكد علي روينة أن "المغرب يدرك أن أي تصعيد عسكري واسع سيضعه في مواجهة مسؤولية مباشرة أمام مجلس الأمن، وهو ما يفسّر محاولته الترويج للقرار كغطاء للتهدئة، في حين أنه عمليا تقييد جديد لحركته الميدانية".

ويركز الخبير الجزائري على قراءة الجزائر للقرار من منظور الأمن الجماعي للمنطقة، معتبرا أن استمرار الاحتلال المغربي يشكل "بؤرة توتر دائمة قد تهدد التوازنات في الساحل والصحراء". ويضيف: "عندما يُسمح بتمديد ولاية بعثة المينورسو دون صلاحيات مراقبة حقوق الإنسان، فهذا يعني ترك فراغ أمني وإنساني يمكن أن تستغله قوى أجنبية أو جماعات مسلحة". ويشير إلى أن الجزائر تتعامل مع القضية الصحراوية باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمنها القومي وعن مبدأ رفض شرعنة الاحتلال بأي شكل كان.

ويصف اللواء علي روينة التقارب المغربي مع الكيان الصهيوني بأنه أضاف بعدا أمنيا خطيرا للصراع، لأن إدخال التكنولوجيا الإسرائيلية إلى المنطقة، بما فيها الطائرات المسيّرة ومنظومات المراقبة، يعني عسكرة الصراع وتدويله. ويضيف أن هذا التقارب "قد يمنح المغرب تفوقا تكتيكيا مؤقتا، لكنه يفقده التعاطف الإقليمي ويكشفه كأداة ضمن محور يخالف روح التضامن الإفريقي والعربي". ويؤكد أن هذا العامل أضر بشكل كبير بالشرعية المغربية في المحافل الدولية.

أما بالنسبة لتوازن القوى، فيرى علي روينة أن الكفة تميل تدريجيا لصالح الجبهة الصحراوية، ليس فقط من حيث القوة العسكرية، بل من حيث المشروعية السياسية والدعم الشعبي المتنامي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. ويشرح: "المغرب يملك طائرات وأموالا، لكن البوليساريو تملك شرعية المقاومة، وهذه الشرعية لا تُشترى"، مشيرا إلى أن هذا العامل يعطي الجبهة اليد العليا على المدى الطويل.

ويختم اللواء المتقاعد تصريحاته بالتأكيد على أن القرار الأممي الأخير لم يمنح الرباط أي تفويض أمني أو شرعية عسكرية، بل أكد استمرار مسؤولية الأمم المتحدة في مراقبة الوضع وفتح المجال أمام العودة إلى المفاوضات. ويختتم بالقول: "القرار لم يكن لصالح المغرب، بل لصالح من يملك الصبر والإيمان بعدالة قضيته"، موضحا أن "الجيش الصحراوي لا يقاتل من أجل الحدود، بل من أجل الوجود، ومن يقاتل من أجل الوجود لا يُهزم". ويضيف أن هذه المعادلة الجديدة تعكس تحول المشهد المغاربي نحو إعادة الاعتبار للشرعية السياسية والأمنية في الصحراء الغربية، مع إبراز دور الجزائر كحارس للتوازن الإقليمي وأمنه الجماعي.

المعركة الدبلوماسية مستمرة.. الصحراء الغربية تتحدى المال والضغط السياسي

حدة حزام  - إعلامية مديرة مؤسسة الفجر الإعلامية  – (الجزائر)

يشير القرار الأخير لمجلس الأمن حول المينورسو إلى تحول دبلوماسي مهم في الأمم المتحدة، إذ أعاد النقاش إلى مساره القانوني، وكشف محاولات بعض الأطراف احتكار المسار السياسي، مؤكدا دور الجزائر والبوليساريو في استعادة التوازن وتعزيز شرعية حق تقرير المصير.

تعتبر الصحفية الجزائرية حدة حزام، مديرة مؤسسة "الفجر"، أن القرار الأخير لمجلس الأمن حول تجديد ولاية بعثة المينورسو في الصحراء الغربية يشكل مؤشرا واضحا لبداية تحوّل دبلوماسي مهم داخل أروقة الأمم المتحدة، بعد سنوات من الانحياز المبطّن للموقف المغربي. وفي تصريح خاص لـ"الأيام نيوز"، توضّح حزام أن هذا التحوّل لا يقتصر على مجرد تمديد ولاية البعثة، بل يكمن جوهره في إعادة ضبط لغة النقاش الأممي التي كانت تهيمن عليها الصياغات الغامضة التي تصرّ عليها الرباط تحت شعار "الحكم الذاتي". وتشير إلى أن "ما حدث في جلسة التصويت الأخيرة لم يكن تفصيلا إجرائيا، بل تصحيحا لمسار أممي ظل لوقت طويل رهينة للضغوط الفرنسية والأمريكية".

حدة حزام  - إعلامية مديرة مؤسسة الفجر الإعلامية  – (الجزائر)

وتوضح الصحفية أن التعديل في القرار الأخير استهدف بشكل خاص النص الأمريكي الأولي، الذي كان يتضمن إشارات صريحة إلى الحكم الذاتي باعتباره "الخيار الواقعي الوحيد". هذا الاقتراح واجه معارضة قوية من ممثلي عدة دول، من بينها الجزائر وروسيا وموزمبيق وغويانا، الذين اعتبروا هذه الصياغة انحرافا عن المرجعية القانونية التي تربط الحل بمبدأ تقرير المصير. وتقول حزام: "إن سحب تلك العبارات من النسخة النهائية لم يكن عملا شكليا، بل إعلانا صريحا عن نهاية مرحلة التوجيه الأمريكي الأُحادي لمسار النقاش".

وتضيف أن الموقف الأمريكي، رغم ما يزال مترددا، يعكس وعيا متزايدا لدى واشنطن بأهمية الحياد في هذا الصراع المعقّد، إذ تدرك الإدارة أن أي انحياز صارخ للطرح المغربي يهدد مصداقيتها أمام المجتمع الدولي، خصوصا في ظل تزايد الوعي داخل الأمم المتحدة بأن "الحكم الذاتي" ليس حلا سياسيا، بل محاولة لشرعنة احتلال. وتتابع حزام: "الولايات المتحدة لم تتراجع حبّا في الصحراويين، لكنها تراجعت لأن انحيازها لم يعد قابلا للتسويق في منظومة تتغيّر موازينها الجيوسياسية كل يوم".

وترى الصحفية أن تعديل القرار شكّل فرصة لمبعوث الأمين العام، ستافان دي ميستورا، لإعادة النقاش إلى مساره الأصلي، أي معالجة المسألة ضمن عملية سياسية مفتوحة تشمل جميع الخيارات، بما فيها خيار الاستفتاء وتقرير المصير. وتعلّق حزام: "دي ميستورا، بعيدا عن محاولات حصر النقاش في خيار واحد، يسعى إلى كسر الاحتكار المغربي للمسار السياسي، وهذا ما أثار حفيظة الرباط التي قرأت التحوّل كإشارة إلى فقدان الثقة فيها كطرف موثوق".

وتشير حدة حزام إلى أن بيان جبهة البوليساريو جاء متحفظا ودبلوماسيا، إذ قرأت القيادة الصحراوية القرار بواقعية سياسية، معتبرة أن التقدم، وإن كان محدودا، "يفتح الباب أمام عودة النقاش الأممي إلى أساسه القانوني"، بينما المعركة الحقيقية لا تزال في موازين القوى داخل مجلس الأمن نفسه.

وتضيف أن الجزائر نجحت في فرض لغة متوازنة ضمن القرار، معيدة الاعتبار لمبدأ تصفية الاستعمار، مشددة على أن موقفها لم يكن ضد التوافق، بل ضد اختزاله في خضوع للضغوط. وتختم الصحفية بالقول إن المعركة لم تنته بعد، حيث من المتوقع أن يحاول المغرب إعادة تدوير خطاب الحكم الذاتي بدعم "فرنسي وإسرائيلي"، لكنها ترى أن التغيير في لغة الأمم المتحدة يجعل تلك المرحلة جزءا من الماضي. وتختتم بالتحذير: "من يظن أن الصحراء الغربية ستُباع في بازار السياسة مخطئ، فالتاريخ لا يُكتب بالمال، بل بحق الشعوب في أن تكون".

التحالف المغربي الإسرائيلي يضع الرباط في مواجهة عزلة عربية وإفريقية

حامد محمود - مدير وحدة إيران والخليج بمركز العرب للدراسات الاستراتيجية – (مصر)

يشير الدكتور حامد محمد، مدير وحدة إيران والخليج في مركز العرب للدراسات الاستراتيجية، في تصريح خاص لـ"الأيام نيوز"، إلى أن القرار الأخير لمجلس الأمن حول تجديد ولاية بعثة المينورسو يتصل مباشرة بالتحولات الكبرى في الإقليم، خاصة مع تصاعد التنافس على النفوذ بين القوى المتوسطة في المنطقة العربية.

حامد محمود - مدير وحدة إيران والخليج بمركز العرب للدراسات الاستراتيجية – (مصر)

ويصف القرار بأنه يمثل "إعادة تموضع دقيقة" للموقف الدولي من الصراع في الصحراء الغربية، إذ لم يعد القرار الأممي رهينا بالطرح المغربي وحده، بل صار يعالج القضية ضمن منظور أوسع يدمج الأمن الإقليمي والشرعية الدولية، ويبرز حامد محمد أن الولايات المتحدة، رغم دورها في صياغة النص الأولي، اضطرت لقبول تعديلات جوهرية تحت ضغط دولي متزايد.

ويشير إلى أن ذلك يعكس إدراكا متناميا داخل مجلس الأمن بأن استمرار الانحياز للمغرب يقلل من مصداقية الأمم المتحدة في ملفات أخرى حساسة مثل فلسطين وأوكرانيا. ويضيف أن "القرار لا يحقق ما أرادته الرباط من حصر للحل في الحكم الذاتي، بل أعاد التذكير ضمنيا بأن تقرير المصير ما يزال الإطار القانوني الوحيد الذي يحكم القضية الصحراوية".

ويعتبر المحلل أن المغرب فقد في هذا القرار معركة الرمزية السياسية، فبينما حاول تصوير القرار كنصر دبلوماسي، أظهرت القراءة الموضوعية أنه لم يتم تبني أطروحته، بل اقتصر القرار على تمديد ولاية البعثة دون أي تعديل في تفويضها. ويقول حامد محمد: "الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الوضع في الصحراء الغربية إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي ينتظر تقرير مصيره".

ويؤكد أن التحالف المغربي مع الكيان الصهيوني أثّر سلبا على صورة الرباط في الفضاء العربي والإفريقي، وظهرتها كأداة ضمن محور يتناقض مع مبادئ تصفية الاستعمار. ويشير إلى أن "الرباط راهنت على الدعم الإسرائيلي لكسب النفوذ في واشنطن، لكنها لم تدرك أن الكلفة السياسية لهذا التحالف باهظة على المدى الطويل". ويرى حامد محمد أن الجزائر نجحت في تحويل القضية إلى ملف دولي يتجاوز الثنائية التقليدية بين الجارين، موضحا أن "الصراع لم يعد حدوديا، بل أصبح مسألة تتعلق بالشرعية الدولية نفسها".

ويختم المحلل بالإشارة إلى التحديات المستقبلية أمام المغرب، إذ يواجه الآن خيارا صعبا: إما الانخراط في مسار تفاوضي شامل يشمل جميع الخيارات، أو مواجهة عزلة سياسية متزايدة داخل إفريقيا والعالم العربي. ويختتم حامد محمد بالقول: "الشرعية لا تُشترى، والسيادة لا تُفرض بالقوة، والتاريخ لن يرحم من يقف ضد إرادة الشعوب"، في تأكيد واضح على عدالة القضية الصحراوية.

معاناة الصحراويين بين المنفى والاحتلال..

الصحراء الغربية تتحول إلى قضية حقوقية دولية

محلل سياسي صحراوي   لحبيب الحافظ صالح

يرى  المحلل الصحراوي لحبيب الحافظ الصالح أن القرار الأممي الأخير حول الصحراء الغربية كشف عن تناقض صارخ بين الخطاب الأممي وممارساته الميدانية، خصوصا فيما يتعلق بحقوق الإنسان في الإقليم. وفي حديث لـ"الأيام نيوز"، يشير إلى أن "من غير المعقول أن تمدد الأمم المتحدة ولاية بعثة المينورسو للسنة الثانية والعشرين دون أن تمنحها صلاحية مراقبة الانتهاكات، بينما تتحدث في قراراتها الأخرى عن مبادئ الشفافية والمساءلة".

ويُبرز لحبيب  أن تجاهل الانتهاكات المتكررة يجعل مجلس الأمن شريكا ضمنيا في استمرار الوضع غير القانوني، موضحا أن "تجاهل ملف حقوق الإنسان في القرار الأخير يعكس ضغوطا فرنسية واضحة، إذ تسعى باريس إلى حماية حليفها المغربي من أي مساءلة دولية". لكنه يشير إلى أن تزايد الأصوات داخل المجلس الداعية لتوسيع صلاحيات المينورسو، لا سيما من دول إفريقية وأمريكية لاتينية، يعكس بداية تحول تدريجي في الموقف الدولي تجاه القضية، إذ ترى هذه الدول أن استمرار الاحتلال يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

ويعتبر لحبيب أن القضية الصحراوية لم تعد مجرد مسألة سياسية، بل أصبحت قضية حقوقية بالدرجة الأولى، معيشة يوميا من الشعب الصحراوي الذي يعيش بين منفى ولجوء واحتلال مستمر. ويشير إلى القيود التي تفرضها الرباط على حرية التعبير والتنقل في المدن المحتلة، مضيفا: "إننا أمام واحدة من أطول حالات الحرمان الجماعي من الحق في تقرير المصير". ويرى أن استمرار السكوت الدولي غير مقبول، لأن القوانين لا تسقط بالتقادم، وأن الوقت لم يعد في صالح المعتدي.

ويُعطي لحبيب بعدا إنسانيا لموقف الجزائر، مشيرا إلى أن موقفها المتوازن يعيد الاعتبار لفكرة التضامن الدولي كقيمة تتجاوز المصالح السياسية الضيقة. ويقول: "إن من يناصر الشعوب المقهورة لا يدافع فقط عن حدود دولته، بل عن كرامة الإنسان نفسه".

ويختم المحلل الصحراوي بأن القرار الأممي، رغم تحفظاته، يحمل بذور التغيير، إذ تركت صياغته الجديدة المجال مفتوحا أمام إدخال عناصر رقابية مستقبلية على الوضع الحقوقي. ويضيف: "حين تعترف الأمم المتحدة بأن الوضع في الصحراء الغربية ما يزال غير محسوم، فهي تعترف ضمنا بأن الاحتلال لا يملك شرعية دائمة، وأن القانون الدولي سيظل المرجع الأعلى مهما طال الزمن".

سقوط أخلاقي جديد للنظام الدولي..

الصحراء الغربية تواجه نفس المصير الفلسطيني

يوبا الغديوي - رئيس الحزب الوطني الريفي – (بلجيكا)

في تصريح خصّ به "الأيام نيوز"، وصف يوبا غديري، رئيس حزب الريف، تمرير المسودة الأمريكية داخل مجلس الأمن، والتي تدعم الاحتلال المغربي للصحراء الغربية، بأنه "يمثّل سقوطا أخلاقيا جديدا للنظام الدولي، وانتصارا فاضحا للمنطق الاستعماري على حساب مبادئ العدالة وحقوق الشعوب".

يوبا الغديوي - رئيس الحزب الوطني الريفي – (بلجيكا)

وأوضح يوبا أن المسودة، التي اجتازت التصويت بأغلبية الأصوات رغم المعارضة الواضحة من دول حرة ومستقلة، وفي مقدمتها الجزائر، "تعكس اختلال ميزان الشرعية داخل الأمم المتحدة، وتكشف بوضوح أن واشنطن وباريس لا تتحركان وفق مبادئ القانون الدولي، بل وفق أجندة استعمارية قديمة تتجدد بواجهات حديثة".

وأشار الغديوي إلى أن الولايات المتحدة، التي "بُنيت على إبادة السكان الأصليين، لم تكن يوما نصيرة لحق تقرير المصير، بل نصيرة للقوة والهيمنة"، فيما فرنسا، "التي صنعت الكيان المغربي الاستعماري في القرن الماضي، ما زالت تمسك بخيوط نظامه السياسي والاقتصادي، وتستخدمه كأداة نفوذ لإدامة حضورها في شمال إفريقيا والساحل". واعتبر أن التحالف الأمريكي - الفرنسي لا يتعامل مع المغرب كدولة ذات سيادة، بل كنظام وظيفي مطيع يضمن استمرار نهب الثروات واستغلال الشعوب. ولفت إلى أن "كل دعم يُمنح للمخزن ليس سوى استثمار في نظام فاسد فاقد للشرعية، يعيش على ريع الجغرافيا وخدمة أجندات الخارج".

وأكد رئيس حزب الريف أن القرار الأخير "لن يُغيّر من طبيعة الصراع شيئا"، لأن "الكلمة الأخيرة تبقى للشعب الصحراوي وممثله الشرعي والوحيد، جبهة البوليساريو، التي عبّرت عن رفضها القاطع لأي تسوية تنتقص من حق تقرير المصير". وأوضح أن هذا الحق "لا يمكن اختزاله في مقترحات هشة كالحكم الذاتي أو الحلول المفروضة من الخارج"، داعيا الشعب الصحراوي إلى عدم الرهان على عدالة مجلس الأمن، قائلا: "الشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها لا تُهزم، حتى لو تكالبت عليها الإمبراطوريات".

واستعرض الغديوي أوجه التشابه بين القضية الصحراوية وقضية فلسطين، مؤكدا أنها "قضية تحرّر وكرامة وعدالة"، وأن انتصار الشعوب لا يتحقق بالقرارات بل بالصمود والإصرار، مضيفا: "المعركة اليوم هي معركة وعي وذاكرة، لأن الاستعمار الحديث لا يلبس الخوذة بل يختبئ وراء شعارات التنمية والاستقرار". وأشار إلى أن مجلس الأمن فقد الكثير من مصداقيته بعدما حوّل مبدأ تقرير المصير إلى مادة تفاوضية بين القوى الكبرى، بينما ظل الشعب الصحراوي "الخاسر الوحيد في معادلة تُدار من نيويورك وتُكتب بمداد المصالح النفطية والعسكرية".

واختتم غديري تصريحاته بالتأكيد على أن التاريخ، مهما طال، "سيعيد الأمور إلى نصابها"، مستشهدا بإرادة الشعوب التي "لا تُقهر مهما تجمّلت قرارات الاستعمار الحديث بعبارات القانون الدولي"، مضيفا أن "الاحتلال لا يُصبح شرعيا بتوقيع الدول الكبرى، بل يسقط عندما تنهض الشعوب من تحت الركام لتقول كلمتها".