الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

غزّة تُدوّن أوجاعَها من تحت الدّمار.. “نكتب كي لا نُمحى”

Author
وحيد سيف الدين 19 مايو 2025
X Facebook TikTok Instagram

الكتابة بالنسبة للإنسان الفلسطيني ليست مجرّد ترفٍ وترفيهٍ أو تهويمٍ في سماوات المعاني لاقتناص نجمات الجمال! إنّها حاسّة أخرى تجتمع فيها الحواسّ الخمس: البصر والسّمع والشمّ واللّمس والتذوّق، يؤكّد بها الفلسطيني وجودَه في الحياة، ولا بديل عنها إلاّ الصّمت الذي يعني الموت على قيد الحياة. وليس أخطر على فلسطين أرضًا وشعبًا من الصّمت في زمن الدويِّ الحربي والإعلامي الذي أصاب العالم بالصّمَم والعمى فلم يعد يسمع ويرى إلاّ ما يُراد له أن يسمع ويرى! وقد اختزل “محمود درويش” تمام المعنى عندما قال: “صحيح أنّ الشمس ذاتها تُشرق كل يوم لتبشّر البشر بيومٍ جديد. أما نحن المقيمين على هذه الأرض، فإننا نطالب أنفسنا بالتمييز بين التاريخ وبين الزمن… فإن الجديد تحت هذه الشمس ليس إلاّ قديمًا يُجدّد أسماءه وأدواته، خرافةً وسلاحًا، ويُصرُّ على دفعنا، أكثر فأكثر، إلى زمن بلا تاريخ”.

ما جدوى أن يكتب الفلسطينيُّ بلغةٍ عربيَّةٍ ويتوجّه بكتاباته إلى شعوبٍ عربيّةٍ تعرف فلسطينَ: التاريخ والقضيّة والحروب والمآسي.. تعرف الحكاية كلّها؟ ما جدوى أن يكتب الفلسطيني إلى مجتمعات أعلنَت عداوتَها مع القراءة والتلقّي، وأكبر ما استطاعت إنتاجه، على امتداد عقود من الاحتلال الصهيوني لفلسطين، هو إرسال زفرات الآه والأوّاه والتأوّهات.. والدّعاء المنفرد والجماعي؟

الجوابُ معقّدٌ مثل الماء الذي يختزن النارَ في جذره، وهو بسيطٌ مثل الماء أيضًا.. الجواب: يكتب الفلسطيني حتى لا يجد نفسه تائهًا في زمنٍ بلا تاريخ! وقريبا من هذا المعنى، قالت الكاتبة الفلسطينية “أسماء أبو عياش”: “نكتب كي لا نُمحى”.

من المُجدي أن يُدرك القارئ العربي ما الذي تعنيه الكتابة بالنسبة للفلسطيني، سواءٌ كانت كتابة أدبيّة إبداعيّة أو كتابة فكرية بحثيّة، وهذا ما يجده في هذا الملفّ الثقافي المُنوّع الذي فاضت به أقلامٌ فلسطينيّة تقاوم من أجل البقاء في صُلب صفحات التاريخ.. تقاوم من أجل تحريض المُستقبل ليفتح نوافذه على جراح فلسطين، ويؤمّن للطفل الفلسطيني مكانةً في أحضانه!

عندما نتحدّث عن الكتابة الفلسطينية فإننا نعني كل أشكال التعبير الأخرى، من رسمٍ ونحتٍ وغناءٍ وتمثيلٍ.. فجميعها أدوات مقاومة من أجل البقاء على قيد التاريخ والمُستقبل. وعلى المتلقّي العربي أن يتنبّه إلى أمرٍ بالغ الأهميّة بأنّ المُبدع الفلسطيني، بأيّ شكلٍ تعبيريٍّ كان، ليس حُرًّا في التعبير بل هو مُحاصَرٌ ومرصودٌ ومُهدَّدٌ بفقدان أنفاسه لأيّ تعبير لا يستسيغه الاحتلال ويفهمه وفق مزاجه الأمني والعسكري. يقول أحد الرسامين في غزّة: “لا أستطيع رسم ما أشعر به، لأن اللوحة قد تُفسَّر كتهديد، أو تُستخدم ضدّي.” وكذلك هو الشأن بالنسبة إلى باقي الفنون والأشكال التعبيريّة الأخرى، فالاحتلال الصهيوني لا يقتل ويهدم ويدمّر فحسب، بل يسعى إلى اغتيال الروح الفلسطينيّة ودفعها إلى “زمن بلا تاريخ”.

 

بقلم الأديب الشاعر: هيثم جابر – فلسطين

الجزائر عشق لا ينضب

لو لم أكن فلسطينيا لكنت جزائريا. نحن الفلسطينيون لا يمكننا إلا أن نكون مع الجزائر ظالمة أو مظلومة. نعم إنها الجزائر بلد الشهداء وبلد النضال والجهاد والمقاومة، بلد التضحيات وإحدى صُنّاع الكرامة والعزة، هذه الأمة التي تعتليها المصائب والمحن والنكبات، لذلك عندما بخرج لقيط ليهاجم الجزائر أو يحاول أن يمسّ شعبها أو استقرارها لا يمكن أن نقف على الحياد، لأنها الجزائر وليست دولة أخرى، لا يمكن لكاتبٍ أو أديب أو شريف أن يقف مكتوف الأيدي إذا ما حاول بعض الصغار، والصغار جدا من الاقتراب من حمى الجزائر، سواء كان من يفعل ذلك دولة مصطنعة ليس لها ذكرٌ أمام عراقة الجزائر وشعبها العظيم، أو كان نكرة في التاريخ.. الجزائر هذا العشق الذي يقف سدًّا منيعا في وجه المؤامرات التي تحاول هذه الدول اللقيطة والمصطنعة تمريرها على رقاب شعوبنا الفقيرة المغلوبة على أمرها.

في الآونة الأخيرة، تمّ الهجوم على الجزائر في وسائل الأبواق المأجورة لهذه الدولة، في محاولة فاشلة للنيل من عزيمة هذا العشق وهذا التاريخ وهذه الحضارة التي لا تستطيع لا دول ولا كيانات ولا أفراد أن يصل إليها، هؤلاء المتآمرون صغار جدا أمام هذه الدولة العظيمة وهذا الشعب العظيم. ثم ماذا قدّم هؤلاء الشغار لهذه الأمة غير المؤامرات والخراب والدمار ودعم عملائها والمليشيات المأجورة التي تمزق أراضيها تعيث فسادا فيها كما يحدث في السودان ويمن الخير والمحبة، هؤلاء ما كانوا يوما إلا في جانب العدو ضد أمتهم وشعوبهم،  فتحوا سفارات للذي يقتل ويبيد شعبنا وأمّتنا بأموالهم التي ستكون وابلا عليهم يوم تجتمع الخصوم عند رب الكون، فتحو المعابد الوثنية وأقاموا الأصنام لمن ينتهك كرامة المسلمين في كشمير، مزقوا اليمن والسودان وليبيا ولا زالوا يتآمرون على من يحاول الوقوف في وجه الاستعمار الغربي المحتل لأرضنا وشعبنا. وظفوا أموالهم وزبانيتهم لقتلنا وذبحنا ودعموا أعداءنا سياسيا واقتصاديا ليكونوا هم الذين يصنعون الجريمة والفحش والبذاءة، في دولنا العربية. لذا لا نستطيع أن نكون حياديين إذا ما مُسَّ حمى الجزائر.. لأن دمنا جزائري، وعشقنا جزائري، وحبنا جزائري. نقاتل من يقاتل الجزائر، ونسالم من يسالم الجزائر. دمنا دم الجزائر، وأحلامنا وتمنياتنا لونها الجزائر بلاد العزة والكرامة والحرائر.

 

نص: على شكشك

غزّة.. كل المجازات.. كل الكلام

إذا كانت الحرب تسحق شعبا..

فإن الغزاة الجناة يحوزون كل المساحات بيتا وأرضا..

وتطرد شعبا..

وتفتح أفقاً لمنفى..

غزّة وجها ومعنى..

مقابل ترسانة من أكاذيب..

أو من حديد..

هنا يتكرر هذا الحوار الحضاري..

غزّة تبقى السؤال وتبقى الجواب..

وكلَّ الحضورِ وبعض الغياب..

ولا من أحدْ..

هنا الأرضُ رافعةٌ رأسها للأبدْ..

غزة خاصرةُ القبتين..

وحارسةُ السور من جهتين..

وغزةُ تحسمُ أمرَ الرواية..

وتنبجس الآن في موقعين..

غزة.. جفّ الكلام..

غزة تعزف سوناتها في الظلام..

غزة باقة حبرٍ ووجدٍ..

وإكليلُ وعدٍ..

وأحلام..

غزة كلُّ المجازاتِ كلُّ الكلامْ..

شعر: عبد الله عيسى

رقصة الغريب

من ديوان ” آيتكَ اليوم” (يصدر قريبا)

3 – بيان عاجل:

 وأمّا أنا

لم أسامِحْ

على موجةٍ سرقوها لكي يعبروا غدهم، دونَنا، بين ميناء يافا وشاطئ غزة

والبحرُ في عهدتي مذ وجدنا معا

كيفَ تغفر نورسةٌ أنّني قدْ أضعتُ لها أثراً يَتَعَقّبُني في الطريق إليّ

أنا زمني ومكاني!

 أنا

لمْ أسامحْ

على كُوّةٍ مِنْ سماءٍ لنا جعلوها خياماً تقلّبُها معنا الريحُ في كلّ أرضٍ.

فهلْ كلّ أرضٍ كأرضي؟

أتَصْفَحُ سنبلةٌ لا تزالُ تؤاخي

يديّ

وبشّرْتُ كلّ الشعوبِ بها

أنّني، مِنْ فَرطِ حبّيَ للغيمِ، ضَيّعتُ حقلي وبئري؟

أنا فكرتي ولساني

أنا

لم أسامحْ

ولو وضعوا الشمسَ فوقَ جبينيَ

أو سخّروا الريحَ والرملَ يسجدُ لي

لا أفرّطُ بالضوءِ فوقَ حجارةِ أسوارِ عكّا

أكلّ الحجارةِ مثلَ حجارتِنا تقتفي أثرَ الأنبياء؟

فهلْ يسامحني قاتلي أنّني جئتُهُ في المرايا؟!

أنا أبجديّةُ خاتمتي وزماني

أنا

لمْ أسامحْ

على قطرةٍ من دمٍ، أو ندى أهدروا

منذُ سبعينَ ممّا نَعُدّ ونيِّفْ

على مطرٍ أهرقوا في سماواتِنا

أو على حجرٍ سرقوا كي يدلّ عليهم

أكانَ لزاماً عليّ هنا أن أواري، بكاملِ سِيرَتها، ذاكراتِ المقابرِ

تحتَ الوسائدِ؟

أو أحتمي بأصابعِ قتلايَ مِنْ مَحضِ مقتلَةٍ تتربّصُ بي

وأنا مَنْ رآني رآني

أنا

لمْ أسامحْ

مَنِ اقتادَ أرضي إلى جهةِ غيرِ معلومةٍ في الخريطةِ تلكَ

وشعبي على شاحناتٍ محمّلةٍ بمآدبِ قتلايَ تلكَ إلى هجرةٍ أشبهَ بالتنزّهِ بينَ قبورٍ أبالسةٍ

مَنْ رمى الوجعَ المتخثّرَ في سِيَرِ المُرسلينَ الحزينينَ

بينَ يديّ

ومُقتَنياتِ القلوبِ التي فقدتْ أملاً، أيّما أملٍ، أنْ تفيقَ على قيدِ هذي الحياةِ

أنا مَنْ نجا مِنْ مكائِدِهِمْ بالأغاني

أنا

لم

أسامحْ

4 – رقصةُ العراةِ:

عاريًا يرتدي ربطةَ العنقِ حتّى يخبّئ سوأتَهُ بجلودِ الضحايا

يُهيّئُ خطبتَهُ في مراسيمِ تشييعِهِ

مبتلىً بالخرائبَ واليأسِ

في ظلّ مقلاعِ داوودَ

ما كنتُ أبدأ حربًا لكي تنتهي

مندُ قرنَينِ

أسندُ أرضًا وُعِدٍتُ بها دون غيري بِقرنَيْ خروفٍ

أتاني به فديةً لي رعايا السماءِ

وأرضون هذي الرعايا

وما عدتُ، ربّاً لجُنديْ، لأبصرني في دساكِرَ معجزةٍ لا تجيءُ

فلا يطمئنّ نبيّ بأنْ يزرعَ الآسَ في ظلّ قبري

ولا فائزٌ بكراهيَتي، وليكنْ قيدَ أنمُلةٍ، أنْ يحدّقَ في أعينِ التعساءَ

المُعاقينَ

أو فاقدي أملٍ، أيّما أملٍ، بالحياةِ

ولا مبغضيّ

عديمو الوسيلةِ من أيّ جدوى

الذين يقودونَ شعبي إلى جنباتِ المهالكِ

لا شيءَ يشبهني غيرُ مملكتيَّ

وصاحتْ بهِ امرأةٌ هاجرتْ، قبلَ عشرينَ عامًا، من القِرمِ، واستوطنتْ في الخليلِ، وكلبتُها معها:

رُدّ لي جثّةَ ابني التي تتألّمُ في حربِ أكرانيا

وحياةَ حفيدي الرهينةَ في قلبِ غزّةَ!

أنتَ الذي قدتَ شعبي بسياطِ الخطايا

رمى أحدٌ صوتَهُ في المسافةِ بينهما

لا مكانَ لنأمنَ فيهِ على غدِنا غيرُ أسفارِنا

لا ملاجئَ تكفي لنُدفَنَ فيها

ولا أُحجياتٍ فتُجعلُ، مِنْ بعدِ موتِكَ، معجزةً لمكوثِكَ في سِيَرِ الأوّلينَ

ويصرخُ طفلٌ رأى ما رأى في ممرّاتِ “مشفى الشفاءِ”:

أنظروه!

إنّهُ ذاكَ

 عارِ

يسوقُ بما صنعتْ يدُهُ راجِمي الأنبياءِ

عرايا …

 

أجرى الحوار: بن معمر الحاج عيسى

الأديبة “قمر عبد الرحمن” في حوار مع “الأيام نيوز”.. الأسرى الفلسطينيون في الإعلام الثقافي الجزائري وشؤون أخرى..

في زمن تتعاظم فيه التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، يبرز الأدب كوسيلة نضال موازية، تحفظ الذاكرة، وتمنح الصوت لمن لا صوت لهم، وتؤرّخ لحكايات الصمود والأمل. ومن بين الأصوات الأدبية اللافتة، تبرز الكاتبة الفلسطينية “قمر عبد الرحمن”، ابنة مدينة الخليل، التي سخّرت قلمها لخدمة القضايا الوطنية، وفي مقدمتها معاناة الأسرى الفلسطينيين، وهموم الإنسان الفلسطيني في ظلّ الاحتلال. من خلال أعمالها القصصية والنقدية، نجحت قمر في بناء عالم أدبي يعكس الواقع بصدق ووعي، ويضيء زوايا التجربة الفلسطينية من الداخل. في هذا الحوار، الذي تنشره جريدة “الأيام نيوز”، نستكشف ملامح تجربتها الأدبية، ونقترب من رؤيتها لدور المرأة الكاتبة، وأهمية أدب السجون في تشكيل وعي الأجيال.

سؤال: من هي قمر عبد الرحمن؟

جواب: كاتبة وإعلاميّة فلسطينية من مدينة الخليل المحتلة تحديدًا، تكتب الشعر النثري والهايكو والقصص القصيرة والرواية والمقالات، بالإضافة إلى تقديم البرامج المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين والقضايا الإنسانية كذوي الاحتياجات الخاصة.

سؤال: كيف تقيّمين تجربتك الشعرية والأدبية؟

جواب: جيدة، ولا أزال أطمح للمزيد من الوصول على القارئ العربي والعالمي، وأقارن ما أقدمه بكل ما أقرأ من الأدب القديم، والأدب الحديث، وبما كتبته أنا من قبل

سؤال: بما أن الشاعر ابن بيئته ما مدى تأثير الأحداث الراهنة على كتاباتك؟

جواب: إذا لم يتأثر الأديب بما حوله، فهو ليس أديبًا حقيقيًّا، الأديب وُجد ليعبّر عن معاناة شعبه وبلاده، وأن يزرع الأمل في كل حلقات اليأس التي تواجهه وتواجه أبناء شعبه، وهذا يتجلى في كل كتاباتي، سواء قضايا المرأة والقضايا الإنسانية والأسرى والوجع الفلسطيني من المحتل.

سؤال: كيف ترين الدور الذي تلعبه المرأة الفلسطينية الكاتبة في مقاومة الاحتلال عبر الكلمة والأدب؟

جواب: صبر المرأة الفلسطينية مقاومة، ارتدائها الدائم للثوب الفلسطيني مقاومة، ابتسامتها وهي تحمل نعش ابنها الشهيد مقاومة، زغرودتها التي تطلقها عند استقبال عريسها الشهيد مقاومة، وتوزيعها للحلوى وكلامها الثابت أن كل أبنائها فداء للأقصى مقاومة.. وعلى ذلك، فإن صمود الأسيرات داخل السجون خاصة في ظروف الحرب القاهرة أعظم مقاومة، وبالنسبة لي فإن الكتابة أبسط مقاومة تقدّمها الكاتبة الفلسطينية أمام عظيم ما تقدمه المرأة الفلسطينية في حياتها النضالية كل يوم.

سؤال: في نظرك، ما الذي يميّز أدب المرأة الفلسطينية عن غيره من الأدب المقاوم؟

الجواب: أعتقد أن كلاهما يصبّ في الهدف نفسه، وهو الكتابة عن الأرض والوجع اللامحدود، إلا أننا ما زلنا نفتقد أو نخجل أن نكتب عن حاجات المرأة الصحية والنفسية والعاطفية في الحرب، كل الكتابات تتمحور حول الجوع وعدم الأمان وقلة النوم وكثرة الموت، لكن الكتابة العميقة حول حاجات المرأة الخاصة والعميقة لم تُكتب بعد بشكل واضح وصريح.

سؤال: هل واجهتِ صعوبات خاصة كامرأة تكتب في سياق سياسي وقضية وطنية معقدة؟

جواب: صراحة أغلقت صفحتي مرتين أثناء عرض برنامجي وتر النصر بشأن الأسرى الفلسطينيين المثقفين، كان ذلك قبل الحرب، وتلقيت إخطارًا مرفقًا بصورة هويتي بعد إغلاق الصفحة، أن ما أقدمه ينتهك المعايير المجتمعية والدولية، وفي كل مرة كنت أبدأ من جديد، حيث نقلت برنامج “وتر النصر” من الإذاعة إلى قناتي عبر اليوتيوب، لكن فوجئت بعد عام من الانقطاع بحذف بعض حلقات البرنامج بالكامل من على اليوتيوب أيضًا، مثل حلقة الأسير الشهيد المفكر وليد دقة، والأسير عمار الزبن مبتكر فكرة تهريب النطف المهربة لاستمرار سلالة الأسير خارج السجن، وغيرها من الحلقات الفارقة، لكن أعدت صياغة الحلقات المحذوفة على شكل نص ودونتها على مواقع عدة كأرشيف لما قدمته. بصراحة الخطر يداهم أيّ فلسطيني يتحدث عن حقه الإنساني له ولأخيه، بينما الحرية مفتوحة على مصراعيها في الإعلام وعلى المنصات لكل من يشتم أخاه الفلسطيني من فصيلٍ آخر، أو يدعم طرفا على حساب آخر لمصالح تافهة لا تذكر، وهذه مفارقة صارخة في إعلامنا للأسف.

سؤال: إلى أيّ مدى تعتقدين أن الأدب النسوي الفلسطيني استطاع أن يخترق جدران التعتيم والتهميش عربيًّا وعالميا؟

الجواب: لو أُعطي أدب المرأة الفلسطينية حقه عربيًا لتوسّع عالميًا وتُرجم إلى عدة لغات، لكن هناك تحجيم دائم لكل ما هو فلسطيني، مع العلم أني أشهد أن بعض الروايات الفلسطينية تجاوزت في إبداعها الأدب العالمي، والمذهل أن بعض هذه الروايات كتبها أسرى داخل السجن مثل رواية “الجهة السابعة” للأسير المفكر كميل أبو حنيش، ورواية “ثمنًا للشمس” للأسيرة المحررة الأديبة عايشة عودة. وغيرها من التجارب التي تستحق التكريم العالمي.

سؤال: كيف تسهم المرأة الفلسطينية الشاعرة في حفظ الذاكرة الجمعية للقضية الفلسطينية عبر أعمالها الأدبية؟

الجواب: كل حرفٍ تكتبه الشاعرة الفلسطينية هو حفظ للذاكرة الفلسطينية، وهذا ما أبدعن به الشاعرات الفلسطينيات في الحرب على غزة، اللواتي يكتبن كل يوميات المرأة في الحرب بشكل موجع أو بشكل ساخر لتهوين الحدث، وما زلن يكتبن بحرفية عالية رغم أنهن تحت النار والدخان ويعانين من النزوح الجوع وعدم الأمان، ربما هؤلاء الأديبات وجدن أمانهن في الكتابة وإيصال رسالتهن على العالم وقد وصلوا بجدارة، أمثال هند جودة، ونعمة حسن، وإنعام سليمان، وسمية وادي، ود. آلاء القطراوي التي فقدت أبناءها الأربعة دفعة واحدة في الحرب، وما زالت تكتب بانتظام وثبات مدهشين.

سؤال: ما أهمية أدب السجون في التوثيق لتجربة الأسر والمعاناة الفلسطينية؟

جواب: أهمية عظيمة طبعًا، توثيق معاناة السجون قبل التحرير هامٌّ للرأي العام العالمي، وهامٌّ بعد التحرير لأن هذه التجارب العظيمة يجب أن تخلد في المتاحف العربية والعالمية للأبد، لهول ما مروا به وتحملوه من مرض وإهمال ووجع لا يستطيع تحمله أي إنسان. لأنّ صبر الأسرى القدامى ذوو الأحكام العالية يعتبر أسطوريًا، فهم مخضرمون عايشوا الانتفاضتين، وقمع السجون، والإضرابات، والحروب على غزّة، والآن يعانون الأمرين بعد الضغط الكبير على الأسرى بعد السابع من أكتوبر.

سؤال: هل تجدين أن هذا النوع من الأدب يُعطى حقه من الاهتمام النقدي والأكاديمي؟

جواب: لا للأسف، المهتمين بأدب السجون قلة، وأغلبها جهود فردية، مع أن من المفترض تخصيص اهتمام مؤسساتي لكل ما مرّ ويمرّ به الأسير سواء ثقافيًا أو من جانب المعاناة الذي يتفاقم كل لحظة خاصة بعد الحرب.

سؤال: من خلال اطلاعك وتغطيتك، هل ترين تحولات في شكل ومضمون أدب السجون الفلسطيني عبر العقود؟

جواب: من ناحية الاهتمام بمعاناة الأسير، هناك تراجع ملحوظ به سواء من إدارة السجن نفسها، أو من العمل المؤسسي كالصليب الأحمر ونادي الأسير.. الاحتلال دائمًا يسعى إلى تحجيم وتقليص هذا الاهتمام. أما بالنسبة لأدب السجون، رغم أن الأسير ذاته يطور نفسه أدبيًا ويبهرنا بإبداعه وطول نفسه في الكتابة، إلا أن الاحتلال يقمع هذا التدفع العطائي باستمرار، وأذكر مثال على ذلك قمع الأسير “باسم خندقجي” الفائز بجائزة البوكر العالمية، وعزله في زنزانة منذ فوزه، وسحب كل مقتنياته من أقلام وأوراق، وتمزيق كل المسودات التي كان يحتفظ بها.

سؤال: كيف بدأت تجربتك الإعلامية مع جريدة “الأيام نيوز” الجزائرية، وما الذي دفعكِ للاهتمام بقضية الأسرى تحديدًا؟ وكيف تقيمن هذه التجربة؟

جواب: تجربة عظيمة، بدأت بنشر المقالات الهامة والقصائد المنوعة في جريدة “الأيام نيوز” كما بدأت مع غيرها من الصحف الجزائرية المنوعة من خلال الأستاذ القدير “خالد عز الدين”، المتابع الدائم والمخلص لكل ما هو فلسطيني، وتجربتي مع الإعلام الجزائري عززت مسيرتي الأدبية، وجعلتني أكثر حرصًا على نوعية ما أكتبه أكثر من قبل. والدافع وراء اهتمامي المستمر بقضية الأسرى نابع من مسؤوليتي الإنسانية أولًا ثم المسؤولية الوطنية.

سؤال: هل ترين أن تجربة الملاحق الإعلامية التي اعتمدها جريدة “الأيام نيوز” أضافت شيء للقضية الفلسطينية؟

جواب: فكرة الملاحق رائعة، وبكل فخرٍ واعتزاز اعتاد الأديب الفلسطيني على هذا الكرم الإعلامي الجزائري، فالجزائر متقدة الأفكار والإبداع في عرض الوجع الفلسطيني بطرق عديدة ومتنوعة، ولا تفوّت أيّ فكرة مقترحة تساهم في رفع القضية الفلسطينية نحو الشمس.

سؤال: ما التحديات التي تواجهينها في تسليط الضوء على معاناة الأسرى الفلسطينيين عبر الإعلام الثقافي؟ وهل تلقى هذه الجهود صدى وتأثيرًا فعليًا لدى الجمهور العربي؟

جواب: دائمًا أقول.. على الإعلام الثقافي العربي والفلسطيني أن يفتش عن كتاباتنا وإبداعنا دون طلب ووساطة وصعوبة في الوصول للجهة الإعلامية مثل التأخر في الرد، أو عدم الرد أساسًا على رسائلنا المتكدسة، تجد الأدباء الفلسطينيين يكتبون باستمرار ودون ملل مع الإعلام الجزائري، لأن الجزائر هي من تفتش عنهم، وتتابعهم وتراسلهم وتتفاعل بجدية مع كل ما يكتبون وينشرون على صفحاتهم، بعكس الإعلام العربي ككل.

سؤال: هل من كلمة أخيرة للشعب الجزائري من خلال جريدة “الأيام نيوز”؟

جواب: نحن محظوظون بهذا الاحتضان الإنساني والإعلامي والثقافي لقضيتنا الفلسطينية، فالشقيق الذي يتواجد بجانبك وأنت في خضم أوجاعك يستحق أن يكون شقيقًا إلى الأبد. شكرًا من القلب لكلّ جزائري حرّ، وسلام خاص لطاقمكم المميز.

 

بقلم: أسماء ناصر أبو عياش (فلسطين المحتلة)

تأثير العدوان على المشهد الثقافي والحضاري في غزّة

قد يبدو الحديث عن الثقافة والفن في زمن القصف والدمار وكأنه خيانة للواقع، أو ترفٌ لا يليق في ظل المجازر والدم النازف. لكن، في خضم المجزرة التي يرتكبها الاحتلال “الإسرائيلي” بحق الفلسطينيين، ينهض سؤال جذري: هل الحديث عن الثقافة أمر غير أخلاقي؟ أم أن التمسك بها هو من أشكال المقاومة القليلة التي لا يمكن قصفها؟ في كل نضال خاضته الشعوب من أجل البقاء، كانت الثقافة في صميم المعركة لا على هامشها. من جنوب إفريقيا، إلى الجزائر، إلى أميركا اللاتينية، وحتى في قلب أوروبا زمن الحرب، لم يتوقف الشعراء عن الكتابة، ولا الفنانون عن الرسم، ولا المسرحيون عن الوقوف على الخشبة، ذلك لإدراكهم أن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط بالسلاح، بل في حقل المعنى، والمعنى هو جوهر الثقافة، فالثقافة ليست ترفًا، بل هي شرط من شروط الوجود، فحين يُقال إن الفنَّ ترفٌ، يُفترض ضمنًا أنه بعيد عن الجوع، والسياسة، والألم، والاحتلال. لكن الحقيقة أن الثقافة هي ما يُبقي الشعوب متماسكة حين تتكسّر المدن؛ إنها البنية الرمزية التي تحفظ الذاكرة وتُعيد ترتيب الفوضى.

عدوان ممنهج على الذاكرة والبنية الثقافية

منذ نكبة 1948، استهدفت العصابات الصهيونية المنجز الحضاري والثقافي الفلسطيني، فمحَت الحواضر، وهدمت المكتبات، وطمست المعالم. ويكفي أن نعلم أن مدينة يافا، التي كانت عاصمة للثقافة العربية قبل الاحتلال، تعرضت لعملية محو ممنهجة شملت شوارعها ومكتباتها ومسارحها وإرثها الحضاري. واليوم، في ظل المقتلة التي يعيشها قطاع غزة بفعل العدوان “الإسرائيلي” المتواصل، يتكرر المشهد نفسه لكن بأدوات أكثر تدميرًا. فالعدوان الأخير لم يضرب فقط البيوت، بل دمّر بنية ثقافية عريقة لطالما تميّز بها هذا القطاع الصغير في الجغرافيا، الكبير في رمزيته وتاريخه.

أولاً: تدمير البنية التحتية الثقافية

تعرّضت مراكز ثقافية ومكتبات عامة ومسارح ومتاحف للقصف الكلي أو الجزئي. مراكز كانت تحتضن العروض والمواهب والذاكرة، سُوِّيت بالأرض، أُغلقت مدارس الفنون والموسيقى، وتوقفت أنشطة ثقافية كانت تُعدّ متنفسًا وحاضنة لأجيال من المبدعين.

ثانياً: تقييد حرية التعبير

في زمن الحرب، تصبح حرية التعبير مهددة من جهات متعددة: الخوف من القصف، الرقابة الاجتماعية، الانهيار العام في بنية الحياة. كثير من الفنانين والكُتّاب باتوا عاجزين عن التعبير، بعضهم يمارس رقابة ذاتية خشية أن يُساء فهم عمله الفني. يقول أحد الرسامين في غزّة: “لا أستطيع رسم ما أشعر به، لأن اللوحة قد تُفسَّر كتهديد، أو تُستخدم ضدي.”

ثالثاً: ضياع التراث المادي وغير المادي

تعرّضت مواقع تاريخية في غزّة على أضرار مباشرة منها “بيت العَلَمي” في حي الشجاعية، ومسجد “السيدة رقيّة” الذي يعود إلى مئات السنين، إذ أن القصف لم يميز بين الحجر والبشر، فطال المعالم التي تحفظ ذاكرة المكان. أما التراث غير المادي، من حكايات وأغاني وأمثال ولهجات، فقد بدأ يتآكل، فقد أدى النزوح والخوف وغياب البيئة الداعمة، أدى إلى تراجع حضوره في الحياة اليومية. تقول الدكتورة “نهى عطا الله” (أستاذة التراث الشعبي): “في كل مرة تُقصف فيها غزّة نخسر شيئًا من ذاكرتنا، ليس فقط البيوت بل الأغاني والقصص واللهجات والمناسبات.”

رابعاً: مقاومة ثقافية رغم الدمار

ورغم كل هذا، لا تزال غزّة تُبدع من قلب الرماد؛ الفنانون يرسمون على الجدران المهدّمة، الشعراء يكتبون في الظلام وناشطون يطلقون مبادرات مثل “فن على الحيطان” و”غزة تقرأ”، في محاولة لصون الهوية من وسط الأنقاض. تقول الشاعرة “إسراء حلس”: “نحن لا نكتب شعرًا فقط، نحن نكتب وجودنا. فالكلمة عندنا ليست ترفاً، بل أداة بقاء”. تُشير تقارير “اليونسكو” إلى أن أكثر من 50 منشأة ثقافية دُمّرت أو تضررت خلال العدوان الأخير، من بينها مركز “رشاد الشوا”، أحد أبرز مراكز الثقافة في القطاع. هذا ليس “أضرارًا جانبية”، بل استهداف ممنهج للذاكرة.

نحو دعم ثقافي وإنساني حقيقي

ورغم كل الخراب، لم يستطع الاحتلال أن يُطفئ نور الثقافة في غزّة، ولا أن يصادر الحكاية. فهذه الأرض التي تنزف كل يوم، ما زالت تُنجِب شعراء، وتُقيم المعارض على الركام، وتُعيد رسم الذاكرة فوق الجدران المهدّمة. الثقافة هنا ليست زينة، ولا رفاهية، بل فعل مقاومة يومي ولغة للبقاء نتمسك بها كي لا ننكسر، ونكتب كي لا نُمحى. وفي ظل استمرار المجزرة، وعشرات آلاف الشهداء من أطفال ونساء وعُزّل، ومئات آلاف الجرحى والمشرّدين الذين سُلبت منهم بيوتهم ومساحاتهم الآمنة، بات واضحًا أن غزة لم تَعُد تصلح للعيش! لكننا، رغم ذلك، نعيش. نُصرّ على أن نحيا، ليس فقط بالخبز والماء، بل بالمعنى. ولأن الثقافة لا تُبنى على أنقاض القهر وحدها، بل تحتاج إلى رئة تتنفس منها، فإن الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أيّ وقت مضى إلى:

– دعم حقيقي لإعادة تأهيل المراكز الثقافية، ليس كترفٍ، بل كضرورة لإعادة بناء الإنسان.

– إطلاق برامج بالشراكة مع “اليونسكو”، و”الألكسو”، وغيرها، لترميم ما تهدّم، وتدريب جيل جديد على الفنون والإبداع كوسيلة للشفاء من الندوب.

– حفظ التراث غير المادي، عبر مشاريع توثيق رقمية، حتى لا تتبدد وتتلاشى الحكايات في هواء الشتات.

– إنشاء منصات إلكترونية للفن والأدب الفلسطيني، كي يكون لمن تبقّى من كتّاب وشعراء ورسامين صوت يسمعه العالم، بعيدًا عن ويلات الحرب.

نحن بحاجة إلى أن تُدمج الثقافة في خطط الإغاثة، لا كإضافة، بل كجزء أساسي من ترميم ما هو أعمق من الحجر؛ ترميم الروح. فحين تُقصف المكتبات والمراكز الثقافية، لا تُقصَف فقط المباني، بل تُستهدف الذاكرة، وحين يُسكت الفن، تُخنق الحكاية، وحين نكتب، ننجو أنفسنا من المحو. العدوان على غزّة لم يكن فقط على الناس، بل على المعنى، وعلى هذا المعنى بالذات، يجب أن نقاتل بالكلمة، بالصورة، باللحن، بكل ما فينا من حياة.

 

بقلم: د. خالد سليمان الزغيبي

تشريح الوجع.. قراءة نقدية في قصيدة “يا وجعي” للشاعر “أحمد بشير العيلة”

في نصٍّ يشبه صرخة مدويّة تثقب جدار الصمت، ينساب “أحمد بشير العيلة” بحرفه كسكّين يشقّ جسد الواقع ليخرج من أحشائه وجعاً متجسّدا. فقصيدة “أحمد” ليست مجرد كلمات، بل طقس جنائزي تقرأ فيه أسماء الشهداء على جلد الشاعر، وتسجل فيه أحلام محطمة تحت ركام القنابل. “العيلة” لا يكتب عن الألم، بل يجعلك تتنفسه، تلمسه، تصارعه، وتصارعك رائحة الدماء العالقة بين سطوره.

كيف يمكن للغة أن تتحوّل إلى جسد نازف؟

الإجابة تكمن في الانزياحات الصادمة التي يصنعها الشاعر: (جسدي مقبرة كبرى للأحباب)، (أغرق في وحل ممتد للمالا أمل)، (التوراة تسجل سيرة موتي شلواً شلواً). هكذا.. يدمج “العيلة” بين المقدس (التوراة، الهيكل) والمدنس (القذائف، الركام)، ليظهر كيف يحول الدين إلى سلاح يمزق الأجساد والذاكرة معاً. الوجع ليس حدثاً عابراً، بل بنية وجودية تشبه (أخدوداً أعمق من وجع الدنيا).

الشاعر يحاور وجعه ككائن حي: (يا وجعي)، (يا قلبي)، (يا مخزن حزني)، فيجسده رفيقاً، جلاداً، وشاهداً.

هذا الحوار التماسي يجبر القارئ على الانخراط في المسرحية التراجيدية؛ فكل سؤال (كيف؟) يشبه مطرقة تدك جدار اللا معنى، وكل صورة (نساء يلدن ركاماً) تحوّل الواقع إلى كابوس سريالي لا فكاك منه. اللغة هنا ليست أداة للتعبير، بل جرح مفتوح: (الآه) تصبح لغة وحيدة، والدمع يحول إلى لسان يترجم ما لا يقال. “العيلة” يلعب دور النبّاش الذي يستخرج من تحت أنقاض الذاكرة أشلاء أطفال، أصوات صغار (يسترقون السمع على نبضه)، وحطام أحلام كان يمكن أن تصير (بيتاً لصغار). لا يكتفي الشاعر برصد الألم، بل يخلع عليه بعداً أسطورياً؛ فالوجع يسرق منه حتى حقه في أن يكون (شيئاً من بشر عادي)، ويحوّله إلى كائن هجين بين الجمرة والرمز: (أعيد بناء ركامي وأموت). الموت هنا ليس نهاية، بل حالة وجودية تلاحقه منذ (نزوله من رحم الرغبة في التكوين).

الانزياح الأكثر إيلاماً هو تحويل الجسد إلى أرشيف للكارثة: (أكتب أسماء الناس على جسدي)، (جسدي مسكون بالأشلاء). فالجسد الفردي هاهنا يتحول إلى جسد جمعي، يخلّد فيه غياب الضحايا، وكأن الشاعر يعلن أن جسده صار خريطة بديلة لغزّة، تسجل عليها الهزائم والانتفاضات برائحة وخط الدم. هذه القصيدة إن أردنا إنصافاً ليست نصًّا، بل هتاف وجودي يجسد مفارقة الكتابة تحت القصف: فكيف تبدع لغة بينما العالم ينهار؟ وكيف تصوّر الجمال والفظاعة في آن؟

“العيلة” يجيب: بأن الوجع نفسه يصير لغة، وأن الروح تُبنى من الرماد.

ما لا يمكنني تعميته كناقد، هو أن من يقرأ هذا النص، لن يسأل: ما إن كان الشاعر عاش الوجع؛ فالقصيدة تجبرك على أن تعيشه بدلاً عنه، أن تحمل ركامه في حنجرتك، وأن تولد من جديد كلما همست: (يا وجعي). هكذا.. أمكن لـ “أحمد بشير العيلة” أن يكتب بدم غزة المستباح، وأن يعلمنا أن الشعر حين يكون حقيقيًّا لا يكون مجرد تعبير، إنما جسد ثانٍ يخلّد ما يحاول الظلم محوه. وهنا تحديداً.. يصير النقد شهادة، والقراءة إحياء لذكرى من صاروا ترابًا.. وترابا.. وترابا.

 

بقلم: أ. د. جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل

يوم الملحمة.. ويوم المرحمة

الدُنيا خضرةٌ حلوة، وفيها تجد الناس تعيش الحياة الدنيا على عدة أشكال؛ كل يعمل على “شاكلته” وطريقته، والبعض يعمل وفق قناعاتهِ، وأفكاره، ومبادئه التي يسير وفقها؛ والبشر عقلياتهم، وأفكارهم مُختلفة، وتصرفاتهم متنوعة ومتعددة، فمنهم من هو قلبه غارق في الدنيا بما فيها من الملهيات، والمغريات، والملذات، والشهوات، والقانياتِ والمُسكرات، ونسي الموت، لحظة تأتي فيها السّكرات، والزفرات؛ وقتها تذهب السّكرة وتأتي الفكرة! وقد فات الأوان وما مضي فقد مات، وما فات فكأنه قد مات! والقلوب سُمّيت كذلك لكثرة تقلبها؛ فحال بعض البشر اليوم هو اللهو، واللعب والضحك، فتجدهُ يقهقه بأعلى صوته بالضحكات الفانيات، وحاله في الدنيا كما قال سبحانهً وتعالى: “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج، الآية: 48)؛ ومن الناس من عاشوا في الدنيا كأنهم غرباء، أو عابري سبيل، واتقوا وأَبَّرْوا، وأصلحوا بين الناس، وجعلوا ألسنتهم طيبة رطبة غدية ندية يصدح بِذكر الله، وتردد الباقيات الصالحات، والتي هي مفتاح تاج الخيرات، والبركات، والمسرات، والطيبات، فعاشوا جابري الخواطر، مفاتيح للخيرات، مغاليق للشر ينشرون السعادة، والسرور بين الناس.

 ومن البشر من تراه دائمًا بشوش الوجه باسمًا، مُتبسمًا رغم ما به من نجوى، وألم أليم؛ وهذه هي الأيام في حياتنا الدنيا تسير، وتدور الدنيا، وتحور ليلاً، ونهارًا، والكواكب، والمجرّات، والشمسُ والقمر، والسفن الجاريات، والطائرات العابرات للقارات، الكل يكمل المسير حتى التوقف ليومٍ تشخصُ فيه الأبصار مهطعين إلى الداعِ، يوم العرض، والنشور؛ والأيام، والشهور، والسنين تتحوّل فيها المسارات، وتنقلب، وقد تتغير من حال الضحكات، والمسرات إلى الحسرات، ومن الخيرات إلى الزفرات، وفي الأرض قطعٌ متجاورات، وجنات من نخيل وأعناب، وفيها من كل الثمرات، فما مضى قد فات، ويبقى ما هو آت، آت، فلا تبقى الملذات، ولا العذابات، وإنما حبلٌ موصول من الذكريات،  دُنيا نهايتها الهبوط، والزوال، من الأعلى إلى الأسفل، ومن القوة إلى الضعف، ومن الشباب إلى الشيخوخة، ومن الشهرة إلى طي النسيان مهما طال الزمان.

فبعد حين تتبدّل الأزهار، ولا يبقى الربيع ربيًعا، ولا الخريف خريفًا، ولا الصيف صيفًا، ولا الشتاء شتاءً؛ تتقلب حياة الإنسان مثل فصول السنة من حال إلى حال فسبحان مغيّر الأحوال، ومن يغيّر ولا يتغيّر؛ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، ولسوف تزول ويأتي بعد الصعود النزول.

ونحن اليوم نرى العالم كله يرى الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة يموت قصفًا وقهرًا وجوعًا، ولا يجد من يقدم له شربة ماء، ولا شربه لبن لطفل يكاد يموت جوعًا، ولا يقدم لهم كسرة خبز تسدّ رمق الجياع في غزة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت؛ وبالمقابل تجد إخوة الدم، والدين، والعروبة والإسلام وتوأم الروح يقدمون للأعداء الأموال التي بالكاد تعد وتُحصى!؛ وكأننا نعيش فصول نهاية العالم الذي فقد إنسانيته، وهو يشاهد يوم وشهور مضت على المجزرة والملحمة لشعب فلسطين في غزة، والذين أغلبهم من النساء والأطفال يتم إبادته، وتجويعهم.. والعالم يقف متفرجًا كأنه يشاهد مسرحية!

فمتى تأتي المرحمة والرحمة أيها العالم الذي يدّعي حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة كذبًا وزورًا؟ فلن تأتي المرحمة والرحمة منكم بل ينتظرها الشعب الفلسطيني من أرحم الراحمين رب العالمين؛ وانتظروا يوم الحساب يوم العرض والوقوف؛ وأنتم تشاهدون شعب غزة وفلسطين شهيدٌ يودّعه شهيدٌ، يصوّره شهيد، يسعفه شهيد يحمله شهيد، يودّعه شهيد، فكل من في غزة وفلسطين شهيدٌ شاهدٌ عليكم يوم الوقوف على رأس الأشهاد أمام رب العباد، أعظم الله أجر فلسطين في أمّة النيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى المؤمنين السلام.

(أ. د. جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل، باحث وكاتب صحفي، ومفكر عربي وإسلامي، ومحلل سياسي، والأستاذ الجامعي غير المتفرغ.  عضو اتحاد نقابة كتاب وأدباء مصر، ورئيس الهيئة الفلسطينية للاجئين سابقًا).

 

بقلم: شوقية عروق منصور

حسن وفاطمة من غزّة

يتسّع الأفق ويركب الريح وتصبح الأصوات نايات مثقوبة بالوجع، أما الأصابع فهي تتلاشى رويداً رويداً وتصبح البصمات دموعاً تتساءل: إلى متى؟ “حسن وفاطمة” هذا العنوان ليس تقليداً لفيلم “حسن ونعيمة” الذي كتبه “عبد الرحمن الخميسي” في سنوات الستينات، وأظهر حكاية الثأر في القرية المصرية، ولكن “حسن وفاطمة” حكاية العصافير التي تتحدى الأقفاص.

اشهد يا عالم علينا وعلى بيروت

اشهد للحرب الشعبية

واللي ما شاف من الغربال يا بيروت

أعمى بعيون أمريكية

كلمات هذه الأغنية التي كتبها الشاعر الفلسطيني “أحمد دحبور” ومن ألحان “حسين نازك” وغناء الفنان “حسين المنذر” مع فرقة العاشقين، والتي انطلقت عام 1982 حيث وثقت هذه الأغنية صمود المقاومة الفلسطينية واللبنانية أثناء اجتياح الجيش “الإسرائيلي” لمدينة بيروت وفيها إشارة إلى الخذلان والصمت العربي، ولم يصمت التاريخ كأنه يقوم بتخزين المواقف في الذاكرة والصفحات، وسرعان ما يبعث هذه المواقف من جديد بأصوات وأصابع وذاكرة جديدة. الصبي الغزاوي “حسن علاء عياد” (12 عام) أحب الغناء وقد ساعده صوته الطفولي الجميل على حمل رسالة الحرب والخذلان، حيث قام بغناء “اشهد يا عالم” ولكن قام بتغيير كلماتها “اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت… والعرب بنومة هنية “.

وتحوّلت أغنية “اشهد يا عالم” إلى واجهة شبكات التواصل الاجتماعي، حيث التاريخ ليس وجوه الزعماء ومهرجانات الخطابات، ولكن التاريخ مرايا تربط الأحزمة وتقول: هذه هي صوركم السابقة لا تزال كما هي، ولا تزالون تمارسون رياضة الصمت والانتحار الجماعي على أبواب الكرامة. ويقفز الخبر بأن الصبي “حسن علاء عياد” قد استشهد جرّاء قصفِ “مخيم النصيرات” في غزة.

قد يكون خبر استشهاده خبرًا عاديًّا في أجواء القصف الجنوني، ولكن رغم قسوة الموت والرحيل اعتبر صوت الصبي “حسن عياد” صرخة وجع صادقة حرّكت الصور التاريخية للأنظمة والشعوب العربية التي غرقت بصمتها في بيروت، وتمتد السنوات العجاف الأخوي العربي العالمي إلى غزة الآن.. رغم أن كل شيء في غزّة يصرخ ومن الحماقة أن نكتب عن استشهاد “صبي” بينما أرقام الأطفال والصبيان والشيوخ والنساء اللواتي يستشهدن يوميًّا أصبح أمراً عادياً، إلا أن هذا الصبي “حسن” كان صوتاً صارخاً بمرارة الطفولة راكضاً في أزقة وحارات ومخيمات قطاع غزة، حافياً إلا من صوته مردداً “اشهد يا عالم”.

 

“فاطمة حسونة”.. أضحك الصورة تطلع حلوة!

استعير العنوان الذي يوحي بالفرح “أضحك الصورة تطلع حلوة” للممثل الرائع “أحمد زكي”، لكن في غزّة لا يوجد صورة حلوة، وإذا خرجت بعض الصور فيها ضحكات عابرة يكون خلفها شلالات من الدموع وطوفاناً من الآهات الصارخة. في أحد المؤتمرات قال “إسحاق شامير”، رئيس وزراء “إسرائيل السابق”، “اقتلوهم بعيداً عن الكاميرات”، ولكن لم يعرف “شامير” آنذاك أن الكاميرات أصبحت مثل رغيف الخبز وشربة الماء، حتى أسهل من ذلك..

من الصور القادمة من “غزة”، نرى الكاميرات تصوّر الجوع والعطش والزحف والهروب من مكان إلى مكان، حيث تصبح الوجوه التي عانقت الجوع حقولاً من الصبر، متشققة، تنتظر داخل الزمن وخارجه حضور الرغيف. في الحرب على غزّة، كانت وما زالت الكاميرات هي النوافذ التي يطل منها سكان قطاع غزة على العالم مع أن هذا العالم يدير ظهره لهم، لكن إصرار الكاميرات على البقاء يقظة يجعل منها صورة وصوتاً صفحات تاريخية لا يمكن تكذيبها.

“فاطمة حسونة” مُصوّرة صحفية فلسطينية، وثقّت بفضل كاميرتها حياة المدنيين في غزة، الدمار، النزوح، الخيام، الجوع، العطش، الدموع، الفقدان، الأمراض، الخوف.. وقد قامت بعمل الفيلم الوثائقي “ضع روحك على يدك وامش وقد عُرض في عدة مهرجانات. “فاطمة”، الشابة الصغيرة من مواليد 2000،- استشهدت في غارة جوية على منزلها، وقد كتبت عندما وجدت فيلمها الوثائقي وصورها التي عرضت في معارض دولية، والتي تحولت إلى صرخات إنسانية غزيّة منشورة في كل مكان “مبسوطة إنه لسا صوري قاعدة بتلف كثير أماكن وبتنباع وإنه يمكن صوري تظل عايشة أكثر مني، وهذا مخليني مرتاحة”.

في التحليق فوق الرماد وفوق الأسماء هناك الوجوه التي تنهدت ورحلت، ولكن ظلالها ستبقى تلاحق الأيام والسنوات وتكون عنوانا لتاريخ يبدو من الخارج عتمة ولكن في داخله الأحلام الصلبة.

 

بقلم: عادل الأسطة

أقلام من تحت الركام.. “فاطمة حسونة”: أريد لموتي أن يكون صاخبا

ارتقت “فاطمة حسونة” المولودة في العام 2000، شهيدة في 18/04/2025 قبل حفل زفافها بأيام. في 04/11/2023 كتبت نصًّا عنوانه: أريد لموتي أن يكون صاخبا.  وممّا ورد فيه: “قلت لكم، أريد لموتي إن يكون صاخبا، ولن يكفيني أن يعرف به الأصدقاء فقط، لأنني لم ابذل حياتي لذلك، أريد لكل العالم أن يعرف أن موت الفلسطيني الآن يعني أن ثأرا ممتدا سيكبر ويحرق قاتله وأخاه الساكت عن قتله، والسكين التي حزّت رقبته، وأريد لكل العالم أن يعرف أن موتي يعني خسارة العالم نفسه أمامي، أمامنا، أمام نفسه…”.

لم يكن ما قتل “فاطمة” رصاصة ولا شظية ولا صاروخا، فما يقتلها كل يوم هو عجزها عن كسر اليد التي تطاولت عليها وعلى إخوتها و”قهري من كل الذين سكتوا وقت كان يجب عليهم أن يصرخوا. ما يقتلني شيء لا يرى يدخل خلسة إلى جسدي ونفسي ويعشش، يمتد كسرطان ثم يفتك بكل شيء بعد لحظة ترقب مثل ثعبان لئيم..”. ما سيقتلها لن يكون أبد هذا الاحتلال ولا الذين عرفت نجاستهم إنما خيبتها وهوان نفسها عليها وصمتها ورضاها عن قتلها وهي لهذا لا تريد لهذا العار أن يلحقها أبدا “أريد أن أعيش، أن يعرفني العالم وأن تنتهي اللعبة نهاية عادلة”. (من كتاب “عاطف أبو سيف”: استعادات مقلقة، يوميات غزة.

ربما يكرر المرء هنا مقولة الشاعر اليمني الدكتور “عبد العزيز المقالح”: “الصمت عار”.  وربما يكرر سطر “محمود درويش”: “فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة”.

نص: يزيد جبر شعت

الوجه اللطيف للموت

لماذا لا نفكر بالموت بطريقةٍ مُغايرة

أن ننظر الى النصفِ الممتلئ منه؟

بعد الموت لن نتكبد مشقةَ الحياة

أخيراً ستتوقف قلوبنا عن البكاء

وعيوننا عن الانتظار

لن نسمع أصوات القذائف

وصراخ الأطفال وهم يحترقون

الأمهات وهن يندبن فوق نعوش أبنائهن

لن نرى أشلاءً متطايرة

أو بيوتاً مهدمة تفوحُ منها رائحةُ الدماء

لن نرى طفلاً مبتور الأطراف

يحلمُ أن يمسك وردةً

أو أن يلعبَ في الشارع مع أقرانه

ربما سيكون الهواءُ تحت الأرض نقياً

ليس مَحقوناً بالبارود.

وبالتأكيد سيكون أكثر هدوءا

فلا طائرات تنبحُ على مدار الساعة

بعد الموت لن نشعر بالألم

لن نحس بالخوف أو البرد أو الجوع

نرقدُ في حضن الترابِ تراب البلاد

سيكون – بلا شك – دافئاً وحنونا

ولأول مرةٍ سننام آمنين

دون أن نخاف على أجسادنا من التشظي

 

بقلم: أ. سائد السويركي

أجساد لا تستريح

نحن الأجساد التي لا تستريح

الموانئ بلا قوارب

القوارب بلا أشرعة

الأشرعة بلا ريح

الريح بلا ضفائر

 ولا مناديل تلوح للراحلين

نحن الأجساد التي لا تستريح، خطواتنا بلا أقدام

أحلامنا بلا أجنحة

وعندما نغزل النور بأيدي أرواحنا المبتورة، نصحو على العتمة

في زمن لم نعد فيه نحن… نحن

ولا الجغرافيا جغرافيا

ولا الذاكرة ذاكرة

الطرق هنا لا توصل أحدا لما يشتهي …

ولا اللغة إلى ذاتها الأولى

إلى تأتأة الطفولة

إلى الطعم الأول

المعرفة الأولى

الخطوة الأولى المتعثرة إلى باب الدار

إلى حاكورة الجدة

إلى الدالية التي ربطوا قدمك فيها لتعرف أن الخارج خطر جدا كالداخل

يحمل ألف قناع، لا يشبهونك

نقول ما نقول لنمضي بهدوء غير معتاد إلى حتفنا

نقول ما نقول لنزرع في الإصيص ألف دمعة… وأمنية أن تختفي الوجوه الأولى من المشهد

نحن الأجساد التي لا تستريح

صدق تعبها وجرحها، ولا تصدق من حولك …

لأن ما تراه ليس حقيقيا أبدا

فهم ليسوا سوى أقنعة تمشي على قدمين

وأنت لا تزال

نقيا كغمامة

طفلا كالدهشة

وابنا للموت

 

بقلم: تالا جودة

يوم مضى… وعشرون لا!

يوم مضى

وعشرون لا!

قتلتني رتابة الأيام في السابق

والآن تقتلني العشوائية!

فما أقسى هذه الحياة

في قانونها أنا دومًا الضحية!

تجلدني دومًا بسوطها الأسود

جلدتني أنا وأيامي الخاوية

تشبثت أيامي بجسدي المتعب

فانهَرنا معًا!

لم يعد بوسعي التقدم أو الرجوع

لا أعود إلى الماضي

فألقي بنفسي في الهاوية!

ولا أمضي للمستقبل

فأعانق جثتي الدامية!

علقت في سجن الحياة

فلا نهارها راحة

ولا لياليها سكينة!

مدينة كبيرة

ليس فيها جدار من الطوب

لأحمله همومي!

فما عادت الخيام تحتمل المزيد!

أسمعها تهمس لي دومًا

تعد الأيام مثلي

تقول:

يوم مضى، وعشرون لا!

 

بقلم: خالد جمعة

للمدن “شخصيات” فلا تشبه مدينة أخرى

للمدن “شخصيات” فلا تشبه مدينة أخرى

هناك مدن “تتسوّل” على أبواب الشهرة

أخرى تنشد المال وربطات العنق

أما مدينتي التي خُلقت من سنبلة

فلا تنشد شيئا

تقوم صباحا، وتسقي شجراتها الوحيدات

تفتّت خبزاً للطيور البرية

تنظف الشوارع من عابريها العابرين

لكنها لا تلتقي صحفيًّا واحدا

لا تظهر أمام كاميرا واحدة

تتألم بصمت، تلعق جرحها بصمت

تقرأ الغيب ولا تعلنه

تعلّق الحروب على جلدها مثل “إكسسوارات”

في آخر الليل

تلملم أشلاءها في كيس لغة

تشرب كأساً من عصير البرتقال

تضع وشمًا بأسماء آخر الميّتين

تضحك، فيما تنظر إلى المدن في حفلاتها

إلى الآن، الآن الذي يعني الآن

لا تعرف أن كفها تنزف بغزارة

تقول وهي ساجدةٌ: لم يأت وقت موتي

ستراها، لو أردت أن تراها

بأساور من شهداء، يخشخشون في عنقها

ويسيلون على يديها

مثل أمطارٍ موسميةٍ

فيما العالم كله، وأعني كله

يدرس إن كان المشهد حقيقيًّا

أم خداع بصر

 

بقلم: ورد محمد

حُماة القدر الإلهي ورسله على الأرض

لو كنت أملك الزمن لأعدتكم إلى عصور مجدكم..

ولو كنت قادرة على تمزيق أستار الظلام المحيطة بكم لمزقتها ليشرق فجركم من جديد…

ولكن الورق الأخضر الذي نما منذ ستين عقداً وسط بلادنا بدأ يذوي لأنهم أخذوا يجتثون جذع الشجرة التي كانت تحمي وتظلل الأمنيات التي ترف في صدورنا..

حتى شرارة البرق التي اخترقت الغيوم البيضاء وأشعلت نيرانها في الأرواح والقلوب تركتنا جثثاً سوداء هامدة صامتة..

لم يبقَ من تربة الخالدين حبة رمل كي نذرها في العيون لتصحو الضمائر!

فليتني أستطيع أن أعيد لوطننا أعنة الخيول … وأوقد لهب الثورة

ليتني أُوقظ الإباء والصواعق والميلاد.. فقد تراخى العزم.. وانطفأت الشعلة… وعقمت الأرض!!

طالما تمنيت أن أطفئ ناراً مجنونة تعوي في شوارعنا وتحمل لكم الدمار..

وأنثر في فصولكم بذور الربيع والفرح…

لقد ناديت الأنبياء لينقذوكم فتكون المعجزة!!

وتوسّلت إلى الفاتحين ليخرجوا من أجداث التاريخ حاملين سيوف النصر ويحطموا أعمدة الروم ونجمة يهوذا ويخلصوكم من طاغوتهم إلا أن صوتي كان يرتطم بجدران السراب والوهم التي قيدونا بها…

أيها الأبرياء البائسين الصامدين كم من السموم تجرعتم!

وكم من الأفاعي جالت في أرضكم وأنتم لاهين غافلين مطمئنين!

يتآمرون عليكم في المجالس والمؤتمرات ويدفعون لكم بهداياهم القاتلة ليحجبوا أنظاركم عن الحقيقة.. فكيف للشوك أن يهدي عطراً؟!

لقد جعلوكم تتناثرون وتتناحرون وتسيرون في طرق الضياع لتصلوا إلى حافة البركان… فهل أدركتم اللعبة؟ وهل آن الأوان لتخرجوا عن صمتكم وتصحو من غفلتكم قبل السقوط في أعماق الهاوية؟

كفاكم انتظاراً فمراجل النهاية المفجعة أوقدوها لكم منذ أزمان!

توقفوا كفاكم تصفيقاً وتهليلاً لمن صافحت أيديهم قبضة الشيطان وباعوكم ليحيوا هم!

ليتكم تضعون صور مأساتكم أمام أعينكم من النكبة إلى النكسة مروراً بالانكسار والانهزام والفتنة وتثوروا على الدنيا قبل أن تحرقكم ثورة البركان…

يا شعب الجبابرة والأنبياء.. احملوا بنادقكم من جديد وانثروا شذا رسالتكم المقدسة… زلزلوا الكون… وأشعلوا الأرض بنار ثأركم لتطهروها من الدنس الرجيم… فأنتم حُماة القدر الإلهي وأنتم رسله على الأرض.

   

بقلم: ياسر أبو بكر

النكبة… جرح الذاكرة وسر البقاء

في الخامس عشر من أيار/ ماي، لا تكتفي الأرض بالبكاء، بل تمشي الجراح على ترابها وتتكلم. سبعة وسبعون عامًا مضت، ولا يزال صوت البيوت المهدّمة يرنّ في الوجدان، ولا تزال مفاتيح الأجداد معلّقة على جدران المنافي، تحفظ الذاكرة، وتصدّ الصمت.

النكبة ليست تاريخًا مرّ عليه الزمن، بل هي وجع يومي، نفيٌ متواصل، احتلال لم ينتهِ، وواقع يتجدّد في كل بيت يُهدم، وكل شجرة تُقلع، وكل طفل يُولد في المنفى يحلم بوطن لم يره لكنه يسكن قلبه. نكبتنا ليست لحظة عابرة، بل سلسلة من الخيانات والعواصف التي مزّقت خارطة الوطن، وتركت شعبًا يتوزّع ما بين خيمة، وذاكرة، وصبر لا ينفد.

لقد شُرّدنا ذات ربيع، لكننا لم نفقد الربيع فينا. فقد زرعنا في كل منفى حكاية، وفي كل مخيم أمل، وفي كل جدار اسمًا لم ننسه. قاومنا بالنشيد، وبالكتاب، وبالحجر، وبالكرامة التي لا تقبل الانكسار.

في ذكرى النكبة، لا نُحيي وجعًا من الماضي، بل نُشعل نارًا للحاضر والمستقبل. نرفع علمًا لا يزال مبللاً بدم الشهداء، ونكتب على أرصفة الصبر: “سنعود”. سنعود لا لأننا نحلم، بل لأن الأرض تعرف أبناءها، والحق لا يموت، والشعوب لا تنكسر، وإن طال الطريق. فلسطين ليست حلمًا بل هي قسم، وسنظل نحمل هذا القسم في قلوبنا، حتى تكتمل العودة، ويعود الوطن إلى اسمه، وتعود الأسماء إلى مواضعها. فمن النهر إلى البحر، لنا وطن، ولنا حكاية، ولنا غدٌ، لا يُصنع إلا بالصمود والمواجهة والبقاء.

 

بقلم الأديبة: قمر عبد الرحمن

جنين

آهٍ عليك.. وكل آهٍ مقصلة

ومن نبكي عليه.. هو لك مفخرة!

كيف ينمو الصّبر بين غصّةٍ وغصّة، وما آخر غصّة؟

شابٌ أم طفلٌ أم منزل!

أم أنّ الغصّات أصبحت سلسلة!

* *

أدركنا المبدأ والمفارقة في جنين..

فلن يستطيعوا أن يبدّلوا وسائد الخيانة بصخرةٍ في الوطن..

يضع المقاوم عليها رأسه، وهو مطمئن!

* *

ولن يبدّلوا شرفة السّلام الكاذب، بنوافذٍ

غسلَ الدّماء زجاجَها.. والبكاء

* *

ولن يهون وداع الشّهيد.. وإن هان

يحمله شباب الشّهادة في أضلعهم

حتّى يحين الوفاء

* *

المفارقة هنا.. انتبهوا!

إنّنا كلّما أخطأنا نستبق البكاء لكي نُرى!

وبينما نحن نخطئ ونبكي..

تقاتل جنين

وتواري شهيدًا تحت الثّرى

فلا تطلب منها تحسرًا

اطلب بقوّةٍ

فريحان الحقول لا ترد الطلبَ!

* *

جنين..

قمرٌ تشقّق إلى فلقتين

كي يطمئن مغادرٌ مع دمعتين!

* *

جنين..

لا ترى خراباتِ البيوت؛ فإنّ الكلّ محتسبٌ

يقف وسط المدى يراجع الفرق بين الأرض والجنّة في نظرتين!

 

بقلم الأسيرة المحررة: دعاء الجيوسي

سجال بين أمي والزمن

خارج الزمن أو في ظله، قاب قهر.. ذات عمر كله أو جله… حدث ما سأرويه لكم… ذات صيف جبلي.. ولجت بطن الحوت… وهناك عشت سنوات عشر… بين شفق وسحر…

السنة الأولى.. شفق وغسق

كان القمر والشمس في محيط السجن سابلة… وعتمة المكان في قلبي قافلة ونافلة… ما أذكره أني في سنتي الأولى كنت أشتاق لأمي… وأحفظ أن في رأسها ثلاث شعرات هرب منهن السواد… وأن ظهر يدها مُزين بخال… وهي من ذوات الملاحة وعيونها ذباحة هكذا كان يقول أبي.

السنة الثانية.. ذكريات

وجهها خمري… شعرها غجري… وصارت الصورة تلتبس… من يحب القهوة أكثر: أمي أم جليساتها؟… تُرى ما أسمعه في لياليَّ الطوال صوتها؟ قلبها أم همساتها؟ كُنت أقاتل لأتذكر قائمة أغانيها وأمثالها ومعانيها…

السنة الثالثة.. خيال

في سنتي الثالثة كنت أتخيل أُمي… بات الصورة مشوشة… كنت أتخيلها وقد توالدت شعرتها الثلاث حتى صبغت ناصيتها… وأقول أمي أنيقة لا بد أنها تُغطي شيبها بالحناء أو الغناء… وهي من فولاذ وإن غلبها البكاء…

السنة الرابعة.. زيارة

في السنة الرابعة، زارتني أمي في السجن، وعلى وقع دمعها تلاشت الذكرى ومات الخيال. وَقَفتُ مشدوهة أمام امرأة كُنت أعرفها… غادر القمر سمارها…. ستسلم رأسها للبياض والسهاد.. مات الحور في عينيها… وطار خال يديها… غادرت أمي الزيارة ومعها غادرت صورتها السابقة… ودخلت أنا لعبة الأسئلة… كيف تموت أعمارنا… وكيف تنتحر السنوات داخل الجلد… كيف يأكل أمهاتنا القيد…

السنة الخامسة.. حُب لا يَهرَم

في السنة الخامسة زارني أبي… فقلت جاءت فرصتي ساعية… سألته وهو الشاعر الذي شنف أذاننا بغزلياته… وغرامياته… أبي اشتقت لأمي صِفها لي… فقال… غزال وادي روبين والمها… ريم على المنطار مُذ عرفتها… بنت قلبي نجمة السّهى…. قلت أعطني الجديد هذا قديم… تبسم وأجاب: كانت شادن وباتت ريم…. عدت إلى زنزانتي وأنا أدمدم يا للمحبين… تدور الدنيا وهم كعامود الرحى… تُظلِم وهم كشمس الضحى.

السنة السادسة.. تلد ضدها الأشياء

في السنة السادسة، كان رأسي قد ثَقُل بما قرأت… وبتّ رغم ماركسيتي صوفية أحب تجليهم وكشوفهم… وحتى ويلاتهم وحتوفهم… أحببت الحلاج ولعبة الأضداد…. وكنت أقول للرفيقات من بنات المدن الداخلية والمعازل واللواتي لم يزرن الساحل… البحر ملحه أجاج ومن رمله يتفتح الزجاج وهذا القيد والقهر سيلد قيداً يحمل الفجر… والفجر بنوره ليس ضنين… فيتبسمن ويقلن: والله ما خرّب عقلك إلا الحلاج وجلال الدين..

السنة السابعة… بشارة

مع دخول السنة السابعة، كان جندياً صهيونياً وقع في يد أهل البلاد واستقرت في يديه الأصفاد… وكنت أقول هذه لعبة الأضداد قيدنا وَلَّدَ قيداً في الجنوب ومنه ستولد حريتنا والقلوب… توالت الأخبار…. حرب ثم تخرج البلاد سالمة…. حصار وتظل البلاد قائمة والقيد لا يزال في يدي الدعي… وأهل الجنوب يقاتلون وكأنهم ألف نبي..

السنة الثامنة.. زنبقة تتفتح

منتصف السنة الثامنة، عادت أمي للزيارة، وقفت أمامي كرمح عربي قديم… وقالت: هذا زمان الشد فاشتدّي، والله لوددت أن أطير إلى طرف البلاد وأقاتل مع أهلها كُل المحن… والله لو على حجر ذبحونا لن يأخذوا الدعي إلا بثمن… والله لو على قبر وضعونا ووقف الزمن لن يأخذوا الدعي إلا بثمن وبعد أن يأخذوه سوف نعيدها… ونعيدها… تبسمت لها وسألتها الغزلان تقاتل؟ شدت على يدي وقالت: ولم لا؟ لا أن أرى جمالك أبعدك عن القنابل.. وهذا زمانها وأوانها..

السنة التاسعة.. في الطريق..

عند ميلاد السنة التاسعة، كانت البنادق على حد البلاد تختصر الزمن الذي قفز من شفقه والغسق حتى السَّحَر والفَلَّق… وبات الفجر كمولود أسطوري يزحف نحونا… وجاءت أمي للزيارة، رأيتها للمرة الأولى تبتسم وتناقش التاريخ والتأريخ… وتقول: هاك وعدهم المزعوم مات عند الداروم على الأبواب أين إبن كوخافا وشمشون ويوشع ورحاب كلهم ماتوا… ونحن لا زلنا هُنا.. ثم أوجزت كل أخبار صفقة تبادل الأسرى: وقالت: ها ركع أبناء أُمهاتهم وسيركعون عند غزة والدامون… على الكرمل وفي اللطرون.. وبعد الركوع لا رجوع..

السنة العاشرة.. فجر

مع اقتراب سنتي العاشرة من تتمّتها كُسر قيدي وخرجت من بطن الحوت… عُدت في موكب طويل إلى رام الله وبعدها طولكرم… كانت أمي على باب الدار… تُسدل ثوبها كعشتار وتُغني لم ُيتعبها الغناء ولا الحداء ولا تزال تُغني.. أهاتفها فتقول: يا بنية علمي أولادك… أن البلاد كل البلاد لنا، وأن أبناء راشيل ورحاب الخنا، لن يظلوا عندنا.. وأن الحديد والوعيد يُخلق هنا… أُنهي مهاتفتي معها وأتصل بأبي فيقول: ما الشكوى أترى ريمي لا زال يتوعد؟ فأجيب: بلى… يضحك طويلاً ويجيب: هذا ريم جبلي لا يُروّض…. وأنا معه وبعده أقول: أمي كل الآرام والأيام، أمي المنارة البيضاء في الشام…. عندها سينزل المسيح… في كفيها يُولَّد الريح وعلى طرف ثوبها يُكتَبُ الميلاد والميعاد وبينهما اسم البلاد.

 

بقلم: حسن حميد

عن البطولة!

فعلاً، هي بطولة، وصبر، وشجاعة، وإخلاص ما بعده إخلاص أن تصدر جريدة فلسطينية يومية، كل ما فيها أسى، وجروح، ودماء، وأشلاء، وشكاوى، وبكاء، ورثاء، وعتب، وندم، وظلموت يطال كل شيء متحرك وساكن، وحرائق للبيوت والأشجار والثياب والخيام والكتب والقراطيس والأقلام والحبوب والأدوية والطحين والمواعين والحصر والكراسي والطاولات وحليب الأطفال والأبواب والنوافذ والسقوف والستائر والأفرشة واللحف والوسائد وأكياس الطحين والسكر وأواني البلاستيك والمكانس والسلال والهواتف المحمولة والأجهزة الكهربائية عامة وقفف الكاوتشوك وحبال الآبار والدجاج والبط والأوز والأرانب والحمير والبغال والكدش والخيول وعربات الكارو والمقابر والكلام والبكاء..

وأحزان جلية ظاهرة مثل شمس الصيف تحيط بمن قُتلوا في الدروب والزوايا والخيام والمدارس والمشافي والمعابد وقرب الشواطئ، وفي الحواكير، والبراري، وقرب فرنيات الطين التي صارت بديلاً لأفران الخبز، (فرنيات) أقيمت على عجل من أجل الخبز، وفطائر الحميضة والزعتر وحشائش الأرض، وقرب أمكنة توزيع المساعدات الغذائية التي انتهت مددها الزمنية، وشَوتها الشمس حتى تكاثر دودها، وانتشرت روائحها، وبدت ألوان عفنها الخضراء والبيضاء والبرتقالية، وقرب “قُدور” الشوربة والمعكرونة، والبرغل، والأرز الذي يوزّع عجيناً، وبكميات قليلة، وهو غير صالح لإطعام البشر، إنه أرز حبّاته طويلة ضامرة، مكتوب على علبه الكرتونية “خاص بالدواجن”، وبقرب علب الكرتون أكياس خيش فيها حَبٌّ لونه بني، حب مستدير مكتوب على أكياسه “كرسنة” أي جلبانة، وهي طعام يقدّم للمواشي مع التبن بعد أن يطحن، يبدو من بعيد كما لو أنه حب عدس كبير، وبالجوار أيضاً ما تبقى من علب بسكويت أفسدتها حرارة الشمس فامتلأت دوداً لونه رمادي يميل إلى السواد. 

يا إلهي، أيّ قُدرة، أيّ بطولة، يتمتع بها هؤلاء البشر، أهل الصحافة، وهم يجمعون هذه الأخبار الباكية التي يسيل منها خبر واحد، صوره كثيرة، خبر واحد فحواه الحقد، وبه تلحق صفة الأعمى، بلى، إنها بطولة أن تنشر صحيفة فلسطينية يومية أخبار الأسى، لتقول للداني والقاصي: إنّ شعبًا يعيش في أقدس أرض، بنى عمراناً لا يضاهيه عمران لم يخالطه الظلم في الدنيا كلها، وشعباً كتب جماليات عقيدته بحروف صرن هن الحياة والرجاء والأمل، وزرع الأرض بالقمح والورد والخروب، وحرسها بالصحو والعافية والعلم، ونشر الكتب العارفات المعرفات الثقال.. ليعرف البشر معنى المحبة والسلام والفرح، شعبًا كتب أول نشيد في الدنيا تغنّى بالحرية والمجد والأخوة والأرض والفرح نقشًا على القناطر وبوابات البيوت، وعتبات المعابد، شعباً قدّس الأمكنة والأطفال، وجعل الرضا أقواس قزح، وضفاف الأنهار أشجاراً وأعشاباً وطيور أوزٍّ وبطّ، وخيولاً لها صهيل له قومة تشبه قومة الأناشيد، وقرى تطلق صباياها في غبشة الفجر كل يوم لتبارك ماء الأنهار بالأغاني، ولتغسل الثياب والأجساد بالنعناع البري، شعباً سمّى أرضه: فلسطين، فسماه التاريخ: شعب فلسطين، شعباً تلفه منذ 76 سنة مجزرة واحدة تتناسل الدم، والموت، والبكاء، والخوف، وتبني المقابر، وتقلع أشجار الزيتون، وتحرم الناس من الفرح، ومن قولة: بلادي، بلادي، مجزرة تشد بأنيابها على كل شيء، وها هي بادية جلية مثل شمس النهار في الضفة الفلسطينية وغزة، شعبا… نادى منذ أن عرفت الدنيا الأنوار: وعلى الدنيا السلام.

بطولة الصحيفة الفلسطينية اليومية، تتجلى في بأس هذا الصبر وقوته، والنفس الطويل للصحفيين، والقدرة العجيبة على كتابات الأخبار التي تقطر دماً ليس من الأجساد التي اخترقها الرصاص “الإسرائيلي” وحسب بل من الأشلاء التي يعثر عليها هذا البيت الفلسطيني أو ذاك أو ذلك، وألسنة الجميع تسأل أسئلة غريبة عجيبة، أسئلة لم تعرفها الأساطير ولا الميثولوجيا ولا مكنونات السحر، ولا قرى البشر، ولا أزمنتهم الصعبة، أسئلة تنادي في الناس: من وجد منكم شهيداً تنقصه ذراع، ها.. لدينا ذراع، يتنادون ويسألون ويجولون باكين حريصين على أن يذهب الشهداء إلى قبورهم بالقيافة اللائقة، يسألون من وجد منكم شهيدة تنقصها عين، ها.. لدينا عين زرقة لونها بحرية، ويسألون حيارى، من وجد فيكم قدماً لطفل شهيد، ها.. لدينا طفل تنقصه رجله اليمنى، كي يذهب آمناً راضياً، ممتلئاً ثقة، وهدوءا، وهو يمشي على الصراط، ويسألون من وجد منكم كفّ شهيدة صبية، لا خاتم ذهبيًّا في أحد أصابعها، ها.. قد وجدنا خاتماً ذهبياًّ ما زال قادراً على الإبراق، لتذهب به، متذكرة فرح خطوبتها التي كانت، ويسألون من وجد منكم جثة الشهيد أبو عبودة بائع التّرمس في المخيم، ها.. قد وجدنا حزامه الجلدي العريض (أبو بزيمين) وهو بتمام شقرته، ويسألون شارقين بدمعهم، من منكم وجد جثة نجمة، زينة صبايا المخيم، ها.. قد وجدنا شعرها الأشقر ومنديلها الخمري…! 

يا الله، من أين لهؤلاء الصحفيين القدرة على تلقّف الأخبار، ومن أين لهم القدرة على كتابتها على هذا النحو، إنهم يكتبون بكاء الناس، وقولات الجروح، والألفاظ الأخيرة التي تطلقها شفاه من باغتهم الرصاص هنا في سوق الحسبة/ سوق الخضار، هذه صحيفة تنشر خبرا كتبه كائن نوراني لا قلب له سوى الجسارة، كتب هذه جثة (أبو خديجة) مبروك مخيم جباليا، محروقة إلى حد التفحّم، لم يعرفه أحد من جامعي أشلاء جثث الشهداء في سوق حسبة مخيم جباليا، طفل حي، ابن عشر سنوات، كان يخافه كثيراً، قال وبعفوية مدهشة: هذه جثة المبروك “أبو خديجة”، فانتبه من هم حوله، قالوا له: كيف عرفت؟ قال هذه خرزات قلائده منتشرة حوله، فهزّوا رؤوسهم، نعم كانت خرزات قلائده تحيط به كالأسوار، هي الأخرى، احترقت، فكفت عن الحركة والاصطفاق واللمعان فوق صدر “أبو خديجة” لأنه احترق، لأنه مات.

وهذا خبر لصحيفة يومية أخرى، لعل كل ما فيها هم من أهل جنون غير معروف من قبل، يقول الخبر، هذه سيارة طاردتها مسيرة (كواد كابتر) فدمرتها بصاروخ كله نار، عجن حديدها وكاوتشوكها بلحم ركابها وعظامهم، كان ركّابها ستّة، وهم إخوة، يعملون في إحدى تكايا توزيع الطعام، انتهوا من عملهم قبيل الغروب، فعادوا ليقولوا لأبيهم مبشرين: ها قد نجونا اليوم أيضًا… يا أبي! وليقول صغيرهم (ابن الـ 12 سنة): أحتاج إلى 70 شيقلا فقط يا أبي كي أشتري الموبايل، هذه المرة.. لم يصلوا إلى أبيهم، ولم يقولوا له ما أرادوا قوله، وأبوهم لم يسمعهم.. لأنه نادى من هم حوله كي يستقيموا، ليصلي عليهم إمامًا بالبكاء والتمتمات، وحين خار جسده هوى فارتطم بالأرض وهو يقول: لمن تتركوني.. يا أولاد! أيّ بطولة هذه، يا أهل صحافة فلسطين! أيّ بطولة لمن كتب هذا، ولمن رتّب الحروف، ولمن راجع اللغة، ولمن أجاز النشر، قولوا لي.. أرجوكم!

 

نص: يوسف القدرة

في صدري بئرٌ

في صدري بئرٌ

يصرخُ فيهِ رجلٌ يرتدي جلدي.

أعرفُه،

لكنه لا يعرفُني.

* *

القطةُ التي التهمتِ ظلّي

تركتْ على الأرضِ

دفتراً ودمعةً وسُعالاً طويلاً.

* *

في الليل،

أعلّقُ قلبي على شجرةِ برقٍ

وأدخّنُ أصابعي واحدةً… واحدة.

* *

أيّها العالمُ المصنوعُ من ورقِ الجرائد،

أحببتُك كما يُحبّ مجنونٌ مطرقتَه.

بلا سبب،

وبلا نجاة.

* *

شربتُ قهوةً سوداء

مخلوطةً بظلّي،

تقيأتُ ساقَ جدّي

وعينَ أبي

وابتسامةَ معلّقٍ على حبل الغيب.

* *

كم أنا لعنة،

مربوطةٌ بخيطِ الدم،

أدورُ حول نفسي،

كأنني طبلٌ نسيَ إيقاعَ الحرب،

أو جثّةٌ تُدرّسُ النحوَ في جامعةِ الجنون.

(الصورة التقطتها في متحف تاريخ مارسيليا)

 

بقلم: فراس الطيراوي

ستبقى حاضرا يا وطن في دم الياسمين

مثلما كنت ستبقى يا وطن، حاضرًا في ورق الدفلى، وعطر الياسمين، حاضراً في التين، والزيتون، في طور سنين، حاضرا في البرق، والرعد، وأقواس قزح. في ارتعاشات الفرح… حاضراً في الشفق الدامي، وفي ضوء القمر. في تصاوير الأماسي، وفي النسمة. في عصف الرياح، في الندى والساقية، والجبال الشمّ والوديان، والأنهر في تهليله أمّ، وابتهالات ضحيّة، في دمى الأطفال، والأطفال.. في صحوة فجرٍ فوق غاب السنديان، في الصبا والولدنة، وتثني السوسنة، في لغات الناس والطير، وفي كل كتاب، في المواويل التي تصل الأرض، بأطراف السحاب، في أغاني المخلصين، وشفاه الضارعين، ودموع الفقراء البائسين، في القلوب الخضر والأضلع … في كل العيون …

مثلما كنت، ستبقى يا وطن، حاضراً، كل زمان، كل حين. مثلما كنت ستبقى يا وطن، حاضراً في كل جرحٍ وشظية… في صدور الثائرين الصامدين، حاضراً في صور القتلى الأطفال والنساء والشيوخ والشجر والحجر والطير فى سمائنا. وعزم الشهداء في تباشير الصباح وأناشيد الكفاح، حاضراً في كل ميدانٍ وساح إلى آخر قصيدة شاعر المقاومة الشهيد الغائب الحاضر “توفيق زياد” طيب الله ثراه. ففي الذكرى النكبة الثامنة والستين رغم الآلام، والجراح، والتشريد واللجوء في كل بقاع الأرض إلا أننا مؤمنون وإيماننا راسخ كرسوخ الجبال والصخور، بأننا عائدون إلى حيفا، ويافا، وعكا، واللد، والرملة، وتل الربيع، وصفد، وبيسان، وكل فلسطين من أول حبّة تراب حتى آخر حبة تراب.

فهذا الكيان المصطنع لا بد له أن يزول في يوم من الأيام. فهذا عهد ووعد ممّن خلق السماوات والأرض. وكيان الاغتصاب نفسه يعرف ذلك وإن كل ما يقوم به إنما هو مؤقّت لا ديمومة له، كونه يسير في خطوات نحو الغروب، والانكسار والانحسار، أما صاحب الأرض والتاريخ يسير بخطى ثابتة نحو الشروق والانتصار. فغداة النكبة الأليمة قال أحد مؤسسي الكيان الصهيوني، “دافيد بن غوريون”، مقولته الشهيرة “الكبار سيموتون والصغار سوف ينسون”. لقد سقط هذا الرهان وها هي النكبة تدخل عامها الـ 77، وإذا كان الكثيرون من الكبار قد ماتوا فإن أجيال الصغار جيلا بعد جيل، لم تنس ولن تنسى، وما زالوا مستمرين في الكفاح والنضال حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني والعودة، فهذا الحق ثابتٌ راسخٌ غير قابل للتصرف، ولا يملك أحدٌ حق التنازل عنه والمساس به في أي حال من الأحوال، فالفلسطيني مرتبط بهذا الحق كارتباط الشريان بدمه، والقلب بنبضه، والجسد بروحه.. فإن النكبة ذاكرة شعب وذاكرة وطن لا تقوى الأيام على إطفاء شعلتها مهما اشتدت أعاصير التحديات وطال الزمن رغم كل الإرهاصات والاستيطان المستعر وجدران الفصل العنصري والإبادة والقتل منذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله والسجن والسجّان لن تستطيع دولة الأبارتايد القضاء على روح المقاومة، وإرادة العودة، ولن تقوى على إطفاء شمس الغد، فمهما تفنن الغاصب في قمعه للإنسان الفلسطيني، ومهما حاول تغيب حاضره فإنه لن يكون قادراً على محو الماضي، أو سرقة المستقبل فالمستقبل حتما سيكون للثوار ولصاحب الحق و الدار الذي مازال يحتفظ بمفتاحه وهذا المفتاح هو رمز الإصرار على العودة ويتناقل من جيل الى جيل فهو أمانة في الأعناق من الأجداد الى الأبناء والأحفاد، ولا احد سيخون هذه الأمانة لأننا دفعنا من أجلها الكثير من دماء الشهداء الأبرار، وأنين الجرحى الأبطال، وآهات وعذابات الأسرى البواسل في الباستيلات.

وفي حسن الختام، سنردد ونقول ما قاله الشاعر “حسن البحيري”: سأرجع مهما ترامى البعيد… ومهما توالت دجى الأزمان… لأحمل أرضك ببين الضلوع… وألثم تربك بالأجفان… وإن وقفت شامخات الجبال… أمام رجوعي إلى موطني… فهمة روحي لن تنثني… وهامة عزمي لن تنحني..

وإن الإرادة والتصميم على الثبات والرفض تنطلق من مقومات العقيدة في شعب تعلقت روحه بقدسية فلسطين وعرف أن التفريط فيها تفريط بهذا الدين، فكانت صرخة شعب فلسطين صرخة هوية وعقيدة وكرامة وحرية ولا بد أن تشرق شمسننا الفلسطينية يرونها بعيدة ونراها قريبة وإننا لصادقون ومنتصرون بإذن الله.

 

شعر: فرحان الخطيب

“سميح القاسم”.. قيثارة فلسطين

تعالَ إليَّ وانظرْ يا سميحُ أنا طفلٌ شَهيدٌ أو جَريحُ

أنا غصنُ وتحْطُبُ بي فؤوسٌ وتقذفُ بي معَ النّيرانِ رِيحُ

أنا في “غزّةَ” الجُلّى صُمودٌ وطوّقني عَدوٌّ مُستبيحُ

وحَاصَرني زناةُ الأرضِ جَهْراً وجُرحي من مُدَى غَدرٍ يَصيحُ

تعالَ فإنَّ لي وَجهاً مُدمّى وقبلَ الحَرْبِ لي وَجهٌ صَبيحُ

تعالَ إليَّ لَمْلمْ لي ضُلوعِي أنَا جَسدٌ على جَسدٍ كَسيحُ

وَذَنْبي أنّني جَذرٌ بأرْضِي وَهُمْ في رِمْلنا وَهْمٌ وشِيحُ

وذَنْبي أنّني نَخلٌ عريق وهمْ سُمٌّ زُعافٌ أو فَحِيحُ

* * *

تعال إليّ وًاحْملني شهيداً كَما أنشدْتَ يَوْماً يا سَميحُ

لقدْ كفّنتُ ذَاتي في ثِيَابي وبينَ سُفوحِنا قَبرِي صَريحُ

لقد هدمَ الغزاةُ بيوتَ أهْلي فلا جَسَدٌ سليمٌ أوْ صَحيحُ

لقد هَجَموا كَما وحشٍ جَريحٍ أتعلم مَا هُوَ الوحشُ الجَريحُ!؟

فقدْ بَلغتْ نَواجذُهُ الحنايا ونابُ عدونا عفن وقيحُ

تفسّختِ الجلودُ بحرّ شَمسٍ وليس يلمّ أشلائي ضريحُ

وفي لُغةِ المَجازرٍ قد تَساوَى غريبُ الدّارِ والفِعلُ القبيحُ

وصُرنا بينَ نارٍ من سَماءٍ ونارِ الأرضِ جمَّرهَا صفيحُ

وقدْ ضَاقتْ مَقابرُنا عَلينا وضَاقَ الوقتُ والأفقُ الفسيحُ

فلا تغفرْ لهمْ ذنباً إلهي      ولا تغفرْ محَمّدُ والمسيحُ

* * *

تعالَ إلي وَاسْمَعْ يا سميحُ أليسَ بعُرْبِنا عقلٌ رجيحُ

يصيحُ بهم إلى طُوفانِ أقصى سِراعاً، أم لَهم نظرٌ شحيحُ!؟

تَعامَوا عن مَصَائِبنا وولّوا وهلْ قيسٌ عدوّكً يَا ذُرَيْحُ

فلا خجلٌ لديهمْ أو حياءٌ ونَخْوتُهم بقَبرٍ تستريحُ

يحاصِرنُا العدوُّ فحاصَرُونا فهلْ صُمّوا ونحنُ لهمْ نَصيحُ

يعزُّ عليّ يا أبناءِ قومي وسيفُ جهادِكمْ عنّا يُشيحُ

فوا أسفي على عَرَبٍ نيامٍ وليس بهم شُجاعٌ أو فليحُ

ولكنّا كما الفينيق نحيا وللطوفانِ دَوْماً يَا سَمِيحُ

 

شعر: محمد حسني عرار

على جدار القدس

على جدار القدس

نثرت ُ الدمع

على جدار القدس

نثرتُ أزهار الوجع

وقتلت العصافير

وانطفأت مثل

الشمع

دمي المطروح على أسوارها

والشحارير تغزل ُ بحورها

واليل ينجلي والورد

والنجع

أنا والليل والكلمات

نعزف دندنات الوتر

نبكي من دمعنا الحجر

على جدار القدس

استقبلتني الملاحم الشعرية

فانتصرت، وارتطمت ُ

بانغام النرجسية

ترنحت ُ ثملا ً تمايلت

قبل الرصاصة الحديدية

ورفعت راية العرب

في بلادهم الفرنجية

فسخر مني الزمان

وصرت ُ اليوم َ منسيا… على جدار القدس

انتفضت للموت مناديا

أنا ابن الوردة الأندلسية

أنا ابن الكلمات الإنجيلية

معي جيش ٌ من الحروف

معي مذاهب الحرية

على جدار القدس

رحبت بالموت مهللا

فخلته طفلا مدللا

في أساطيرنا الفلسطينية

أنا ابن القلم والرمح

أنا ابن الشطح والنطح

ولا ألف منكم يردونني

ولا بعض التعاويذ السحرية

لا تهزني لهبات أسواطكم

فأنا شاعر الملاحم الندية

على جدار القدس

قصصنا وأنسام الطفولة

وأطنان من الشهداء ِ

سكبوا الدماء

بباسلة بفروسية

على جدار القدس

دعونا الموت لفنجان قهوة

ورحبنا به بمضافتنا ضحية

وانتصرنا من قبل في

حطين والقادسية

فذكرتنا الأسوار وسجلت

تاريخنا الحافل ِ بالحرية

ذكرتنا أغصان الزيتون

في جبل الزيتون

ذكرتنا المداخل ُ

في القدس

على جدار القدس

نظمت ُ جدارية النصر

ورفرف الحمام

يزف أبطال الحجر

يزف الموت الذي

راح مرديا…

 

بقلم: علي شكشك

وطن حيّ لا تقطنه روحان

حتى التسمية فقدت قدرتها على الإدهاش، فقد لكناها ولاكتنا حتى امتزجت فينا، وتعايشنا معها إلى درجة التآخي والتآلف، كما أنها لم تعد مجرد حدثٍ منذ أن أصبحتْ سيرورةً بصبغة الدوام، وهي هكذا حتى يجيء كلَّ فَينة شاعرٌ أو حاكي يُعيدُ لها ألقها ونضارتَها وبكارتها وإدهاشها ونكبتها، فقد تجددت عندما تساءل “إميل حبيبي”، كما عندما عاد “غسان كنفاني” إلى حيفا ووضعنا في مأزق الهوية فتوهج فينا ألقُ النكبة وبرعمُها من جديد، وهي بهذا متميزة.

كما أنها تستعصي على الذاكرة، فلا تقبل النسيان، ولا التوطين، ولا التنازل أو التأويل ولا الذوبان، وهي تطفو على الضمير والواقع المَعيش، فكم عائلة فلسطينية اجتمعت كلها مرة واحدة في مكان واحد وزمان واحد منذ حدث ذلك الشيء؟ ولقد اضطرّ “جبرا إبراهيم جبرا” – وقد عزَّ البَرُّ – إلى وضع أبطال روايته الفلسطينيين في سفينة تمخر الماء، فكيف الآن وقد (ظهر الفساد في البر والبحر) وأصبح لشهر آذار مذاقٌ مختلف بمجرد أن يقترب شبحه، فنعبره ذاهلين، ويغادرنا متسائلين، إلى أن يذوي، فرائحة أحاديث سمر الآباء والجدّات تُهيّج ذائقتنا التخيلية لمجاهيل البيّارة والبرتقال وزيتونةٍ في حوش الدار وجميزةٍ في القرية والجرن والمحاجر، وكم كنا أطفالاً ونحن مستغرقون في خشوعِ صلاةِ الإصغاء، التي تُحرِّم في رهبة تلك التراتيل خطيئة السؤال.

وقد تأسّست منظماتٌ وهيئات لامتصاص الارتدادات، وصدرت قراراتٌ وتزلزلت الأرض بأيديولوجيات وانقلابات لِنَكْبِ النكبة، إذ لم يجرؤ التاريخ قبلاً ولا بعداً على إنتاج مثيلٍ لما جرى ولا على إنتاج شخصٍ “يُبلفِرُ” وعداً كذلك الوعد، ولم يُغلق التاريخ فضاءَ الفوسفور على أحد، ولم يسجن أحداً خارج الأرض. وهي أيضاً متجدّدة، ففي كل يومٍ تضيقُ البسيطةُ الواسعة بالفلسطيني وكذا الأفق، وتضيق وثائقُ السفر وحقُّ الإقامة والعمل، كما يتعذّر عليه السفر لواجب تشييعٍ أخيرٍ لأبيه، والالتحاق بزوجته وبنيه، أو اقتراف الحلم بالصلاة في معراجه ومسراه حيث وَضَعَ الخاتمُ ختمَه على الأرض وحولها والجدار، تلك غاية المشتهى، وعاصمته وسدرة المنتهى، حيث فرض الله على عباده الصلاة، وأرادها لنا عاصمةً، تعصمُنا وتنهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي.

وإذا كانت كلُّ أزمة تولدُ كبيرةً ثم تهون بحكم سُنن الرحمان، فإن نكبتنا بدأت كبيرة وما زالت تكبر، فالإحلال والإعلال والتهويد والتهجير والإبدال لا يتوقف تحت أيّ حال، كما ضاق شعارُ الذين استقبلوا اللاجئين بالتهليل والتكبير يوماً ما، والقادمون من أسفار الملوك يُشعلون الماءَ في أحشاء البيت، ويقطعون الطريق على العهد، وأمام حائط البراق يقطعون الطريق إلى السماء، وعند النهر يصادرون ماء معمودية “يوحنا”، وعند الجبل الذي لاح منه “عمر” وتابِعُه على الأتان، شيّدوا المصفاة لِرصدِ أيِّ احتمال. وهي الأولى التي تتحالف فيها القبائل لِرصدِ الداء والدواء والغذاء وحقك الذي اغتصب لا يُسترد بما به اغتصب، وأنت إن نطقتَ متّ وإن سكتّ متّ، ووحدَك تكون – مثل يوسف – وجُبُّك مَدى، لا يلتفت إليه السّيّارة الذين التقطوه وباعوه بثمنٍ بخْس، وحدَك والحقيبة، نبعُ الحقيقة، فقد زيفوك حيًّا، واستباحوا وردَ الحديقة، وشوارعك، ومضجعك، ومقعدَك، والزاوية التي كنت تركن إليها في مُصَلّاك، والنافذة التي أنضجتْ حواسّك على مُشتهاك، واللوحة المعلقة على الجدار لطفلٍ قبل أن يُصبح جدًّا لك، وسلبوك عيون أبيك، (وحتى لو وضعوا مكانهما جوهرتين، تُرى هل تَرى، هي أشياءُ لا تُشْتَرى). وأنت الساميُّ ابن الساميّة، كلما دخلوا قريةًّ ورفعوا أعلامهم أخرجوك، غريباً هناك في ديار الخليل تكون، لا يجتمع هناك اثنان، أنت وهم، فكيف هنا وقد أَعلن التاريخ أن الوطن جسدٌ حيٌّ لا تقطنُه روحان.

 

بقلم: عيسى قراقع

سميح القاسم ولوركا.. لقاء ما بعد الموت

رحل الشاعر الفلسطيني “طائر الرعد”، سميح القاسم، في اليوم نفسه الذي توفي فيه شاعر إسبانيا العظيم “فيديريكو غارسيا لوركا”، وقد التقى الشاعران الكبيران أخيرا في لحظة الموت، بعد انتظار طويل على المسافات الصعبة، وبعد رحيل ملحمي تفوّق على التاريخ، وكل أشكال الاضطهاد السياسي، عندما عبروا معا فوق جسر القصيدة من الأندلس إلى القدس.

كان “سميح القاسم” يبحث عن “لوركا” في شوارع مدريد، وفي دهشتها، سحرها وحضارتها وقصورها وحدائقها، وفي سجونها وقبورها، وينادي على هذا الشاعر الثوري الذي الهم الثورة الأدبية والثقافية والسياسية في إسبانيا، حتى صارت موشحاته وأشعاره ومسرحياته سيفا وغضبا سلط على الفاشية، وتحولت قصائده إلى شرارات ألهبت حماس الشعب للوقوف بوجه الدكتاتور “فرانكو” وأنصاره.

فدريكو

الحارس أطفأ مصباحه

انزل

أنذا منتظر في الساحة

مشتعلا بلهيب الوردة

قلبي تفاحة

طورد “لوركا” وسجن وعذب، كما طورد “سميح القاسم” واعتقل بسبب قصائدهما الغاضبة والمتوقدة والرافضة للظلم والقهر والتمييز العنصري، اقتربا كثيرا من الموت، فأعدم “لوركا” يوم 19//8/1936، في اليوم نفسه الذي توفي فيه “سميح القاسم”، فمنح الموت وظيفة إنسانية، حارسا على باب المدينة الضائعة المفاتيح، برغم تيقّظ الموت وقوة حراسته، فتوحّد مع “لوركا”، وحمل الحياة نيابة عنه في مواجهة الاحتلال “الإسرائيلي” للشعب الفلسطيني، عندما تشابه العالمين الدمويين لهذين الشاعرين، وقد التقيا في آب/ أوت أخيرا بعد أن جمعتهما القصيدة وأصوات الحرية.

ظل “سميح القاسم” ينتظر في ساحة غرناطة قدوم “لوركا”، ليحتفلا معا بزوال الاستعمار وبرحيل الفقر وانتصار الإنسانية والديمقراطية، يحمل معه من الرامة ذخائرا من حب وقصائد، سلام فلسطين إلى شاعر إسبانيا وقلبها النابض، سلام شعب يعشق الحرية ويقدس الكرامة، يقرأ نبضات الكون بانتفاضاته وتمرّده على المحتلين والمستوطنين.

فدريكو

قنديل الحزن قمر

الخوف شجر

فانزل

أنا أعلم أنك مختبئ في البيت

مسكونا بالحمى

مشتعلا بالموت

فانزل

كان “لوركا” مُعلّقا على أنشوطة الإعدام، لم ينزل إلا قتيلا، لم يفتح باب السجن إلا على جثته التي ألقيت في ساحة مدريد، ولم يتحقق اللقاء إلا بعد 75 عاما في لحظة الموت، في الساعة نفسها وفي اليوم نفسه وفي الشهر نفسه، في غرناطة والقدس، هنا ابن زيدون وبابلو نيرودا وفيصل الحسيني وياسر عرفات، هنا قرطبة ورام الله ومحمود درويش ومسرح العرائس، وهنا غزة المقتولة بصواريخ الاحتلال، هنا الشهداء والأسرى، والمخيمات، وهنا البحر والتفاح والبرتقال، الصورة نفسها، الجندي نفسه، الموت هو الموت.

انزل فدريكو

وافتح لي الباب

أسرع

أنذا أنتظر على العتبة

أسرع

رحل “سميح القاسم” وهو يصرخ في العالم مسرعا إلى عناق الحرية، ينادي على “لوركا” الفكرة والثورة والإنسان، حمل لغته وعناده وثوريته في كل كلماته وأشعاره وسرديّاته، وظل يهدر في وجه الدبابة الإسرائيلية ومخططات الاحتلال، ظل ينادي ضد الموت الإباحي، ضد إعدام شعب لا يريد سوى السلام والحرية والاستقلال. لم يلتق “سميح” بـ “لوركا” إلا عند الموت، اجتمعا معا في الأبدية، وتركا خلفهما لهيبا من لحم ودم وكلمات، صوت الغضب الثوري، كبرياء شعب يكره الاستبعاد.

أسرع

في منعطف الشارع

جلبة ميليشيا مقتربة

قرقعة بنادق

وصليل حراب

افتح لي الباب

أسرع خبّئني

فدريكو… فدريكو

سقط “لوركا” وسقط “سميح” في شهر آب/ أوت، ارتوت أرض فلسطين وشعبها بما قدّماه للإنسانية ولكل الأحرار والشعوب من أفكار ومبادئ وصهيل ثوري، الأول أعدموه لأنه وقف في وجه الطغاة ولم يساوم، والثاني أعدموا شعبه وأولاده أمام عينيه، فحرّض أهل القبور والمقابر، وحرّض الأحياء والأموات، ولم يساوم.

هي قصائد عالمية لكل البشر الساعين للحرية، وكما يصفها الشاعر “لوركا”: “تضيء الحقل كقفير نحل صغير بعسل دامٍ، صاغها النحل من ثغور النساء، ولهذا حين تنفلق، تضحك بأرجوان آلاف الشفاه”. “لوركا” الذي عشق الفن العربي وحضارته، أحيا موشّحات وأغاني “زرياب” وهو يعزف على أوتاره الحميمية، موسيقى المنتفضين في وجه الظالمين، إلهام “سميح القاسم” في غنائياته، وهو يخوض صراعا ضد شطب الهوية الوطنية ومعناها على أرض فلسطين.

فدريكو

النجمة جرح

والدم يصيح على الأوتار

يشتعل الجيتار

لوركا وسميح، توهّجا هنا وهناك، كتاب البيان والتبيين والحق المبين للمعذبين والمقهورين، تمازج الأفكار والقوافي والأغاني، والمشترك في الحب وعشق الأرض وتحرير الإنسان، هندسة الحرية في كل مكان، أعمال ملحمية تتحدى أساطير المحتلين بقوة الحق والتعبير، وتفتح الصوت الواحد في كل الأصوات.

الحرس الأسود ألقى في البئر سلاحه

أعلم أنك مختبئ في ظل ملاك

ألمحك هناك

زنبقة خلف ستارة شباك

ترتجف على فمك فراشة

وتمسك شعر الليل يداك

 

بقلم: ماجد مقبل

“خليل بيدس”.. أحد رواد النهضة الثقافية في فلسطين

في أواخر القرن التاسع عشر، وصلت الإمبراطورية العثمانية إلى النزع الأخير في قوتها، وأصبحت الدول تتصارع على تقسيمها، ودون الدخول في تفاصيل هذا الصراع، يمكن القول أن هذه الصراعات، انتهت باتفاقيات متعددة، بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا من جهة، والسلطة العثمانية من جهة أخرى، وبدأ التسرّب الاستعماري للمنطقة، وتبلور المشروع الصهيوني من أجل استعمار فلسطين، وازدادت الأعباء على المنطقة العربية، الشيء الذي أدى إلى انتفاضات شعبية.

في هذه الأجواء بدأ عدد من المفكرين العرب البحث في طرق الإصلاح، وظهر المتنوّرون ونشطوا في مختلف الميادين الأدبية والاجتماعية والسياسية. في هذه الأجواء نشأ أحد رواد النهضة الثقافية في فلسطين، “خليل بيدس”.. فمن هو أديبنا “خليل بيدس”؟ ولد “خليل إبراهيم بيدس” في الناصرة سنة 1874، لأب يعمل تاجرًا متنقلاً لبيع الأقمشة، وكان لقب “بيدس” قد أطلق على عمّه “يوسف”، نتيجة لقوته واندفاعه، وغلب هذا اللقب على اسم العائلة الأصلي وهو “الصباغ”.

تيتّم “خليل بيدس” وهو في سن الخامسة إذ مات والده. وتزوجت أمه، وتركته مع أخته في حضانة جدته (دلة). التحق بعد أن أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة روسية في الناصرة، ذات نظام داخلي عام 1886، وتخرج فيها عام 1892 مؤهلاً ليكون مديرًا لمدرسة ابتدائية من المدارس الروسية المنتشرة في فلسطين وسوريا و لبنان، حيث عمل لمدة سنتين في “حمص”، وفي “سكنتا” في لبنان، وهناك تزوج إحدى زميلاته (أدال أبي الروس) ثم استقر في حيفا، وعمل “خليل بيدس” معلمّا ومشرفًا للغة العربية في مدارس عدة، ولم يترك التعليم منذ 1892 إلا فترة عشر سنوات، عندما انتخب في المجلس المختلط للطائفة الأرثودوكسية الفلسطينية من سنة 1911- 1920، وقدم عام 1911 تقريرًا كاملاً للمجلس المذكور بشأن إصلاح وتوحيد المدارس الفلسطينية .

وخلال تنقّله بين سوريا ولبنان وفلسطين مشرفًا على المدارس الابتدائية، كتب وهو في الثالثة والعشرين كتابين في التربية وطرق التدريس وكيفية إعداد المعلم، وهما “العقد الثمين في تربية البنين” و”مرآة المعلمين”، وكتابين في الحساب، وأعدّ كتابين آخرين أحدهما “درجات القراءة” من سبعة أجزاء استغرق إعداده من 1913 -1921. وفي عام 1925 أصدر كتاب “الكافي في الصرف”، كما أعدّ معجمًا عربيا كبيرا، وللأسف فُقدت مخطوطته عام النكبة 1948.

وفي عام 1923 رفض العمل في مديرية المعارف العامة في ظل سيطرة المستعمر البريطاني، واستمر يعلّم اللغة العربية في مدارس القدس حتى تقاعد عام 1945. وقد كان لكتبه وكتب “خليل السكاكيني” دوراً كبيراً في إعداد جيل من المتعلمين يتقنون اللغة العربية. ونتيجة لدراسته للغة الروسية، استهوته الكتابة عن تلك البلاد، فكتب عام 1898 كتاباً عن تاريخ روسيا، وكتباً أخرى عن حفلات تتويج الملوك هناك، ونشر سلسلة مقالات في مجلة “النفائس العصرية”، ولم يقتصر اهتمامه على ذلك، بل ظل مشدوداً إلى التاريخ العربي وأرض بلاده فلسطين، فكتب سنة 1913 كتاب “الدولة الإسلامية” وكتاباً عن تاريخ القدس سنة 1922 ونشر في القدس سنة 1942 كتابا بعنوان “العرب: أبطالهم وأشهر حوادثهم”، كما وكتب “رحلة سيناء”، و”الروضة المؤنسة في وصف الأراضي المقدسة”.

يظن الدارس للتاريخ، أنه اكتفى بكتابة الكتب فقط، لكن الحقيقة الموضوعية تشير إلى أنه شارك في النضال ضد الأتراك وضد الإنجليز والصهاينة، وكتب وهو مقيم في القدس عدة مقالات نشرها في “الأهرام” و”المقطم” في مصر، مطالبا الأتراك بإنصاف العرب. وعند قيام الثورة العربية الكبرى سنة 1916 ضد الحكم التركي، حُكم عليه بالإعدام، لكنه اختفى ولاذ بالصمت حتى دخل الغزاة الإنجليز فلسطين 1918، فقاد عام 1921 مظاهرة في بيت المقدس، يحرّض الجماهير للإجهاز على وعد بلفور، فألقى الإنجليز القبض عليه وحكم بالإعدام، وسُجن في عكا، حيث كتب كتابه “حديث السجون”. ولما جاء “هربرت صموئيل” كمندوب سامي إلى فلسطين، عفا عن المحكومين بالإعدام وكان من بينهم “خليل بيدس”.

اطّلع “خليل بيدس” على القصص الأوروبي المترجم للغة الروسية، فقام بترجمة بعضها للغة العربية، مثل “ابنة القبطان” لبوشكين. وترجم عدة قصص وروايات ونشرها على صفحات مجلة “النفائس”، مثل رواية “شقاء الملوك” للكاتبة الإنجليزية “ماري طوريللي”، ورواية “أهوال الاستبداد” لتولستوي، ورواية “هنري الثامن وزوجته السادسة”، للكاتبة الألمانية ” ف. ملباخ “، وترجم إلى اللغة الروسية رواية “المملوك الشارد” لجورجي زيدان…

ويبدو أن مجلة “النفائس العصرية” كانت هي المشجع له على الترجمة، خاصة أنه كان يكتب جزءًا كبيرًا منها، فما قصة هذه المجلة، وما هو دورها في الحياة الثقافية الفلسطينية؟ قام “خليل بيدس” بإصدارها يوم 1 نوفمبر 1908 في مدينة حيفا، وفي مقدمة هذا العدد حدّد “خليل بيدس” هدفه في إصدارها، فكتب يقول: “خير ما تستهل به الأقوال والأفعال حمد الله تعالى على آلاء نعمه، وسابغ كرمه وبعد.. فمأمولنا في.. المطالعة والآداب… مشروعنا هذا بالارتياح والقبول… ويوفقنا إلى ما به نفع الوطن والبلاد…”.

وبدأت “النفائس” تصدر أسبوعيًّا، ومن العدد العاشر أصبح اسمها “النفائس العصرية”، وكانت أعداد السنة الأولى منها تقتصر على القصص وحدها، ثم بدأت بنشر المقالات الأدبية والقصائد والبحوث التاريخية. وبعد سنتين انتقلت المجلة وبدأت تصدر من القدس لمدة ثلاث سنوات، وتوقفت بعد الحرب العالمية الأولى لتعود إلى الصدور في حيفا إلى أن توقفت تماما.

وقد نشر في النفائس كبار أدباء فلسطين وشعرائها آنذاك، مثل: إسعاف النشاشيبي، خليل السكاكيني، علي الريماوي، بولس شحاته، عبد الله مخلص، وبعض أدباء البلاد العربية مثل: حليم دموس، أمين ناصر… وغيرهم. ومما لا شك فيه، أصبحت “النفائس العصرية” تُعدّ سجلاًّ حافلاً ومرجعًا تاريخيًّا لمن يدرس الحياة الأدبية في تلك الحقبة.

وقبل أن ننهي تقديمنا لأديبنا الكبير لا بد من التعريج على تلك الحكاية التي تروي أن لجنة الثقافة العربية في فلسطين عندما اعتزمت إقامة معرض الكتاب العربي الفلسطيني الأول سنة 1946، واتصلت بالأديب “خليل بيدس” لتقديم أسماء الكتب التي وضعها، فذكر أنه وضع 13 كتابا، وبحثت اللجنة عن آثاره فتبيّن أنه وضع أربعة وأربعين كتابا لا ثلاثة عشرة، بالإضافة إلى أحاديثه الإذاعية التي جمعها وكان يعتزم نشرها بعنوان “نحن واللغة”. وعلى إثر النكبة، هاجر إلى بيروت وتوفي فيها بتاريخ 09/02/1949 والحسرة تملأ قلبه على بلاده فلسطين.

 

كتبت: د. آلاء القطراوي

كلُّ فلسطين تكتب بأصابعك الثلاثة يا حسن

بثلاثة أصابع متبقّية لك من يدك، ترحل هذا الصباح إلى الله، لم يخطئك الصاروخ الأول، لأنَّ قدر الله لا يخطئ، ولم يخطئ في سلبك إصبعيك الصغيرين الأخيرين من كفّك اليمنى، لأنّ قدر الله الدقيق أيضًا لا يخطئ، بقيت ثلاثة أصابع رئيسية، غالباً نستخدمها للأكل، لرتق ملابسنا، لإزاحة الستائر، للسلام، لقرص صديق نحبّه، لحمل كتاب، لحمل كيس ما، لفكّ أزرار معطف، لتثبيت أزراره أيضا.. وهكذا، لكنها كانت يا “حسن” كافية لك لتضغط على زر الكاميرا الرئيسي، ولكي تضغط بسبابتك فوق إشارة الإرسال في قناتك عبر التليجرام، وحين ينشغل عدوّنا بقصفنا وقتلنا وتضجّ الانفجارات في كل مكان، يشيرُ جدٌّ عجوز إلى حفيده: (يا ابني شوف الأخبار، شو قال حسن اصليح على قناته؟). بقيت سبابتك تلك التي يحبها الله ويكرهها عدوّك، يأخذ إصبعيك منك، ثمَّ يأخذك كاملاً، يسبقك جزء من جسدك ليستقبلك، وترتفع درجاتك، ولتسجل الملائكة حمدك الله في صحيفتك العظيمة أيها المرابط والصحفي الذي أحبته فلسطين بأسرها، هل رحلتْ سبابتك؟ لا.. كلُّ فلسطين تكتب بأصابعك الثلاثة يا “حسن”، كلُّ فلسطين.. رحمك الله وكل شهداء غزة وجعلك من رفقاء سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

نصٌّ بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

وطني المصلوب على الجهات الأربع!

في حَضْرَةِ الجُرْحِ الفِلَسْطِينِيّ، حَيْثُ لا صَوْتَ يَعْلُو فَوْقَ صَرْخَةِ الْأَرْضِ، وَلَا شَيْءَ أَشَدُّ بَلَاغَةً مِنَ الدَّمِ حِينَ يُطَالِبُ بِالْحَيَاةِ..

نَكْتُبُ، لَا بُكَاءً عَلَى وَطَنٍ، بَلْ وَلَاءً لَهُ، وَنِدَاءً نَحْوَ خَلَاصِهِ…! وَطَنِيَ الْمَصْلُوبَ عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ..!.

أَتْعَبَنِي عِشْقُكَ، يَا وَطَنِي…

فَالْعِشْقُ فِيكَ …

جَمْرٌ يُقِيمُ فِي الصَّدْرِ..

وَيَأْبَى أَنْ يَصِيرَ رَمَادًا…

**

أَتْعَبَنِي وَجَعُكَ الْمُتَجَذِّرُ…

مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ رَحِمِ التُّرَابِ…

وَالدَّمُ يَخُطُّ نَشِيدِي عَلَى جُدْرَانٍ…

تَتَدَاعَى مَعَ كُلِّ فَجْرٍ…!

**

أَتْعَبَنِي تُجَّارُ الدَّمِ وَالدِّينِ…

يَحْمِلُونَ آيَاتٍ مُمَزَّقَةً…

وَأَلْسِنَةً تَقْطُرُ وُعُودًا كَاذِبَةً…

يُبَشِّرُونَ بِفَجْرٍ لَا يَأْتِي…

وَيُغْرِقُونَنَا فِي مَسَاءٍ لَا يَنْتَهِي…!

***

أَتْعَبَنِي الْجُهَلَاءُ…

يَبْنُونَ مِنَ الْوَهْمِ دَوْلَةً…

وَمِنَ الْخَوْفِ مَنَارَةً…

وَيَهْتِفُونَ:

“هُوَ الْحَقُّ…!”

فَيَقْتُلُونَ بِهِ الْحَيَاةَ…!

**

آنَ لِهَذَا النَّزِيفِ أَنْ يَتَوَقَّفَ…

آنَ لِنَبْضِكَ أَنْ يُشْفَى، يَا وَطَنِي…

أَنْ تُرَمَّمَ شَرَايِينُكَ بِضَحِكَةِ طِفْلٍ…

لَا بِسَوْطِ جَلَّادٍ…

وَأَنْ يُكْتَبَ اسْمُكَ

بِالنَّدَى…

لَا بِالْخَسَائِرِ…

**

وَطَنِي…

يَا وَاقِفًا عَلَى حَافَّةِ الْقِيَامَةِ…

مَتَى تَنْبُتُ فِيكَ سَنَابِلُ

لَا تُسْقَى بِالدَّمِ…؟!

مَتَى تَصْحُو مُدُنُكَ

وَلَا تَسْمَعُ تَرْتِيلَةَ جَنَازَةٍ…؟!

مَتَى يَعُودُ الْغَائِبُ

إِلَى بَيْتٍ..

لَا إِلَى قَبْرٍ…؟!

**

فِيكَ أَمَلٌ يُشْبِهُ رَغِيفًا …

نَجَا مِنْ لَهِيبِ الطَّائِرَاتِ…

ضِحْكَةَ طِفْلَةٍ

نَجَتْ مِنْ فُوَّهَةِ الْبُنْدُقِيَّةِ….

أَمَلًا يُشْبِهُ أُمًّا

تَحِيكُ وِشَاحَ الْعَوْدَةِ …

لِمَنْ لَمْ يَعُدْ…

**

آنَ لَكَ أَنْ تَنَامَ…

لَا عَلَى سَرِيرِ الْخَوْفِ…

بَلْ عَلَى وِسَادَةِ السَّلَامِ…

أَنْ تَفْتَحَ عَيْنَيْكَ …

عَلَى فَجْرٍ لَا يَنْزِفُ…

وَأَنْ تُغَنِّيَ – لَا مَرَاثِي –

بَلْ نَشِيدًا مِنْ يَاسَمِينٍ…

**

كَفَى، يَا وَطَنِي…

كَفَى نَزْفًا فِي الشَّوَارِعِ والحاراتِ …

كَفَى تَوَابِيتَ تَمْشِي قَبْلَ الْأَعْيَادِ …

كَفَى أُمَّهَاتٍ …

يُخْفِينَ وُجُوهَهُنَّ فِي السَّوَادِ…

**

اِنْهَضْ، يا وطنيِ…

فَمِنْكَ تَبْدَأُ الْقِيَامَةُ..

وَفِيكَ يُولَدُ الضَّوْءُ مِنَ الرَّمَادِ…

لَا تَنْتَظِرْ مَنْ لَا يَرَوْنَكَ…

وَلَا تُبَايِعْ مَنْ يَبِيعُونَكَ…

بَلْ عُدْ إِلَيْنَا كَمَا نُحِبُّكَ:

حُرًّا،

جَمِيلًا،

وَعَصِيًّا عَلَى الانْكِسَارِ…!

رابط دائم
https://elayem.news/6a3wd