الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

ملامح الفرح في وجدان الشعوب.. العيد.. أحاديث من الذاكرة وأخرى لرؤية المستقبل


يأتي عيد الفطر هذا العام في ظل ظروف عالمية تنتزع الفرح والسرور من نفوس المسلمين، وتزرع مكانه الكآبة والأحزان، فهل فقد العيد معانيه النبيلة وتحول إلى مجرد يوم مثل باقي أيام العام الأخرى؟ وهل فقد جمالياته وأبعاده الروحانية والاجتماعية والإنسانية، أم أنه لا يزال يحتفظ بجوهره وروحه ويحقق أهدافه في النفسية الفردية والمجتمعية على حدّ سواء؟

هذه أسئلة تطرح نفسها بقوة في محيط أمتنا العربية والإسلامية لأنَّ الحديث عن العيد هو حديث عن “صناعة الفرح” ولا شك أنَّ المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح مهما كانت الظروف صعبة وقاسية، ويتحمّل المثقف مسؤوليةً في صناعة الفرح أو زراعته وتسويقه في مجتمعه وأمّته.

ولطالما كان العيد في الثقافة العربية والإسلامية أكثر من مجرد تاريخ على التقويم؛ إنه محطة روحية واجتماعية تكسر رتابة الأيام وتجدد دماء المودة في عروق المجتمع، ولكن مع تسارع عجلة الزمن وتغير أنماط الحياة، يبرز التساؤل: ألا يزال العيد هو “العيد” الذي نعرفه، أم أنَّ ملامحه قد ذابتْ في صخب الحداثة؟ وبعبارة أخرى هل فقد العيد جوهره؟

يرى البعض أنَّ العيد فقد بريقه وتحول إلى يوم “عادي” يغلب عليه النوم أو الانعزال خلف الشاشات، ولكن الحقيقة أنَّ العيد لم يفقد معانيه النبيلة، بل تغيرتْ وسيلة التعبير عنها.

الأبعاد الروحانية: لا تزال صلاة العيد وتكبيراته تملأ النفوس بطمأنينة لا تضاهى، مما يؤكد أنَّ الجانب الروحي لا يزال حياً

الأبعاد الاجتماعية: رغم غزو وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنَّ العيد يظل المناسبة الوحيدة التي تجبر العائلات على “اللمة” الحقيقية، حتى وإنْ قصرتْ مدتها.

جوهر الفرح: العيد لم يفقد جمالياته، بل انتقل من “الفرح الفطري البسيط” إلى “الفرح المنظم”؛ فبينما كانت فرحتنا قديماً بثوب جديد، أصبحتْ اليوم بالسفر أو الفعاليات الترفيهية.

صناعة الفرح: مسؤولية المثقف والمجتمع

ولما كان الحديث عن العيد هو بالضرورة حديث عن “صناعة الفرح”، فإننا نؤكد أنَّ المجتمعات العربية تمتلك قدرة أسطورية على ابتكار البهجة حتى في أحلك الظروف السياسية والاقتصادية، فالفرح في بلادنا هو نوع من “المقاومة” بالحياة.

دور المثقف: لا ينتهي دور المثقف عند تحليل الأزمات، بل يمتد ليكون “مهندسا للبهجة”، فعليه أنْ يزرع الأمل، ويحارب ثقافة اليأس، ويؤصل لقيم التراحم والاحتفاء بالحياة كجزء من الهوية العربية.

العيد: رحلة عبر الزمن

كان العيد في الأمس (الطفولة): فرحا بملابس العيد بجانب الوسادة، وترقبا للعيديّة الورقية الجديدة برائحتها المميزة، واللعب في الحارة مع أبناء الجيران.

والعيد اليوم (الواقع): التهنئة عبر “واتساب” والرسائل الجاهزة، والتحويلات البنكية والمحافظ الإلكترونية، والسفر والسياحة أو المقاهي والمجمعات.

أما العيد في الغد (المستقبل): فستكون الأعياد رقمية (واقع افتراضي ومعزز)، وتجارب ترفيهية ذكية وفردية، واحتفالات عابرة للحدود عبر التكنولوجيا.

ذكرياتنا وتطلعاتنا

في طفولتنا، كان العيد يعني تلك التفاصيل الصغيرة: رائحة كعك العيد التي تفوح من البيوت، وصوت الألعاب النارية البسيطة، والانتظار الطويل لصباح العيد، فكانت الفرحة “جماعية” بامتياز.

أما في الأعوام القليلة الماضية، فقد طغتْ المسافات وازداد الانشغال، لكن العيد ظل يثبت في كل مرة أنَّ المجتمعات العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على الفرح، فنحن شعب يعرف كيف يضحك وسط الدموع، وكيف يفتح بيوته للغرباء قبل الأقرباء في يوم العيد.

رؤية للمستقبل

العيد القادم لن يكون بالضرورة أقل جمالاً، بل سيكون مختلفا، قد تتغير الأدوات، وتتطور طرق الاحتفال، لكن الحاجة الإنسانية للتواصل والشعور بالانتماء ستظل هي المحرك الأساسي، وسيبقى العيد فرصة لترميم ما أفسدته الأيام في نفوسنا.

وإحياء الماضي بلمسة عصرية لا يعني التخلي عن التكنولوجيا، بل يعني تسخيرها لخدمة “الدفء الإنساني” الذي ميز أعياد زمان.

وهذه بعض الأفكار العملية لدمج طقوس الأمس بأسلوب اليوم:

ركن الضيافة التفاعلي: قديما كان “طبق العيد” يتنقل بين الأيدي، اليوم يمكنك تصميم ركن خاص في المنزل، فبدلاً من تقديم الكعك والحلويات بشكل تقليدي، صمم “منصة للضيافة” تحتوي على أنواع الكعك التقليدي بجانب خيارات حديثة (مثل الكعك المحشو باللوتس أو الشوكولاتة).

العيدية.. من الظرف الورقي إلى “تغليف التجربة: لما كانت العيدية هي روح العيد للأطفال، فيمكن تحديث طريقة تقديمها، فبدلاً من إعطاء المال يداً بيد، استخدم “صناديق المفاجآت”، أو ضع العيدية داخل بالونات هيليوم، أو داخل صناديق خشبية صغيرة تتطلب حل “لغز” بسيط لفتحها.

اللمسة العصرية: يمكنك استخدام “البطاقات البنكية مسبقة الدفع” للأطفال الأكبر سنا، مغلفة داخل ظرف ورقي مصمم يدويا بعبارات تراثية، لدمج التقنية باللمسة الشخصية.

سينما العيد المنزلية

قديما كان العيد مرتبطا بمسرحيات معينة أو أفلام كلاسيكية على التلفاز، ويمكن تخصيص سهرة عائلية لمشاهدة مسرحية كوميدية قديمة أو فيلم مرتبط بالذاكرة الجماعية.

اللمسة العصرية: استخدم جهاز العرض الضوئي (Projector) لتحويل جدار الغرفة إلى شاشة سينما كبيرة، مع توفير “ركن الفشار” المنزلي، مما يعيد خلق أجواء البهجة الجماعية بعيداً عن الشاشات الصغيرة الفردية.

توثيق اللمة

الصور العائلية هي كنز العيد، واليوم يمكننا جعلها طقساً ممتعاً، وذلك بتخصيص زاوية في المنزل للصور، مزينة بستائر من القماش التراثي أو “الفوانيس” و”الأهلّة”.

اللمسة العصرية: استخدم كاميرات “الفوري” التي تخرج الصور فورا لتعطي شعور صور السبعينيات والثمانينيات، أو استخدم تطبيقات الهاتف التي تضيف تأثير “الفيلم القديم” على الفيديوهات العائلية لمشاركتها فورا.

إعادة إحياء تجهيز الكعك

كانت رائحة خبيز العيد هي الإعلان الرسمي عن قدومه، فلا تشترِ كل شيء جاهزا؛ بل خصص يوماً لصنع “صنف واحد” من حلويات العيد في المنزل بمشاركة الأطفال.

اللمسة العصرية: استخدم القوالب الحديثة التي تطبع عبارات مخصصة مثل “عيد عائلة (اسم العائلة)”، وشارك النتائج في “بث مباشر” أو “ستوري” مع الأقارب المغتربين لتشعروا بأنكم في مكان واحد.

نصيحة ذهبية: السر في إحياء طقوس العيد يكمن في “المشاركة لا المشاهدة”، فاجعل كل فرد في العائلة مسؤولاً عن مهمة (تزيين، أو تنسيق موسيقى، أو تحضير ضيافة)، فهذا هو جوهر العيد الحقيقي.

أغاني العيد

كلاسيكيات “صباح العيد” (الطقوس الروحية والبهجة الأولى): هذه الأغاني لا يكتمل العيد بدونها، فهي بمثابة “الإعلان الرسمي” عن الفرح:

– تلبية العيد (لبيك اللهم لبيك): بأصوات جماعية مؤدية بخشوع، وهي الأنسب للحظات الفجر الأولى.

– يا ليلة العيد (أم كلثوم): الأيقونة الخالدة التي تجعلنا نشعر بجمال “الليلة” التي تسبق يوم الزينة.

– أهلاً بالعيد (صفاء أبو السعود): الأغنية التي لا تكبر أبداً، وهي المحرك الأول لبهجة الأطفال وحركتهم في الصباح.

أغانٍ حديثة بلمسات شبابية (للطاقة والنشاط): هناك أغانٍ صدرت في السنوات الأخيرة وتميزت بإيقاعات سريعة وتوزيع موسيقي عصري:

– العيد أهو (تامر حسني): تتميز بروح التفاؤل والبهجة وتناسب التجمعات الشبابية.

– جاء العيد (بالعربي) – (حمود الخضر): أغنية مبهجة جداً تركز على قيمة التواصل والابتسامة، وتوزيعها الموسيقي عالمي وحديث.

– عيدنا (مشاري راشد العفاسي): تمزج بين الكلمات الراقية والإيقاع الخليجي المودرن الذي يبعث على السرور.

“تراث متجدد” (أغنيات قديمة بتوزيع حديث): هذه الأغنيات أعاد مطربون حاليون غناءها بأسلوب “الريمكس” أو بتوزيع موسيقي جديد:

– من العايدين (محمد عبده – نسخة الحفلات الحديثة): تعطي شعوراً بالفخامة والترحاب الضخم بالضيوف.

– يا ليلة العيد (بصوت هيثم شاكر أو ريهام عبد الحكيم): إعادة إحياء للأغنية الأصلية بآلات موسيقية حديثة وصوت نقي جدا يناسب أجهزة الصوت المنزلية المتطورة.

– أهلاً أهلاً بالعيد (فرقة طيور الجنة أو سبيستون): نسخ مطورة للأطفال تجعلهم يتفاعلون مع الكلمات القديمة بإيقاع يناسب جيلهم.

أغانٍ من “زمن الفن الجميل” (لجلسات السمر والهدوء):

– الليلة عيد (ياسمين الخيام): صوت دافئ جداً يناسب جلسات شاي العصر مع الأهل.

– أيام العيد (فيروز): لمسة من الرقي والهدوء النفسي، مثالية للحظات الاسترخاء في العيد.

ولأدبائنا الكبار مع العيد وقفات نذكر منها وقفة الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، فقد كان عيد الفطر يحتل مكانةً خاصة في وجدانه، إذ لم يكن العيد عنده مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، أو طقسًا من طقوس الفرح الظاهري، بل كان حدثًا روحيًّا وإنسانيًّا عميق الدلالة، تتجلى فيه معاني الإيمان، وتتفتح فيه مشاعر الرحمة، وتشرق فيه القيم الأخلاقية التي يُراد للمجتمع أنْ يعيشها ويستبقيها.

وقد عالج الرافعي فكرة العيد في عدد من مقالاته الأدبية، ولا سيما في كتابه الشهير “وحي القلم”، حيث قدّم رؤية فلسفية وروحية للعيد، تجعل منه لحظة صفاء للنفس الإنسانية بعد مجاهدة طويلة في شهر رمضان، فالإنسان – في نظره – يخرج من مدرسة الصوم وقد تهذّبت غرائزه، ورقَّت مشاعره، فيأتي العيد إعلانًا لنجاح هذه التجربة الروحية.

العيد عند الرافعي: فرح الروح لا فرح المظاهر

لم يكن الرافعي من أنصار الفرح السطحي الذي يقتصر على الملابس الجديدة أو مظاهر الزينة، بل كان يرى أن العيد الحقيقي هو عيد القلب، فالعيد عنده هو اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه انتصر على نفسه، وأنه استطاع أنْ يسمو بروحه فوق الشهوات والعادات.

ولهذا نجده يقول في أحد تأملاته إنَّ العيد ليس يومًا يلبس فيه الناس الجديد فحسب، بل هو يوم “تلبس فيه القلوب معاني الرحمة والمحبة”.

فالرافعي يحوّل العيد من مناسبة اجتماعية إلى تجربة أخلاقية وروحية، تتجدد فيها إنسانية الإنسان.

البعد الاجتماعي للعيد

يرى الرافعي أنَّ من أعظم حكم العيد أنه يعيد بناء العلاقات الإنسانية في المجتمع. ففي العيد يتزاور الناس، وتتصافى القلوب، وتُغلق أبواب الخصومات، وكأن المجتمع يبدأ صفحة جديدة من الصفاء.

ولهذا كان يؤكد أنَّ العيد ليس فرحًا فرديًّا، بل هو فرح جماعي، وأن قيمته الحقيقية تظهر حين يشعر الفقير كما يشعر الغني ببهجة العيد، ومن هنا تتجلى حكمة زكاة الفطر التي تجعل المجتمع كله شريكًا في الفرح، فلا يبقى فيه محروم أو حزين.

فالرافعي يرى أنَّ العيد يحقق نوعًا من العدالة العاطفية والاجتماعية؛ إذ يذكّر الأغنياء بحقوق الفقراء، ويوقظ في النفوس معنى التضامن الإنساني.

العيد وتربية الوجدان

ومن أجمل ما يميز رؤية الرافعي أنه يربط العيد بتربية الوجدان، فالطفل – في نظره – يتعلم من العيد معنى الفرح البريء، ويتعلم من مظاهره قيم العطاء والمشاركة. ولذلك كان يرى أن العيد مدرسة تربوية، تنقش في ذاكرة الطفولة أجمل صور الرحمة والإنسانية.

فالطفل الذي يرى الكبار يتبادلون التهاني، ويتصدقون على الفقراء، ويجتمعون في جو من المحبة، ينشأ وفي نفسه تقديس لهذه القيم.

العيد في الأسلوب الرافعي

ولا يمكن الحديث عن العيد عند الرافعي دون الإشارة إلى أسلوبه الأدبي الفريد، فقد كان الرافعي يكتب عن العيد بلغة شاعرية عالية، تمتزج فيها الفكرة الفلسفية باللمسة الوجدانية، فعباراته تتدفق بالموسيقى والخيال، وتتحول المناسبة الدينية في قلمه إلى لوحة أدبية نابضة بالحياة.

إنَّ العيد في أدب الرافعي ليس مجرد وصف لحدث اجتماعي، بل هو تأمل في طبيعة الإنسان، وفي قدرة الإيمان على تجديد الحياة في القلوب.

وهكذا يظهر عيد الفطر في أدب مصطفى صادق الرافعي بوصفه عيدًا للروح قبل أنْ يكون عيدًا للمظاهر، وعيدًا للمجتمع قبل أن يكون عيدًا للفرد. إنه لحظة إنسانية كبرى تتلاقى فيها القيم الدينية مع المعاني الأخلاقية والاجتماعية، فيتحول العيد إلى رسالة رحمة، وإلى دعوة دائمة لأن يكون الإنسان أكثر صفاءً ومحبةً وعدلاً.

ولو قُدّر للرافعي أنْ يخاطب إنسان هذا العصر لقال له إنَّ العيد الحقيقي لا يصنعه الضجيج ولا الاستهلاك، وإنما تصنعه القلوب التي تعلّمت في رمضان كيف تنتصر على أنانيتها، وكيف تفتح أبوابها للنور والإنسان.

عيد الفطر عند الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي

يُعَدّ مصطفى لطفي المنفلوطي من أبرز أدباء العربية في مطلع القرن العشرين، وقد تميز أسلوبه الأدبي بالجمع بين العاطفة الصادقة واللغة الرفيعة والنزعة الإنسانية العميقة، ولم يكن حديثه عن الأعياد حديثًا عن مظاهرها الخارجية فحسب، بل كان ينفذ إلى ما وراءها من معانٍ أخلاقية واجتماعية وروحية، ومن هنا جاءت رؤيته لعيد الفطر رؤية إنسانية أخلاقية تتجاوز الزينة والاحتفال إلى قيم الرحمة والتكافل.

يرى المنفلوطي أنَّ عيد الفطر ليس يومًا للمرح العابر أو للزينة الظاهرة وحدها، وإنما هو ثمرة عبادة طويلة عاشها المسلم في شهر رمضان، فالعيد في نظره هو يوم الجزاء المعنوي بعد مجاهدة النفس بالصيام والقيام، وهو إعلان لفرح الروح قبل فرح الجسد.

ولذلك فإن العيد الحقيقي عنده هو فرحة الضمير بالطاعة، وابتهاج القلب بالقرب من الله، لا مجرد لبس الثياب الجديدة أو إعداد الموائد العامرة.

وكان المنفلوطي شديد الحساسية تجاه الفوارق الاجتماعية التي تظهر في أيام العيد، فقد كان يرى أنَّ العيد لا يكتمل معناه إذا بقي الفقير حزينًا أو محرومًا، ومن هنا دعا إلى أنْ يكون العيد مناسبة للتراحم الإنساني، وأنْ يشعر الغني بواجباته تجاه الفقير، وأنْ تمتد الأيدي بالعطاء حتى لا يبقى في المجتمع قلب منكسر أو نفس محزونة، فالابتسامة التي ترتسم على وجه طفل فقير يوم العيد ـ في نظره ـ أصدق تعبير عن روح العيد من كل مظاهر الترف.

ولعل هذا البعد الإنساني في رؤية المنفلوطي للأعياد يتصل بطبيعته الأدبية التي تميل إلى تصوير آلام الناس البسطاء ومعاناتهم، فقد كان يرى أنَّ الأدب رسالة أخلاقية قبل أنْ يكون صناعة لفظية، وأنَّ واجب الأديب أنْ يوقظ في المجتمع ضميره الإنساني، ولذلك لم يكن حديثه عن العيد وصفًا للمواكب والاحتفالات، بل كان دعوة إلى إحياء معاني المودة والرحمة بين الناس.

كما أنَّ المنفلوطي كان يربط بين العيد وصفاء النفس؛ فبعد شهر من الصيام والعبادة ينبغي للإنسان أنْ يخرج من رمضان بروح جديدة، نقية من الضغائن والأحقاد، ومن هنا يصبح العيد مناسبة للمصالحة والتسامح وتجديد العلاقات الإنسانية على أساس من الصفح والمحبة.

ومن خلال هذه الرؤية يتضح أنَّ عيد الفطر عند مصطفى لطفي المنفلوطي عيدٌ للروح قبل أنْ يكون عيدًا للمظاهر، وعيدٌ للمجتمع قبل أنْ يكون عيدًا للفرد، إنه يوم تتجلى فيه القيم التي ربّى عليها رمضان النفوس: الرحمة، والعطاء، والتسامح، والتكافل.

وهكذا يتحول العيد في أدبه من مناسبة زمنية عابرة إلى رسالة إنسانية عميقة تعيد للإنسان إنسانيته، وتذكّره بأنَّ الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا عمَّ الجميع.

وإذا كان الأدب مرآةً لوجدان الأمة، فإنَّ حديث المنفلوطي عن العيد يكشف عن ضميرٍ حيٍّ كان يرى في الأعياد فرصة لإحياء الفضائل، وبعث الأمل في القلوب، وترسيخ المعاني الإنسانية النبيلة التي يقوم عليها المجتمع السليم.

عيد الفطر عند الأديب الكبير أحمد حسن الزيات

يُعَدّ أحمد حسن الزيات واحدًا من كبار أدباء العربية في العصر الحديث، ومن ألمع كتاب المقالة الأدبية في القرن العشرين، وقد عُرف بأسلوبه البياني الرفيع، ونزعته الإصلاحية التي تجمع بين جمال العبارة وعمق الفكرة، وكان حديثه عن الأعياد – ومنها عيد الفطر – حديث الأديب الذي ينظر إلى المناسبة نظرة روحية وإنسانية، لا تقتصر على المظاهر الاجتماعية وحدها.

يرى الزيات أنَّ العيد في جوهره محطة من محطات التجديد الروحي في حياة الإنسان؛ فهو يأتي بعد شهر كامل من الصيام والعبادة، فيكون إعلانًا عن انتصار الإرادة على الشهوة، واحتفاءً بصفاء النفس بعد رياضتها في مدرسة رمضان، ولذلك فإنَّ العيد عنده ليس مجرد يوم للفرح الظاهري، بل هو فرح معنوي عميق، يتجلى في إحساس المؤمن بأنه خرج من رمضان وقد تزكّت روحه وتهذبت أخلاقه.

وكان الزيات – بطبيعته الأدبية الرقيقة – شديد الحسّ بما يحيط بالعيد من مشاعر إنسانية، فهو يصور صباح العيد تصويرًا مفعمًا بالجمال: الناس يخرجون إلى الصلاة بقلوب مشرقة، والوجوه تشرق بالابتسامة، والأطفال يلبسون الجديد في مرح وبراءة، فتغدو المدينة كأنها قد اغتسلت من عناء الأيام واستقبلت فجرًا جديدًا من الأمل.

غير أنَّ الزيات، مثل كثير من أدباء جيله، لم يكن يكتفي بوصف مظاهر العيد، بل كان يقف عند معانيه الاجتماعية والأخلاقية، فهو يرى أنَّ العيد مناسبة لإحياء روح التضامن بين الناس، وأنَّ المجتمع الذي لا يشعر فيه الغني بحاجة الفقير لا يفهم حقيقة العيد، ومن هنا كان يربط بين فرحة العيد وواجب التكافل الاجتماعي، مؤكدًا أنَّ سعادة العيد لا تكتمل إلا إذا شارك فيها الجميع.

كما كان الزيات يلحّ على معنى التسامح في أيام العيد؛ فالعيد في نظره فرصة لمحو الضغائن وتجديد روابط المودة بين الناس، وإذا كان رمضان قد علّم النفس الصبر والتقوى، فإنَّ العيد ينبغي أنْ يكون بداية حياة أخلاقية جديدة، يسود فيها الصفح والرحمة.

ويمتاز حديث الزيات عن العيد كذلك بطابعه الحضاري؛ فقد كان يرى أنَّ الأعياد في حياة الأمم ليست مجرد طقوس اجتماعية، بل هي علامات على حيوية الأمة وقدرتها على الاحتفاظ بقيمها الروحية، ولذلك كان يحرص في كتاباته على إبراز ما في الأعياد الإسلامية من معانٍ سامية تجمع بين العبادة والفرح، وبين الروحانية والحياة الاجتماعية.

وهكذا يظهر العيد في أدب أحمد حسن الزيات عيدًا للروح والمجتمع معًا؛ عيدًا تتجدد فيه القلوب بعد العبادة، وتتقارب فيه النفوس بعد التباعد، وتشرق فيه معاني الرحمة والتكافل، ومن خلال لغته الرفيعة وتصويره العاطفي العميق، استطاع الزيات أنْ يجعل من العيد في مقالاته صورة أدبية مشرقة، تعكس جمال القيم الإسلامية وسموها في حياة الإنسان والمجتمع.

أما عن ذكرياتنا مع العيد فقد تطورتْ باختلاف أطوار الحياة من الطفولة المبكرة إلى اليفاعة ثم الشباب، ثم الرجولة، ومرحلة الأبوة ثم مرحلة الشيخوخة التي اقترنت بالأحفاد، ولكل مرحلة ذكرياتها الجميلة التي نسعد بها في حينها، أو نسعد بها لدى استرجاعها، وقد نتمنى استعادتها ولكن هيهات.

كما أنَّ العيد يختلف باختلاف الأحوال الاجتماعية والنفسية التي يمر بها الإنسان، وقديما كتب المتنبي عن العيد فقال:

عيد بأية حال عدت يا عيد — بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما الأحبة فالبيداء بينهم — فليت دونك بيدا دونها بيد

وقد حاكيت المتنبي وعارضته في قصيدتي “خنساء مكة” المهداة إلى أختنا الفاضلة الشاعرة المبدعة والناقدة القديرة أم مرافئ الدكتورة “إنصاف علي بخاري” مع خالص مودتي في الله وتقديري، وذلك ردا على تهنئتها الشعرية الرقيقة لنا في عيد الأضحى المبارك عام1427 هـ والتي مطلعها:

يا عيد وجهك أفراح وتغريـد — واليوم كالأمس ما في الأمر تجديد

فقلت فيها متمنيا لأمة الإسلام نهوضا من كبوتها، وما ذلك على الله بعزيز.

خنساء مكة من أخلاقها الجــــــــود — حيت وخير تحاياها الأناشيـــــــد

أرسلت بيتا فريــــــدا في تحيتهــــا — لسيد الشعر كم غنت به البيــــــــد

ما زال يصدق في وصف انتكاستنا —عيد بأية حال عدت يا عيـد

يا أيها المتنبي تلك حالــتنـــــــــــــا — عبر القرون، فما في الأمر تجديـد

أوضاع أمتنا تغتــــال بهـجـتـنــــــا  — فأين يا سيــدي أبطالنا الصيـــــــد

في كل زاوية تلقاك جائحــــــــــــة  — قتل وأســر وتجويع وتشريـــــــــد

لكن خنساءنا راحت تبشــــــــــرنا  — أنْ ســوف يحصل للإسلام منشـود

ما دام لله في أعماقنا وهــــــــــج منـه سان فؤاد الكون تحمـيــــــد

أم المرافئ أنت الــــود أجمعــــــــه — من وقعه صار للأعماق تنشيد

يا بنت مكة يا صنو الصفـــــاء لكم — منا الوفــــــــاء، وحبل الود ممدود

أختاه شعرك بالآمال يغـمـــــــــرنا  — فالعيد عندك أفراح وتغريـــــــــــد

من قلب مكة تمتاحين أخيلـــــــــــة — تغزو القلوب بسحر ثم موجــــــود

فيها رحيق الهدى والنور مكتنــــــز        ماذا، أشعرا أرى أم ذاك عنقـــــود

بوركت يا أختنا والله يحفظــــــــكم  — فنبع أشعاركم صاف ومـــــــورود

وقد كتبتُ عن العيد أثناء وجودي للعمل في السعودية وكنتُ قد قضيتُ العيد في المدينة المنورة بعيدا عن الأسرة فقلت بعنوان “يا ليلة العيد”: وكتبت بالمدينة المنورة ليلة عيد الفطر المبارك 1428هـ، وكتب نصفها الأخير على الصفة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد عصر يوم العيد.

يا ليلة العيــد أين الأهـــل والـــــــدار — يا ليتــهـــــم معـــــنا للبيــــت عـــمــار

يا ليتهم معنـا نحظى بصحبتـــهــــــم — في حضرة المصطفى إذ نحـــن زوار

لم ننسهم بالدعا في المسجـــدين وفي — شهــر الصيــام، ففي البيتين أنـــــــوار

وفي الصيام دعاء العبـــــد يقبـلــــــه — رب كريـــــم له في الصـــوم أســـرار

نرجو تفضله بالعتـــــــــق في كـــرم — عنا وعنكم، فلا تمسســــكم النــــــــار

أنتم أحبتنا يا طـيب معــــــــدنـــكــــم — من حبنا لكم أهل الهـــــوى غـــــاروا

وكيف لا وصميم القلـــب منزلــــــكم — لولا محبتــــــكم لم تـعـــــمــــر الـــدار

يا رب بارك لنا فيكم وفي وطــــــــن — يهفو فؤادي له والعـــقــل يحتـــــــــار

لولا مشقة عيش فيه ما نزحــــــــــت — منه العقول، ولا للأصعــب اختــاروا

لله هجرتنا في الأرض واســــعـــــــة — نرجو رضاه، فهل في هجـــرنا عــار

ما دام في موطني قوم له حـــكمــــوا — إنا إلى ربنا منــــهـــــم لــفـــــــــــــرار

لم يرقبوا فيــــــــــه لا إلا ولا ذممـــا — فحسـبنــــــــا الله، إن الله قــــهـــــــــار

يا رب هيء لنا من أمـــــرنا رشــــدا — واهد العصاة ومن في موطني جـاروا

وهب لنا رحمة في هذه ولهـــــــــــم — يــــا رب إنك وهـــــــاب وغفـــــــــار

واحقن دماء جرت من أمتي هــــدرا — في كل فـــــج دماء القــــوم أنهــــــــار

خـلــوا جهاد العدا فالذل لازمـــهــــم — قد جاءهم مــــن رسول الله إنـــــــــذار

إليك أشكو رسول الله شــــرذمـــــــة — والوا ” يهود ” فهــــم للكفر أصهـــــار

واستنصروا بالنصارى ضد إخوتهم — من هول خزيهم أهل الحجــــا حــاروا

الله حذرهم من سوء صنعهــــــــــــم — يا بئس ما صنعوا، منهـــم إذا صـاروا

أين الأولى ركزوا أعلام عزتنـــــــا — في الخافقــــــــين، وجنـــد الله كـــــرار

هذا صلاح وذا سيف العلا قطـــــــز — بل أين خالــــد سيــف الله بتــــــــــــــار

أين الرشيد ومأمون ومعتصــــــــــم — أين الخلائف من للعرض قــــد ثــاروا

فمن لنا اليوم حيث العرض منتهــك — فأين معتصـــم، والجـيــــش جـــــــرار

وأين من هدموا الأصنام في ثقــــــة — من عزهم دخلـــت في الـدين أمصـــار

وأين من صلبوا لم يثنـهـــــم رهـــب — أو يلههم رغب، للجنـــة اختـــــــــاروا

خباب يا فارسا ما مثلـه أحـــــــــــــد — يا آل ياسر صبــــرا، فـــاز عمــــــــار

بل أين “حيدرة” صهر الرسول لــه — بين الصفــوف أهــــــازيـج وأشعــــار

مهما أعدد ليس العد يحصرهــــــــم — منهم مهـــاجـــــرة فـــازوا وأنـصــــار

يا من له خضعت منا الجبــــاه ويــا — رب العبـــــاد، أغـــفــــــار وقـهـــــــار

أكرم وفادتنا يا رب وامنحـنــــــــــا — أعلى الجنـــان بها حـــــــــور وأنهـــــار

وقد يتأثر الشاعر بالظروف السياسية التي يمر بها وطنه، فيكتب عن العيد انطلاقا من مسؤوليته الثقافية، وقد قلتُ عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير مخاطبا العيد قصيدة “يا عيد”، وذلك في الثالث من شوال 1432 هـ، الموافق للفاتح من سبتمبر 2011م، قلت فيها:

يا عيد فطر أتى والقلب مفطـور — والنفس في حسرة والعقل مأسـور

في كل زاوية من أمتي خطــــر — يــا رب لطفك فالإسلام مقهـــور

أدرك شعوبا تعاني من جبابـــرة — عاثوا فسادا فعم القوم ديجـــــور

لم يرقبوا إلا فيهم ولا ذممـــــــا — فاخسف بهم ربنا، وليشرق النــــور

وصن بفضلك يا الله أمتنــــــــــــا — من التشرذم، أمر الله ميســــــــور

واحقن دماء جرت في كل ناحية — تشكو فراعنة أحكامهـــــــم زور

وهب لنا رحمة نحيا بها أبـــــــدا — فمن رحمت إلهي فهو منصـــــور

ولعلنا نكتفي بما ذكرنا داعين الله أنْ يأتي العيد بالسلام والأمن على أمتنا العربية والإسلامية المستهدفة من الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية، والله المستعان.

رابط دائم
https://elayem.news/pw5sf
Author بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي، قسم اللغة العربية، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر