الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

مسلمون ومسيحيون.. غزّة لا تٌفرّق بين شهدائها

Author
وحيد سيف الدين 30 سبتمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

تعرضت الحياة المسيحية في فلسطين لضغوط وأزمات مستمرة منذ عقود، نتيجة سياسات الاحتلال الصهيوني التي استهدفت الفلسطينيين على اختلاف دياناتهم، مسلمين ومسيحيين، وأسفرت عن تراجع كبير في أعداد المسيحيين الفلسطينيين وعن انتهاكات ممنهجة للحقوق الأساسية وحرية العبادة. فقد أظهرت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين، أن الوجود المسيحي في فلسطين قد تراجع بشكل كبير منذ النكبة سنة 1948، حيث كان يشكّل المسيحيون نحو 12.5% من سكان فلسطين التاريخية، فيما لم تتجاوز نسبتهم اليوم 1.2%، و1% فقط في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967. وقالت اللجنة يوم الأحد إن “إسرائيل” دمّرت الوجود المسيحي في فلسطين وتواصل قصف الكنائس في غزة. ونشرت بيانا مرفقا بصورة دبابة إسرائيلية خارج كنيسة المهد خلال اجتياح الضفة الغربية عام 2002، ردا على خطاب رئيس وزراء سلطة الاحتلال المجرم بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي ادّعى فيه أنّ “إسرائيل” تحمي المسيحيين وأنها تمثّل “أنموذجا في الشرق الأوسط”.

لم يقتصر الأمر على تراجع أعداد المسيحيين، بل امتد إلى استهداف الكنائس والمؤسسات المسيحية بشكل مباشر، إذ أغلق الاحتلال نحو 30 كنيسة، وطرد الأهالي من العديد من المدن والقرى المسيحية مثل إقرث وكفر برعم في الجليل الأعلى، ومنعهم من العودة رغم صدور قرارات قضائية لصالحهم، ثم فجّر منازلهم عام 1953 لإحباط أي محاولة للعودة، بينما ظلت الكنائس والمقابر شاهدة على هذه المآسي، فيما ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر بحق المدنيين المسيحيين، وقتلت 25 شخصا في فندق سميراميس بالقدس، وأعدمت 12 آخرين في قرية عيلبون قرب الناصرة عام 1948.

وتستمر هذه السياسات الممنهجة ضد المسيحيين الفلسطينيين حتى اليوم ضمن ما يمكن وصفه بجحيم الإبادة، حيث يشمل الاستهداف القصف المباشر للكنائس والمستشفيات والمراكز الثقافية في قطاع غزة، مثل كنيسة القديس بورفيريوس وكنيسة العائلة المقدسة والمستشفى المعمداني والمركز الثقافي والاجتماعي الأرثوذكسي، ما أسفر عن استشهاد 44 مسيحياً منذ 7 أكتوبر 2023، بعضهم نتيجة القصف المباشر، وآخرون بسبب الظروف الإنسانية القاسية. كما تعرضت قرية الطيبة المسيحية في الضفة الغربية لهجمات متكررة من عصابات المستوطنين، وجمّدت سلطات الاحتلال حسابات البطريركية الأرثوذكسية في القدس، وفرضت ضرائب باهظة على الكنائس، وحجزت ممتلكات الكنيسة الأرمنية، في خرق واضح للاتفاقات والسياسات المعمول بها.

كما أضافت اللجنة أن المسيحيين يواجهون مضايقات يومية من بصق واعتداءات جسدية وتدنيس للكنائس والمقابر، إضافة إلى قيود الحركة عبر الحواجز وجدار الفصل، ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية، بما في ذلك احتفالات عيد القيامة. وأكدت اللجنة أن مدينة بيت لحم، مسقط رأس المسيح، محاصرة بأكثر من 150 حاجزا ومستوطنة وجدارا، وتقلصت مساحتها من 37 كيلومترا مربعا إلى 7.3 كيلومترات مربعة، في حين يشدد المخطط الاستعماري الصهيوني المعروف بـ”E1″ على عزل القدس عن محيطها الفلسطيني وزيادة خنق بيت لحم، مؤكدين أن الاحتلال قضى على الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، وأن تصريحات رئيس وزراء سلطة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن حماية المسيحيين لن تغيّر حقيقة الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال.

ردا على هذه الممارسات، كان رجال دين مسيحيون قد أطلقوا في إيطاليا حملة عالمية بعنوان “قساوسة ضد الإبادة الجماعية”، تهدف إلى فضح الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، وقد انطلقت الحملة عبر تطبيق واتساب في 16 أوت الماضي، وبدأت بالعشرات حتى شارك فيها نحو 1000 قسيس من 28 دولة مختلفة، معظمهم من أوروبا. وأوضح القس رينو ماريسكا، قائد الحملة، أن المبادرة تهدف إلى توحيد المبادرات الشخصية للتعبير عن الإدانة والدعوة إلى العدالة، مستندة إلى تعاليم الإنجيل والدستور الإيطالي، مؤكدا أن استمرار الدعوة للسلام في ظل إبادة جماعية يعني عدم السماح للشر بالانتصار مرتين.

واستخدم القس ماريسكا في الحملة صورة مرسومة للطفل الفلسطيني محمد زكريا، الذي استشهد بسبب الجوع في قطاع غزة، لتسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون. وقد فسّر القس اختيار هذا الرمز قائلا إن الطفل يجمع في اسمه بين النبي محمد من الإسلام والنبي زكريا من المسيحية واليهودية، في إشارة إلى وحدة الأديان وضرورة العمل المشترك من أجل السلام. وأكد أن الكلمات والحملات يمكن أن تغيّر الواقع رغم غياب المال أو القوة العسكرية، وأن المخرج من الكراهية لا يكون بالمزيد من العنف.

كما سلطت شخصيات دينية أخرى الضوء على الواقع اليومي للمسيحيين تحت الاحتلال، ومن أبرزهم الراهبة الأمريكية الأم أغابيا ستيفانو بولوس، التي أقامت منذ 1996 في بلدة بيثاني بالضفة الغربية، حيث أشارت في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون إلى أن السياسات الصهيونية جعلت حياة الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين شديدة الصعوبة، بسبب القيود على الحركة ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات. واعتبرت أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي حركة مقاومة تدافع عن شعبها وأرضها، وأن المسيحيين يواجهون المعاناة ذاتها التي يعيشها المسلمون الفلسطينيون تحت الاحتلال.

وأكدت الأم أغابيا أن التحدي الذي يواجه المسيحيين الفلسطينيين ليس دينيا بل وطنيا، إذ يتعرضون للتمييز والضغوط بسبب هويتهم الفلسطينية، وانتقدت الدعم الأعمى الذي يقدمه بعض المسيحيين الصهاينة في الولايات المتحدة لـ”إسرائيل”، معتبرة أنهم يتجاهلون معاناة المسيحيين الفلسطينيين ويبررون الاستيطان ومصادرة الأراضي. كما أشارت إلى تعرض كنائس ومؤسسات مسيحية في الضفة وغزة للقصف والدمار، معتبرة ذلك جزءا من استهداف ممنهج للفلسطينيين.

وأوضحت الأم أغابيا أن التعايش بين المسيحيين والمسلمين في فلسطين طبيعي ومتواصل منذ عقود، مؤكدة أن المدارس المسيحية في بيت لحم والقدس تضم غالبية طلاب مسلمين، وأن هذه الظاهرة تؤكد أن التلاحم والتعايش هو السمة الغالبة في المجتمع الفلسطيني، رغم محاولات الاحتلال استغلال الخلافات الطائفية لزرع الانقسام بين أبناء الوطن الواحد.

في ضوء هذه الممارسات، يرى المجتمع الدولي والكنائس العالمية أن حماية الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على حد سواء تتطلب ضغطا على الاحتلال الصهيوني لمحاسبته وفق القانون الدولي، وإيقاف سياسات التهجير والاستهداف الممنهج، والحفاظ على حرية العبادة والحياة الكريمة في الأرض المقدسة. كما تبرز المبادرات العالمية، مثل حملة “قساوسة ضد الإبادة الجماعية”، كمحاولة موحدة لرفع الصوت ضد الظلم والتأكيد على أن نضال الفلسطينيين يشمل جميع أبناء الشعب بغض النظر عن دينهم، وأن الدفاع عن الإنسانية والسلام ليس خيارا بل واجبا أخلاقيا عالميا.

في المجمل، يمكن القول إن معاناة المسيحيين الفلسطينيين ليست حدثا عابرا أو قضية طائفية، بل جزء من نضال وطني شامل ضد الاحتلال، يعكس حجم المأساة الإنسانية والتاريخية التي يعيشها الفلسطينيون منذ النكبة، والتي تستدعي التفاعل الدولي والمبادرات العالمية من أجل وقف الانتهاكات وتحقيق العدالة وحماية التعايش والسلام في أرض فلسطين.

رابط دائم
https://elayem.news/59vfu