الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

من بومدين إلى تبون.. قصة حب اسمها فلسطين

Author
admin 27 ديسمبر 2023
X Facebook TikTok Instagram

قيل إن الجزائريين كانوا بالكاد يميّزون بين مدينة القدس ـ عاصمة فلسطين الأبدية ـ وبين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد اعتبر العلامة “عبد الحميد ابن باديس” أن “رحاب القدس الشريف مثل رحاب مكة والمدينة، وأن الدفاع عنهما فرض على كل مسلم”. وبناء على هذا، فقد التزم الجزائريون بالقضية الفلسطينية ودافعوا عنها ـ بكل الوسائل العسكرية والسياسية والدبلوماسية وغيرها ـ وكان من بين أولئك الرجال والقادة الذين حملوا همّ القضية الفلسطينية الرئيس الراحل هواري بومدين.

=== أعدّ الملف: حميد سعدون – م. ب – س. س ===

في مثل هذا اليوم من عام 1978، ودّعنا أحد أشرف الزعماء العرب في العصر المعاصر، رئيس الجمهورية الجزائرية الأسبق، هواري بومدين، ثاني رئيس للجزائر المستقلة بعد الراحل أحمد بن بلة، ويُعدّ بومدين رمزا للنضال والعزيمة، فقد أثرى تاريخ الأمة الجزائرية بإرثه الراسخ ورؤيته الوطنية العظيمة، فلا أحد من العالم ينسى كلماته الشهيرة ـ في قمة الرباط 1974 ـ “الجزائر مع فلسطين ظالمة أومظلومة”، والتي تعكس التزامه القوي بدعم القضية الفلسطينية إلى جانب كل القضايا العادلة في العالم.

مواقفه الثابتة إزاء القضايا العربية والإنسانية وإيمانه الشديد والعميق بحق الشعوب في تقرير مصيرها هي التي توجته بالحصول في عام 1976 على ميدالية السلام التي منحتها إياه الأمم المتحدة، عرفانا وتقديرا له على جهوده المتواصلة في الدفاع عن مبادئ السلم والعدالة في العالم ولا شيء غير ذلك.

وهو أيضا صاحب المقولات الثابتة: “لا وصاية على الفلسطينيين”.. “لا تفاوض، لا تطبيع، ولا تعامل مع العدو”… كان من دعاة رفع التحدي ومقاومة الاستعمار والإمبريالية، فبفضله تمكن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من إلقاء خطابه الشهير في الأمم المتحدة عام 1976م.

كما أن بومدين هو صاحب مقولة:”فلسطين هي كالإسمنت المسلح للأمة إذا تمسكنا بها، وإذا تخلينا عنها تصبح قنبلة تنفجر فينا جميعا”، كما أنه لم يتردَّد في إرسال الجيش الجزائري إلى جبهات القتال مع الجيوش العربية ضد الجيش الصهيوني، كتأكيد منه على مواقفه الداعمة للقومية العربية، التي عُرف بها الزعماء العرب وقتها كجمال عبد الناصر وصدام حسين والملك فيصل.

وفي خطاب شهير له، بعد حرب 1967، قال بومدين: “سيحكم علينا التاريخ كخونة إذا قبِلنا هذه الهزيمة”، وتابع: “الجزائر لن تقبل هذه الهزيمة.. لن تقبلها أبدا”، ووجد بومدين فرصة للانتقام في حرب أكتوبر سنة 1973، إذ أرسل الفيلق الثامن معزَّزا بمدرعات وطائرات حربية، وخطب في الجنود قائلا: “أمامكم طريقان؛ أمامكم النصر أو الموت والاستشهاد”. إن بومدين لم يكن رئيسا فحسب، بل كان مشروع استقلال عربي كامل.

وحين طلب ياسر عرفات، رئيس حركة فتح سنة 1964، من هواري بومدين – وزير الدفاع آنذاك – أن يساعد الفلسطينيين بالسلاح ويدعم ثورتهم ضد الكيان الصهيوني، رد عليه الراحل “اذهبوا وأطلقوا رصاصة.. ثم عُودوا إليّ”، “وسيكون لكم ما تريدون”، وفعلا قام عناصر فتح بعمليات عسكرية ضد العدو ليلة 31 ديسمبر 1964، ونشروا بيانا أعلنوا فيه قيام الثورة الفلسطينية فوفّى بومدين بعهد الرجال ودعمهم بأول حمولة من الأسلحة على متن طائرة عسكرية حطت بمطار دمشق، وفتح لهم مكتبا في العاصمة وأتاح لهم فرصة التكوين العسكري بأكاديمية شرشال العسكرية التي تخرج منها أول فوج للضباط الفلسطينيين سنة 1966.

بعد نكبة 1967، سيطر الكيان الصهيوني على غزة والضفة الغربية وسيناء وهضبة الجولان، فجاء رد فعل الرئيس بومدين بأن طلب من المجتمعين في المؤتمر الطاقوي أن تقوم الدول العربية بتأميم محروقاتها، لكن لم تستجب أية دولة لطلبه وقام لوحده بطرد الشركات الأمريكية والبريطانية من صحراء الجزائر بداية من سنة 1968 وبدأ يتفاوض مع فرنسا حتى أمم المحروقات الجزائرية سنة 1971.

خلال القمة العربية التي انعقدت سنة 1974 بالمغرب، كان كل واحد ـ بعض القادة العرب ـ يريد استغلال القضية الفلسطينية ليفاوض بها أسياده، لكن الرئيس بومدين تفطن لذلك وفرض نظرته الثابتة، بأنه لا وصاية على فلسطين وأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. أما بعد اندلاع حرب أكتوبر 1973، فقد طار بومدين إلى قادة موسكو، مسلما إياهم صكا بـ200 مليون دولار مقابل الأسلحة التي سمحت بانتصار تاريخي ومعركة انتقامية ضد الكيان الصهيوني.

كان ينظر إليهما على أنهما مدينتان مغاربيتان..

الزعيم هواري بومدين شجّع ملك المغرب على تحرير سبتة ومليلية

آمن بومدين بالوحدة المغاربية ونادى بـ”مغرب الشعوب” وناضل من أجل دور ريادي حقيقي ومؤثر للجزائر في إفريقيا، وقاد حملة المطالبة بنظام اقتصادي دولي جديد، وكان ـ ضمن هذا المسعى ـ يستلهم من تراث الحركة الوطنية ونضالها العتيد، رؤيته لمشروع “مغرب عربي” موحد حرّ ومزدهر، لذلك لم تكن “الوحدة المغاربية” لدى الرئيس هواري بومدين مجرد فكرة تائهة معزولة أو قضية تُثار مناسباتيا، إنما هي جزء من نسق فكري متكامل ودافع أساسي من الدوافع المحركة لمنهجه السياسي الأصيل.

واستكمالا للصورة، لابد من الإشارة هنا إلى قضية الاحتلال الإسباني لكل من سبتة ومليلية، فالمصادر المؤكدة تذكر أن بومدين شجّع – أكثر من مرة – الحسن الثاني ملك المغرب على المطالبة باسترداد المدينتين السليبتين المحتلتين، متعهدا له بأن الجيش الجزائري سيكون إلى جانب الجيش المغربي في حالة وقوع الحرب بين المغرب وإسبانيا، من أجل تحرير هاتين المدينتين المغاربيتين، فبومدين كان ينظر إلى المنطقة المغاربية كمنطقة متكاملة أمنيا وإستراتيجيا، وهي نظرة غاية في الأهمية.

ويشير بعض الكتاب والباحثين، مثل الصحفي والكاتب الفرنسي بول بالطا، في دراسته عن إستراتيجية بومدين إلى حقيقة مفادها أن أحد الدوافع والأهداف الأساسية وراء إصرار وتصميم الرئيس هواري بومدين على بعث صناعة جزائرية، وتقوية اقتصاد البلاد، هو رغبته في رؤية الجزائر قوة صناعية واقتصادية، يكون بمقدورها أن تتحمل أعباء الوحدة المغاربية وتحدياتها الدولية تماما، كما كان الأمر مع بروسيا في تجربة الوحدة الألمانية.

لقد كان بومدين رجل دولة حقا، كما وصفه أعداؤه وأصدقاؤه، وكان يمتلك رؤية إستراتيجية بعيدة المدى للواقع الوطني والإقليمي والعالمي برمته، فقد أعلن في إحدى ندواته الصحفية: “إن هذا العالم فُصِّل في غيابنا والآن نحن موجودون، ويجب إعادة صياغة الواقع الدولي وفق مقتضيات العدالة”، وهو ما يدل – بوضوح – على أن بومدين في تخطيطه البعيد كان يتطلع إلى المساهمة في إعادة ترتيب الأوضاع الدولية وفق منظور جديد وهو في هذا المجال رائد دون شك.

هذه الفكرة أعاد إحياءها ـ وبقوة ـ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، حين رافع ـ شهر سبتمبر ـ بنيويورك، من أجل نظام دولي جديد يحقق المساواة والتعاون بين الأمم وأعرب عن تطلعه إلى عالم يسوده الأمن والازدهار والرفاه الإنساني تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة.

ففي كلمة له خلال الدورة الـ78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الرئيس تبون إن الجزائر ناضلت منذ حوالي 50 سنة من منبر الأمم المتحدة من أجل إصلاح “مكامن الخلل في النظام الدولي الحالي ودعت إلى نظام دولي جديد تكون فيه المساواة بين الدول التي تأسست من أجلها المنظمة الأمم المتحدة”.

وأكد طموح الجزائر إلى أن يترسخ في القناعة الجماعية بأن “الحوار والنقاش بيننا مطلب ملح ناضلت من أجله شعوبنا، من أجل عالم يشمله التعايش والتضامن والتعاون والمساواة بين الأمم”، متوقفا عند ما تخلفه النزاعات والأزمات في العالم والتي بلغت “مستوى غير مسبوق”، من تشريد لملايين الأشخاص وتحويل العلاقات الدولية من علاقات تعاون وتوافق إلى مواجهات وصدامات “وضعت المنظمات والمؤسسات الدولية على المحك في وقت يشهد فيه العالم حالة طوارئ ضاغطة متعددة الأبعاد”.

ودعا الرئيس تبون ـ بالمناسبة ـ إلى عقد جمعية عامة استثنائية لمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما دعا محكمة العدل الدولية للاستجابة لطلب الجمعية العامة للمنظمة لإصدار رأيها الاستشاري حول الممارسات التي تمس حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشريف، وطالب مجلس الأمن بإصدار قرار يؤكد بموجبه حماية حل الدولتين.

من جهة أخرى، أكد الرئيس تبون تطلع الجزائر إلى الوصول لتصفية نهائية لظاهرة الاستعمار من آخر مستعمرة إفريقية، حيث “لا يزال شعب بأكمله في الصحراء الغربية محروما من حقه في تقرير المصير عبر استفتاء حر ونزيه يتوافق مع خطة التسوية الأممية-الإفريقية التي اعتمدها مجلس الأمن ووافق عليها الطرفان سنة 1991”.

محمد بوخروبة..

ابن الفلاح الذي تجاوز طموحه مسقط رأسه..

ولد بوخروبة محمد إبراهيم، الملقب بالهواري بومدين، يوم 23 أوت عام 1932 لعائلة ريفية متواضعة الحال بقرية بني عدي قرب جبل هوارة، على بعد 15 كيلومترا من مدينة قالمة، وقد التحق الطفل بوخروبة بالمدرسة القرآنية في القرية التي ولد فيها وكان عمره آنذاك 4 سنوات.

كان والده فلاحا متواضعا وصاحب ملكية صغيرة، أتت عليها الأزمة فجعلت حياة الأسرة الفقيرة أكثر قسوة وحرمانا، وقد ورث الطفل الصغير عن أبيه وطنية متأججة، وقد تعمق وعيه الثوري إثر الصدمة الهائلة التي أحدثتها مجازر الثامن ماي1945، وقد صرح هو نفسه في إحدى خطبه، بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية، أن مجازر الثامن ماي التي عاشها وهو في الثالثة عشر من عمره قد هزته هزا عنيفا وشكلت بالنسبة إليه ذكرى أليمة انطبعت صورتها في ذهنه وقلبه إلى الأبد.

وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة، لم يسلك سبيل زملاء له اتجهوا إلى “الكوليج دي فرانس”، وإنما اتجه إلى المدرسة الكتانية بقسنطينة، غير أنه لم يمكث هناك سوى سنوات ثلاث، ثم عاد إلى مسقط رأسه وشرع في الإعداد لمشروع كان يُخامره ويعتمل في نفسه، فبومدين الذي كان لايزال في ميعةِ الصبا وشرخ الشباب، أراد السفر إلى الخارج، وتحديدا إلى المشرق العربي لمواصلة دراسته.

حين علم أن السلطات الاستعمارية سوف ترغمه على التجنيد الإجباري، توجه بومدين عام 1951 مع بعض رفاقه (محمد الصالح شيروف، محمد لخضر مقدم ومحمد العربي مومني) برا إلى القاهرة، عبر تونس وليبيا، إذ التحق بالدراسة بجامعة الأزهر بعد سنة واحدة من الإطاحة بالملكية في مصر.

وسبق أن روت السيدة أنيسة بومدين، أرملة الرئيس الراحل، مسار رحلته من الجزائر إلى القاهرة مشيا على الأقدام والتحاقه بالأزهر ونضوج تجربته السياسية في ذلك الوقت، وقالت في هذا الصدد ـ ضمن نشاط إعلامي سابق ـ إن بومدين: “أقنع 3 من رفاقه بالسفر معه ولم يكن يملك المال بعد أن باع فراشه وأوانيه من أجل السفر، لكن اثنين منهم رجعوا بعد أن وصلوا إلى بنغازي وبقي معه الأستاذ محمد شيروف مؤلف كتاب رحلة أمل”.

وقالت أنيسة بومدين إن الرئيس الراحل لم يقض سنتين في تونس ولم يدرس في الزيتونة، ودامت رحلته أكثر من 3 أشهر ونصف إلى القاهرة، وأكدت أنه وصل إلى القاهرة في عهد الملك فاروق واستطاع في تلك الفترة الالتحاق بالأزهر.

ورغم أن القاهرة – وقتها – كانت تعجُّ بالتيارات السياسية والأيديولوجية إلا أن الشاب الجزائري بومدين حافظ على استقلاله الفكري والنفسي، فانشغاله الوحيد هو العمل من أجل تحرير الجزائر، إذ إنه كان مقتنعا أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد والحل الأمثل لكسب معركة المصير.

وخلال هذه الفترة الحاسمة من تاريخ العالم العربي، التي امتازت بصعود الفكر القومي المناهض للاستعمار، تأثر بومدين بجو الإحباط العام الذي عاشه العالم العربي الإسلامي عقب الهزيمة في حرب فلسطين (1948- 1949)، ثم تفاعل بحماس كبير مع الجو الوطني الذي عرفته مصر في مطلع الخمسينيات، إثر تصاعد عمليات النضال الوطني ضد الوجود البريطاني.

وإلى جانب النقاشات السياسية، اهتم بومدين بالنقاشات الفكرية، فكان رفقة المفكر الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم من بين أهم الطلبة الجزائريين الذين كانوا يترددون على “دار الطلبة العرب”، رغم الظروف القاسية التي كانوا يمرون بها بسبب نقص الموارد المالية.

من القاهرة، التحق بومدين بجيش التحرير الوطني وتلقى تدريبا عسكريا، فكلفه المرحوم أحمد بن بلة بنقل كمية من الأسلحة إلى الجيش بواسطة “الباخرة “دينا” وتمت العملية بنجاح في فيفري 1955، وهو تاريخ لقائه بالشهيد العربي بن مهيدي الذي اتخذ قرار تعيين بومدين مساعدا للمرحوم عبد الحفيظ بوصوف، بالنظر إلى رسالة التوصية التي أمضاها بن بلة، التي كانت بحوزته، وفيها إشادة بشخصه وبحسه الوطني الكبير.

عمل بومدين إثر هذا التعيين لفترة وجيزة كمراقب، فاختار لنفسه اسما ثوريا هو “هواري بومدين”، تيمّنا بـ”سيدي الهواري المغراوي” و”أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري” والمعروف باسم “سيدي بومدين” أو “أبو مدين التلمساني”، وهكذا انغمس في الثورة والحس التحرري الناضج من خلال اقترابه بالفئات الشعبية التي ينتمي إليها، وهو ما منحه القدرة العالية على مخاطبة الجماهير واتخاذ القرارات في صالحها.

وحين غادر بن مهيدي الولاية الخامسة للالتحاق بلجنة التنسيق والتنفيذ، إثر قرارات مؤتمر الصومام، تم تعيين عبد الحفيظ بوصوف على رأس الولاية الخامسة، بينما أصبح هواري بومدين أحد أهم مساعديه على مستوى الولاية. وفي سنة 1957، التحق بوصوف بدوره بلجنة التنسيق والتنفيذ، فقرر تعيين بومدين في منصب مسؤول الولاية الخامسة برتبة عقيد، فكان أصغر مسؤول عسكري مكلف بتسيير ولاية.

أبدى بومدين، حسب كثير من المؤرخين والباحثين، كثيرا من الذكاء والجدية في العمل والصرامة في اتخاذ القرارات، مع إظهار حسن إنساني رفيع عند الحاجة، كما كان صاحب قدرة فائقة على التسيير، وهو الأمر الذي لفت انتباه المسؤولين إليه، إذ تمكن من إحداث تنظيم عسكري فعال على مستوى الولاية الخامسة.

واستمر بومدين في تطوير جهاز الاستعلامات واللوجيستيك، فحقق انتصارات عديدة على جيش الاحتلال الفرنسي، وصرح لاحقا لكل من “آنيا فرانكو وجان بيار سيريني” اللذين ألفا كتاب “جزائري اسمه بومدين” (منشورات غوليار بباريس سنة 1974): “نحن أبناء الثورة ولسنا أتباع القادة التاريخيين.. لقد أوجدت الثورة إطاراتها القادرين على التسيير”.

وفي أفريل 1958، منح قادة الثورة هواري بومدين مسؤولية الإشراف على لجنة التنظيم العسكري للجهة الغربية (بينما تكفل العقيد محمدي سعيد بالكوم الشرقي)، وقد أنجز مهمته بنجاح وحظي بمزيد من الاعتراف بالكفاءة من قبل قادة الثورة، ويتحدث كثير من المؤرخين، من بينهم محمد حربي، عن نجاح كبير حققه بومدين في مهمة تعتبر من أهم مهام الثورة في تلك الفترة التي عرفت عودة الجنرال ديغول إلى الحكم في فرنسا وإنشاء الجمهورية الخامسة وإعداد خطة عسكرية رهيبة لضرب الثورة ومحاولة القضاء عليها.

بحكم اعتباره قائدا للولاية الخامسة، حضر بومدين اجتماع العقداء الشهير، الرامي إلى إيجاد حلول للخلافات التي برزت بين الباءات الثلاثة (بوصوف، بلقاسم كريم وبن طوبال) وباقي أعضاء الحكومة المؤقتة، بشأن الشروع في مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، وجرى الاجتماع مع نهاية أفريل 1959 بتونس، مباشرة عقب استقالة الدكتور لمين دباغين من منصبه كوزير للخارجية في الحكومة المؤقتة.

وذكر المرحوم علي كافي في مذكراته أن بومدين كان أول من أخذ الكلمة في هذا الاجتماع حين قال: “سوف نتكفل بهذه المهمة وسنتحمل المسؤولية كاملة”، وهكذا، جاءت فكرة بومدين الرامية إلى إنشاء قيادة الأركان العامة ولجنة وزارة للحرب على مستوى الحكومة المؤقتة، فاقترحها على كريم بلقاسم، وبالفعل تم إنشاء القيادة وأسندت مسؤوليتها للعقيد هواري بومدين يوم 16 جانفي 1960، بمساعدة كل من الرائد عز الدين، قايد أحمد وعلي منجلي.

لعب بومدين، بفضل قدرته على التسيير من مكتبه “بغارديماو” حيث كان يعلق صورة للأمير عبد القادر ـ دورا بارزا عبر المشاركة في تسيير شؤون الثورة. ومع بداية من سنة 1961، تمكّن من أن يتحول إلى شخصية تاريخية، ومع فجر الاستقلال تولى العقيد هواري بومدين منصب وزير الدفاع ونائب للرئيس، غير أن تناقضات السنوات الأولى من عهد الاستقلال دفعته إلى قيادة ما سمي “عملية التصحيح الثوري” في 19 جوان 1965 معلنا بذلك مرحلة جديدة في الحكم.

من بومدين إلى تبون..

الجزائر وفية للقضايا العادلة من فلسطين إلى الصحراء الغربية 

أكد رئيس الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، نور الدين جودي، أمس الثلاثاء، أن دعم الرئيس الراحل هواري بومدين لحركات التحرر في إفريقيا – وعلى رأسها حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير – “واجب مقدس” و”مبدأ لا نقاش فيه”، ناضل من أجله في مختلف المحافل الدولية، مشيرا إلى أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، يسير على نفس الموقف ولا يسمح بـ “أي نقاش في حق الشعبين الصحراوي والفلسطيني في الحرية والاستقلال”.

وفي مداخلة له خلال “منتدى الذاكرة “، الذي سلط الضوء على “دعم الرئيس هواري بومدين لحركات التحرر بإفريقيا.. جبهة البوليساريو نموذجا”، من تنظيم جمعية مشعل الشهيد وجريدة المجاهد، بمناسبة الذكرى الـ45 لوفاة الرئيس بومدين، أوضح نور الدين جودي أن “الرئيس الراحل كان يعتبر دعم الجزائر لحركات التحرر” واجبا مقدسا” وقضية مبدئية لا نقاش فيها ولا حوار حولها”.

كما أكد عميد الدبلوماسيين الجزائريين “أن الرئيس هواري بومدين كان عملاق دعم حركات التحرر في إفريقيا”، و”لم يكن ملتزما فقط بتحرير الجزائر بل بتحرير كل إفريقيا، أي كل الشعوب التي كانت تحت الاستعمار والتمييز العنصري”، مردفا: “دعم حركات التحرر عند الرئيس بومدين كان دائما هدفا أساسيا وواجبا مقدسا”.

وبعد أن أبرز أول سفير للجزائر بجنوب إفريقيا دور الرئيس بومدين في بناء الدولة الجزائرية على مختلف الأصعدة والميادين، قدم شهادات حية عن مواقف بومدين الداعمة للحركات التحررية، وتوقف مطولا عند التلاحم الكبير للجزائر مع حركات التحرر في إفريقيا، حيث كانت الجزائر – حتى قبل حصولها على الاستقلال – تدرب المقاومين الأفارقة بداية من عام 1958. وأبرز، في هذا الإطار، أن” الثورة الجزائرية كانت فريدة من نوعها، لأنها مبنية على مبادئ مثل الحرية والعدالة وحقوق الشعوب”.

كما التزمت الجزائر، بعد استقلالها وتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي حاليا)، بمساعدة حركات التحرر في العالم، ليس من باب المساعدة فقط بل لأنه مبدأ منبثق عن ثورة 1 نوفمبر 1954، وأن الرئيس بومدين كان حريصا على الدفاع عنها في كل المحافل الدولية، خاصة اجتماعات الاتحاد الإفريقي.

وفي السياق، أشار إلى أن الملك المغربي الراحل، الحسن الثاني، لم يشارك في أي مؤتمر يحضره الرئيس بومدين، ولم يحضر في أي اجتماع للمنظمة الإفريقية إلا بعد وفاة بومدين، وذلك بسبب موقفه من قضية الصحراء الغربية، والتي أكد الرئيس بومدين أنها قضية “مبدئية لانقاش ولا حوار حولها”، مشددا على أن “الرئيس بومدين كان ملتزما بالدفاع عن حق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال”.

التزام الرئيس تبون

وفي الأخير، أشاد رئيس الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية وعميد الدبلوماسيين الجزائريين، نور الدين جودي، بموقف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، “الذي يسير على موقف الرئيس الراحل هواري بومدين نفس في دعم قضايا التحرر في العالم، ولا يسمح بأي نقاش حول حق الشعب الصحراوي والفلسطيني في تقرير المصير”.

من جهته، أشاد القائم بالأعمال في سفارة الجمهورية الصحراوية بالجزائر، محمد الشيخ، بالمواقف الثابتة والمتميزة للجزائر، في ما يتعلق بالقضايا العادلة، وهو ما سلم به العدو قبل الصديق، كما أشاد بالمواقف التاريخية الخالدة للرئيس الراحل هواري بومدين في دعم حركات التحرير، قائلا “كان قامة شامخة، والتي تبقى خالدة ومحفوظة ومتجذرة لدى الشعوب التواقة للحرية والاستقلال، لأنه كان يستميت في الدفاع عن الشعوب المضطهدة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا”.

وأشار الدبلوماسي الصحراوي إلى أن الرئيس بومدين “كانت له رؤية مستقبلية واستشرافية”، إذ أكد أن “المغرب والكيان الصهيوني هما الوحيدان اللذان لا يعترفان بوجود حدود بين الدول”، مشيرا إلى أن النظام المتصهين في المغرب لا يختلف عن الاحتلال الصهيوني وأن عقيدته مبنية على التآمر والابتزاز والخيانة”.

وبالمناسبة، أكد أن الشعب الصحراوي، سواء في مخيمات اللاجئين بالجزائر والتي فر لها من بطش الاحتلال المغربي أو الشعب الصحراوي الذي يتعرض للقمع الممنهج في المدن المحتلة، مصرٌ على تحقيق الحرية والاستقلال، منبها إلى ما يتكبده الاحتلال المغربي من خسائر على يد الجيش الصحراوي منذ 13 نوفمبر 2020.

بدوره، أكد المناضل من أجل حقوق الإنسان، محرز العماري، أن هواري بومدين كان زعيما خدم البلاد داخليا ودوليا، وأنه جسد مقوله “الجزائر دولة لا تزول بزوال الرجال”، مؤكدا أن “دعم الجزائر لحركات التحرر في العالم نابع من مبادئ ثورة أول نوفمبر المبنية على العدالة، والوقوف إلى جانب الشعوب المضطهدة، سواء القضية الصحراوية أو القضية الفلسطينية التي بقيت مقولته حولها (الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة) خالدة تتوارثها الأجيال”.

وهو ما تدافع عنه “الجزائر اليوم بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون في كل المحافل الدولية أو الوطنية، سواء من خلال مشاركته الأخيرة في الدورة الـ 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة أو من خلال الخطاب الذي وجهه، الإثنين، إلى الأمة أمام البرلمان بغرفتيه”.

بومدين مخاطبا الجنود الجزائريين شهر جوان 1967:

“إنكم تتوجّهون إلى قطعة من أرضكم سلبها الصهاينة”

“الشعب هو السّيد.. هذه ديمقراطيّتنا”

كان لخطاب الرئيس الراحل هواري بومدين الشهير، بالجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاريخية برئاسة الجزائر، أفريل 1974، تأثير كبير، حين طالب الدول بضرورة تغيير العلاقات الدولية وصولا إلى نظام اقتصادي دولي جديد أكثر عدلا وإنصافا لدول الجنوب، وكان الخطاب من أقوى الخطابات برؤية استشرافية.

اهتم الرئيس الراحل بومدين بالطبقة الشعبية، وهو ما نلمسه في مثل خطابه الذي قال فيه: “نفتخر بديمقراطيتنا التي حررت الفلاح وأعطته الأرض، نفتخر بهذه الديمقراطية التي ألغت الضرائب على الفلاح، نفتخر بهذه الديمقراطية التي صنعت البلاد وسنّت مجانية التعليم والطب لكل أبناء الوطن، نفتخر بديمقراطية بناء الجامعات والمدارس والمعاهد في كل جهات البلاد، نفتخر بديمقراطية أن لا سيّد في هذه البلاد وأن الشعب هو السيد”.

وثمة خطاب آخر، قال فيه: “حاولنا الاهتمام بالفلاح، لم نقل له إننا أسيادك أو أمراء عليك، نعرف مشاكله وصعوباته وإحساسه، نحن أبناء الشعب وفي خدمته”. وقد أعلى بومدين كرامة الجزائري في الداخل والخارج، خاصة العمال الذين يشتغلون بفرنسا، والذين قال فيهم وعنهم: “في المدة الأخيرة، اتخذنا قرارا وقلنا ما لم تتوفر شروط الأمن في فرنسا، وما لم تتوفر شروط الكرامة بالنسبة لعمالنا بفرنسا، لن يبقى جزائري يخدم في فرنسا، إن شاء الله (ناكلو تراب هذه الأرض)”.

موقفه من قضية الصحراء الغربية كان واضحا، فقد طالب بالاستقلال الكامل للشعب الصحراوي، وقال ذات يوم: “الجزائر تبقى دائما على استعداد للمساهمة بالطرق السلمية في إيجاد الحلول لكل مشكل يطرأ في منطقتنا، ونحن على استعداد أن نساهم ولو بنصيب محدود في حل هذا المشكل الدامي، مشكل الصحراء الغربية.. وقد أعلنا عن استعدادنا مرات ومرات لحضور المؤتمر الإفريقي لمعالجة هذه القضية.. فالجزائر انتهجت وتنتهج طريق الشرعية الدولية وسنبقى سائرين في هذه الطريق، وسيبقى دائما شعارنا العمل واليقظة… العمل من أجل تدعيم الثورة واليقظة من أجل الدفاع عن الثورة”، واتبع الرئيس الراحل هواري بومدين، بعد توليه رئاسة البلاد سنة 1965، سياسة دبلوماسية اتسمت بمؤازرة ومساندة القضايا التحررية في العالم، ومناهضة بقاء الاستعمار.

ناصر بومدين القضية الفلسطينية، وانطلاقا من هذا الموقف شاركت الجزائر في حربي 1967 و1973. وفي خطابه بتاريخ 06 جوان 1967 ، أكد الرئيس الراحل هذا التوجه بقوله: “…في هذه الدقائق الخالدة وهي الدقائق الحاسمة وأنتم على أهبة السفر جاهزين للرحيل من الجزائر التي هي قطعة من الوطن العربي للتوجه للدفاع عن قطعة أخرى من الوطن العربي، ألا وهي فلسطين وهذه هي المرة الثانية، وفي مدة قصيرة جدا آخذ الكلمة للتعبير عن وجهة نظر الشعب الجزائري والثورة الجزائرية تجاه هذه الأحداث الخطيرة التي يعيشها الوطن العربي… إن هذه المؤامرة دبرت قبل اليوم وظهرت للعيان وظهرت نتائجها للعالم أجمع… إنكم تتوجهون إلى قطعة من أرضكم سلبها الصهاينة”.

وأضاف بومدين في خطابه: “إن الوقت ليس وقت كلام بل وقت تجنيد وعمل، والجزائر واقفة إلى جانب العرب في القاهرة أو في دمشق أو في أي مكان من الوطن العربي… أنتم بصفتكم طلائع أولى لشعب لم يطأطئ رأسه طيلة الأجيال وأنتم بذهابكم إلى المعركة ستدافعون عن فكرة سامية، ألا وهي القضاء على قاعدة الاستعمار وعلى خنجر في قلب الأمة العربية… إنكم تحملون مجد الأمير عبد القادر ومجد جيش التحرير، ومجد المليون ونصف مليون شهيد ولابد أن تشرفوه..”.

وفي السابع والعشرين من شهر ديسمبر 1978، رحل الزعيم الخالد هواري بومدين؛ لكن، بقيت مآثره شاهدة على صمود الجزائر وقيمها ومبادئها، التي آمن بها وحملها في قلبه وعقله وسخّر حياته لخدمتها والانتصار لها، غير أن كل هذا لم يمت برحيله، إذ جاء بعده من يكمل مسيرة الجزائر لتتبوأ مكانتها في الصف الأول من الدول الأكثر تأثيرا في العالم.

بومدين وفلسطين.. قصّة رجل وقضيّة “شرف”!

بقلم: عكنوش نور الصباح – باحث في الشّؤون السّياسية والعلاقات الدّولية

تأصيلاً، يمكن القول إنّ الرئيس الرّاحل هواري بومدين كان مناضلاً باسمه النّضالي وبمساره الكفاحي وفي بعده الوطني والقومي والدّولي قبل أن يكون رئيساً لبلد ثوري، حيث كان الرّجل بحكم هذا المعطى قومياً أكثر من القوميين وفلسطينياً أكثر من بعض الفلسطينيين في فكره ورؤيته وقراراته حيال أمّ القضايا.

لم يكن الرّئيس الرّاحل هواري بومدين في ذلك يرنو لجوائز أو لأضواء أو مصالح، بل كان الموضوع بالنّسبة له مبدئي لا يتعاطى معه بمنظور براغماتي، بل وفق محدّدات ذاتية وموضوعية متماهية مع طبيعة الرّجل وشخصيّته ونصرته للقضايا العادلة كفلسفة حكم أسّس عليها دعمه على كلّ المستويات المالية واللوجستيكية والدّبلوماسية والإعلامية والعسكرية لفلسطين دون أن يستعملها كورقة للمساومة أو الابتزاز أو الضّغط ودون وصاية على مكوّنات الحركة الوطنية الفلسطينية.

وقد وقف الرّئيس هواري بومدين بشدّة وقوّة من أجل وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية وشرعيّتها واستقلاليّتها ، وقارع وخاصم العرب والعجم من أجل سيادة خطّها التّحرّري وسط تجاذبات واستقطابات إقليمية ودولية حادّة في عمّان 1970 وبيروت 1975 وكامب ديفيد التي وقعت عام 1979 وغيرها منذ تأسيس حركة فتح ، وانطلاق الكفاح في الثّورة الفلسطينية في يناير 1965 وهي الدّيناميكية الثّورية التي عانت طيلة السّبعينيات من القرن الماضي من المؤامرات والخيانات وظلم ذوي القربى.

وبالمقابل، كانت الدّيناميكية الثّورية التي دعّمها رغم البعد الجغرافي بالسّلاح والسّياسة وصولاً إلى رفض اتفاقيات مخيم داوود التي أقصت الطّرف الأصيل في المسألة، ألا وهو الشّعب الفلسطيني بهويّته ونخبه لصالح تسويات “إدارية” عقيمة، ومروراً بتأطير وتجهيز وتفعيل انضمام منظّمة التّحرير الفلسطينية كممثّل شرعي ووحيد للشّعب الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كان الشّهيد القائد ياسر الفلسطيني وعرفات الجزائري يرفع غصن الزّيتون الأخضر عالياً في رمزية خالدة تحت رعاية سامية من بومدين في دعم كامل للقضيّة من حيث هي امتداد لكفاح الجزائر من أجل استقلالها من الاستيطان الهمجي الفرنسي توأم الاستيطان العنصري الصّهيوني.

فالقضيّة كانت واحدة بالنّسبة للرّجل الذي رحل تاركاً فلسطين مظلومة في حرب عالمية ظالمة ضدّ الأطفال والنّساء والأبرياء وتاركاً الجزائر ثابتة مع الحقّ إلى يوم لقاء الحق ، ولا غروَ أن تتقارب ذكرى رحيله في السّابع والعشرين ديسمبر مع ذكرى انطلاق الثّورة الفلسطينية في رأس السّنة الجديدة؛ وهي كلّها محطّات القدر وإرادات الرّجال ودروس التّاريخ.

جهاد الجزائريين في فلسطين..

من تحرير بيت المقدس إلى “طوفان الأقصى”!

بقلم: إبراهيم باجس عبد المجيد – باحث مقدسي

من محاسن الصّدف، بل من محاسن الأقدار، أن تجري أحداث معركة “طوفان الأقصى” الدّائرة رحاها على أرض فلسطين المباركة تزامنا مع الذّكرى السّنوية لثورة الجزائريين المجيدة في الفاتح من نوفمبر، التي كان انطلاقُها إيذاناً بالتّحرّر من رِبقة الاستعمار الفرنسي، الذي جثم على الجزائر والجزائريين عقوداً من الزّمن، إلى أن نالت الجزائر استقلالها عن هذا الاستعمار البغيض، بعد أن قتل الملايين من شعب الجزائر، مستخدمًا كلّ أدوات القتل والدّمار، وعمل على سلخ الجزائريين من هويتهم الثّقافية والعربية والدّينية، وصَبْغهم بالهويّة الفرنسية الغربية. ولكن جهاد الجزائريين وكفاحهم وثورتهم أفشلت مطامع الاستعمار تلك.

وإنّنا إذ نعايش هذه الأيام ونرى مجريات الحرب الدّائرة على أرض فلسطين.. عقب عملية “طوفان الأقصى”، وإذ نعايش معها الذّكرى المجيدة للثّورة الجزائرية، فإنّنا نستذكر أيضاً ما قدَّمه الجزائريون من جهاد وتضحيات وفداء وشهداء لفلسطين على مرِّ السّنين، ومنذ قرون عدَّة، حتى غدا الجزائريون مصدرَ إلهام ونموذجاً يُحتذى للثّورة الفلسطينية ضد الاحتلال والاستعمار، بل نموذجاً يُحتذى لكلِّ ثائر يسعى إلى التحرُّر من القيود والأغلال.

وقد يستغرب البعض من عنوان هذه المقالة (جهاد الجزائريين في فلسطين من تحرير بيت المقدس إلى طوفان الأقصى)! هل كان للجزائريين دور في تحرير بيت المقدس؟ وهل لهم دور اليوم في معركة طوفان الأقصى؟ وهل كان لهم إسهام في معاركَ أخرى جرت على أرض فلسطين بين هذا وذاك؟!

فأقول: نعم، لقد ساهم الجزائريون أيَّما مساهمة في تحرير بيت المقدس من الاحتلال الصليبي، كما ساهم الجزائريون في مقارعة المستعمر البريطاني لفلسطين. وقد ساهم الجزائريون في محاربة المحتل الصهيوني منذ احتلاله فلسطين عام 1948 إلى يومنا هذا، فإذا رجعنا إلى التاريخ القديم والتاريخ المعاصر سنجد مِصداق ذلك.

ففي الحروب الصّليبية، كان للجزائريين دورٌ وأيُّ دورٍ في تحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى من الاحتلال الصّليبي، الذي دام أكثر من تسعين سنة، فقد أسهم الجزائريون، مع عموم المغاربة الذين استنجد بهم صلاح الدّين الأيوبي في هذه المعركة التحريرية، ثم أسكنهم بالبُقعة الملاصقة للمسجد الأقصى، والتي تُعرف اليوم بحارة المغاربة، لأنّه رأى أنّ هذا المكان هو خطُّ الدّفاع الأول عن المسجد الأقصى، وقال في ذلك: “لا آمَن عليه إلا أُناساً أشدَّاءَ”، فجعله لعموم المغاربة، ومنهم الجزائريون. لكنه خصَّ الجزائريين، من بين المغاربة، بمكان آخرَ، وهو بلدة عين كارم المقدسية، فجعلها وقفاً على ذرية العالِم المجاهد أبي مدين الغوث التلمساني، الذي جاهد في بيت المقدس، وهناك قُطعت يدُه، وهناك دُفنت، أما هو فدُفن في بلده تلمسان، فيشاء الله أن يكون جزءٌ من هذا الجسد الطاهر في بيت المقدس وجزء في الجزائر، لنبقى على ذكر دائم لهذا التواصل بين الجزائر وفلسطين منذ قرون مضت، حيث كان للجزائريين شرف الجهاد على أرض فلسطين، شرف توارثته الأجيال، جيلاً بعد جيل، ويفخرون أن أيديهم ممتدة بالعون والنصرة إلى إخوانهم في فلسطين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي العصر الحديث.. يعاني الجزائريون ويقاسون من ويلات المستعمر الفرنسي وتقتيله لهم وتشريدهم من ديارهم، فيلجأ بعضهم، وعلى رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري – رحمه الله، إلى الأرض التي جاءها أجدادهم فاتحين محرِّرين، يلجؤون إلى أرض فلسطين، فيستوطنونها ويقيمون فيها، فكانت لهم قرى كاملة، يعرف أهل فلسطين أن هذه القرى والبلدات هي التي أنشأها الجزائريون وأقاموا فيها، فكان لهم في مدينة حيفا قُرى: بئر المكسور وهوشة والكساير، وفي مدينة صفد: ديشوم وعَموقة وماروس وتليل والحسينية، وفي طبرية: سَمَخ وكفر سبت وشعار ومَعذر وعَولَم. وظلُّوا على إقامتهم في تلك القرى حتى احتلها الصهاينة عام 1948 ودمَّروها، كما يفعلون في غزة اليوم، وهجَّروا منها أهلها الجزائريين، فلجأ قسم منهم إلى شمال الأردن، وقسم أكبر لجأ إلى مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان وسوريا، حيث سكنوا حيَّاً من أحياء مخيم اليرموك بدمشق. ومن المفارقات أن يُطلق على هذا الحي اسم حي المغاربة، أو حارة المغاربة.

ولم يكن الوجود الجزائري المعاصر في فلسطين مجردَ وجود لاجئين اضطَّروا إلى الهجرة من وطنهم، بل انخرطوا مع إخوانهم الفلسطينيين في كل مناحي حياتهم، ومنها الناحية الجهادية، فكان منهم الثوار المجاهدون، الذين قاوموا المستعمر البريطاني وأقضُّوا مضجعه، ولهم في ذلك حكايات سُطِّرت وكُتبت بدم شهدائها على أرض فلسطين.

وأنا أذكر، هنا، نموذجاً فذَّاً من طلائع المجاهدين الجزائريين، الذين حاربوا الاستعمار البريطاني، ونال الشهادة بسبب ذلك، حيث أعدمه الإنكليز سنة 1939. وأسوق حكاية هذا البطل كما ذكرها المؤرخ المقدسي الأستاذ بشير بركات في كتابه (في تاريخ المغاربة بيت المقدس)، حيث يقول:

“ومن عظمائهم [المغاربة]: مصطفى الجزائري، المُلَقَّب بأبي علي المَغْرِبي، الذي استُشْهد عام 1357هـ/ 1939م. ومن المؤسِف أنّ كُتُبَ التاريخ أهملتْهُ؛ رُبّما لكَوْنِه من بُسَطاء الناس، فلم يكن ذا مالٍ ولا مَنصبٍ ولا جاه. كان أبو علي ذا رِجْلٍ واحِدة، وتمّ تركيبُ رِجْلٍ اصطناعيةٍ له عِوَضًا عن المَقْطوعة. فكان يُساعِدُ الثوّار الفلسطينيّين بتهريبِ أسلحةٍ وذخائرَ صغيرة داخل تلك الرِّجْل! إلى أن وَشَى به شخصٌ يُدْعَى “علي المستقيم”. فقَبَض الإنجليزُ على أبي علي، وعذَّبوهُ عذابًا شديدًا، شَمِلَ إدخالَ عصا في قَفاه. ورَغْمَ كُلِّ ذلك لم يَعترفْ بشيءٍ قد يؤذي إخوانَه الثوّار.

ثم قرَّرَ الإنكليزُ إعدامَهُ في صباحِ يومِ عيد الأضحى المبارك، في 10 ذي الحِجَّة 1357هـ، وَفْقَ 30 كانون الثاني (ديسمبر) 1939م. فطَلبَ الملكُ فؤاد [ملك مصر] ومُفتي مصر والأميرُ عبد الله [أمير شرق الأردن] عدَمَ تنفيذِ الإعدامِ في ذلك اليوم. لكنّ سلطاتِ الاحتلالِ لم تَستجبْ لهم، وتمّ شَنْقُ أبي عليٍّ مع الشيخ الجليل فرحان السعدي في ذلك الصباح”. ثم يقول الأستاذ بشير بركات: “وقد عثرتُ في مُذَكِّراتِ أحدِ أبناءِ عائلةِ الحسيني على النَّصِّ الآتي:

“وإنْ أنسَى لا أنسَى ما حَييتُ يومَ عيد الأضحى المبارك، حيث قضيتُهُ مع أقاربي في السجن المركزي. وأرادت الحكومةُ البريطانيةُ الديمقراطيةُ أنْ تُقدِّمَ واجبَها نحْو المسلمين كافَّةً في مشارق الأرض ومغاربها، فقدَّمت لهم كبشَ العيد، ويا له من كبشٍ سَمين. فقد أَعدَمتْ في ذلك اليوم المبارك البطلَ المِغوارَ والشهيدَ الغالي، ألا وهو المرحوم السيد مصطفى الجزائري. ولم ينفعْ معها شكوى الشّاكين، ولا رجاءُ المُسْتجيرين. وهذه إهانةٌ عُظمى نحْو سبعمائة مليون مسلم، تمزَّقتْ لها القلوب، وتفتَّتَتْ مِن هَوْلِها الأكباد، وتقرَّحتْ من لَوْعَتِها الأجفان. ويا له من يومٍ عظيم، نُقِشَ تاريخُهُ على كُلِّ قلبٍ لا يَنْسَى ولا يَتسامح مَهْما مرَّت الأيامُ وكرَّت السنين”.

وقد أحصى الباحث الجزائري، الأستاذ عبد الغني بن إبراهيم بقيروس، في كتابه (صفحات من جهاد الجزائريين بفلسطين 1948-1949) أسماء العشرات من المجاهدين الجزائريين، الذين جاؤوا من مختلف الولايات الجزائرية؛ فهذا من البليدة، وذاك من باتنة، وثالث من تبسة، وآخر من بسكرة، وغيره من بومرداس.. جاؤوا لمشاركة إخوانهم المجاهدين من أهل فلسطين في محاربة المستعمر البريطاني، ومعه العصابات الصهيونية التي كانت نواة احتلال فلسطين من قبَل اليهود. ومِن هؤلاء المجاهدين الجزائريين مَن أكرمه الله بالشّهادة على أرض فلسطين، ومنهم من عاد إلى وطنه الأم الجزائر، فكُتب له أجر الجهاد والرباط في أرض الإسراء والمعراج.

وبعد إكمال الصهاينة احتلالهم لفلسطين عام 1967 ، لم يغفلوا عن التنكيل بالجزائريين في فلسطين؛ فقد كان هناك قُرابة 40 طالباً من أبناء شهداء الثورة الجزائرية، ابتعثتهم الحكومة الجزائرية إلى الأردن للدراسة وتعلُّم اللغة العربية، وتعهَّدت الحكومة الأردنية – آنذاك – باستضافة هؤلاء الطلبة وتعليمهم، واختارت مدينة نابلس الفلسطينية مكاناً لإقامتهم، والدراسة في مدارسها، ومنها كلية النجاح (هي الآن من أكبر الجامعات الفلسطينية).

وبعد وقوع الحرب حصل لهؤلاء الطلبة ما حصل لإخوانهم من أهل مدينة نابلس وفلسطين عموماً، بل أشد، إذ حوصروا في مسكنهم؛ ولم يجدوا مكاناً يخرجون إليه كما فعل كثير من سكان المدينة. إلا أنهم، في ظل هذه الظروف العصيبة، وهم في غُربتهم، وفي ظل صدمة الاحتلال، لاقوا اهتماماً كبيراً من قبل الأهالي، وقبلَهم المسؤولون والوجهاء في مدينة نابلس، وعلى رأسهم رئيس بلدية نابلس، الأستاذ حمدي كنعان رحمه الله، حيث عمل على زيارتهم في مسكنهم باستمرار، ومدِّ يد العون لهم، وتزويدهم بما يحتاجونه من مواد تموينية، وبشكل يومي.

ولم يدم أمر مكوث هؤلاء الطلبة في مسكنهم طويلاً بعد الاحتلال، إذ حضرت إليهم جنود الاحتلال، واقتادوهم إلى سجن القدس، ثم إلى سجن مدينة الرملة. ويحكي الأستاذ حمدي كنعان، في مذكّراته، أنّه ظلّ يسأل عن مصيرهم كلَّ من اجتمع به من المسؤولين في سلطات الاحتلال، الذين كانوا يرون أن هؤلاء الطلبة ما هم إلا من المقاتلين الأجانب الذين انضمّوا للقتال إلى جانب الفلسطينيين. ولَمَّا بيَّن له حقيقة أمرهم، وأنّهم طلاب مبتعثون للدّراسة في مدارس نابلس، قال له صراحة: “سنحتفظ بهم، لأنّ لدينا ستة آلاف أسير مصري، ترفض مصر مبادلتهم بثلاثين أسيراً يهودياً، ولذا يهمّنا أن نحتفظ بهؤلاء الجزائريين، لعلّ ذلك يؤثر على موقف المصريين”. فكانت المسألة مسألة ابتزاز للحكومة المصرية من خلال الضغط عليها، وأيضاً الضغط على الحكومة الجزائرية للعمل على إقناع مصر بالإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لديها.

ثم تمكّن الأستاذ حمدي كنعان، وبعد جهود كبيرة ومضنية، من زيارة الطلبة والاجتماع بهم في سجن الرملة، وكان لهذه الزيارة أكبر الأثر في نفوسهم، إذ بدت عليهم علامات السعادة والارتياح لهذه الزيارة، بعد معاناة وتعب شديدين من سوء المعاملة التي عوملوا بها في أثناء اعتقالهم من سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وفي هذه الزيارة طمأنهم الأستاذ كنعان بقرب الإفراج عنهم، وقال لهم: إنّه يرى في هذه الزيارة بصيص أمل بقرب الإفراج عنهم وعودتهم إلى بلادهم. لذا فإنه، وفور عودته من سجن الرملة إلى مدينة نابلس، بادر بإرسال متاع هؤلاء الطلبة وملابسهم إلى السفارة الجزائرية في عمان.

ثم تحقَّق ما أمَّله، فبعد أسبوع من هذه الزيارة، أخبره الحاكم العسكري الإسرائيلي أنه جرى الإفراج عن الطلبة الجزائريين، كما جرى ترحيلهم إلى الأردن بواسطة الصليب الأحمر الدولي، وكان الإفراج عنهم في يوم 7 سبتمبر 1967 ، أي بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال.

وصفحة أخرى من هذا الجهاد الجزائري على أرض فلسطين، نقرؤها اليوم في سجلِّ معركة طوفان الأقصى على أرض غزة، فكان من طلائع المجاهدين في هذه المعركة المباركة ثُلَّة من شباب الجزائر الثائر، الذين استقروا في مدينة غزة منذ سنوات، وما إن دعا داعي الجهاد حتى كان من أول الملبِّين للنداء، فشاركوا إخوانهم من شباب فلسطين حتى نالوا شرف الشهادة، وكأنَّ دم الأحفاد يحنُّ إلى دم الأجداد!

وكان من هؤلاء الفتية: المهدي البرقوني من مدية الحرَّاش، الذي رأيناه يقود آلية كبيرة ممَّا غنمه المجاهدون من المحتل الصهيوني، وكان منهم زايد محمد البيُّوك ومؤمن هادي دبابشة، وكلاهما من ولاية بسكرة، وكأنَّ بسكرة لم تكتف بإنتاج أجود أنواع التّمور، بل أنتجت كذلك أجودَ الرّجال وأفضلَهم، فبهم وبأمثالهم تفخر الجزائر وشعب الجزائر.

وبعد، فهذه هي الجزائر، وهؤلاء مجاهدوها على مر العصور، منذ جهادهم في صفوف صلاح الدّين الأيوبي، حتّى جهادهم في صفوف عزّ الدين القسّام، تعطَّرت بدمائهم أرض فلسطين، وتعطّرت بسيرتهم أرض الجزائر، فهنيئاً لفلسطين بهم، وهنيئاً للجزائر بهم، وهنيئاً لهم هم بهذا الشّرف الذي لا يحوزه إلاّ الصّفوة ممّن يختارهم الله.

هذا هو الرئيس هواري بومدين في ذاكرة الفلسطينيين

بقلم: البروفيسور محمد الأمين بلغيث – مؤرخ وأكاديمي

يبقى الرّاحل هواري بومدين الرّئيس الثاني للدّولة الجزائر بعد استرداد سيادتها المغتصبة منذ جويلية 1830م، أيقونة تاج الجزائر بعد استرداد سيادتنا المغتصبة من طرف مغول القرن التّاسع عشر والعشرين (فرنسا أمّ الخبائث) على حدّ قول ما هو شائع ضمن أدبيات الشّيخ محمد العربي التبسي – رحمه الله-.

وتظهر شخصيّة هواري بومدين، منذ الأيّام الأولى الصّعبة على عمقنا العربي الإسلامي، فهو ممن يصلح أن نقعد عليه المقولة الشّهيرة: (من الشّرف أن يشيب الإنسان على قيِّم شبَّ عليها).

لهذا، اعتبر الرّئيس الرّاحل هواري بومدين فلسطين قضيّة كلّ العرب والمسلمين، حيث تظهر مكانة فلسطين والقضيّة الفلسطينيّة في ذاكرة الجزائريين أيّام هواري بومدين قائد الأركان ثمّ رئيس مجلس الثّورة ورئيس مجلس الوزراء فيما يلي:

    أولاً: كانت الجزائر من أوائل الدّول التي تعترف بمنظّمة التّحرير الفلسطينية، فتمّ افتتاح أوّل مكتب للمنظّمة في صيف عام 1965، وعين سعيد السبع، كأوّل مدير لمكتب منظّمة التّحرير الفلسطينية بعد انتصار الثّورة الجزائرية حيث ساهم بحملة تعريب الجزائر من خلال إرسال ألفين وخمسمائة مدرس فلسطيني بناء على طلب الحكومة الجزائرية كما قام بتوقيع اتفاق مع وزارة الدّفاع الجزائرية لتدريب الضبّاط الفلسطينيين فتمّ تخريج أوّل دفعة من كليّة شرشال العسكرية في عام 1966 بحضور الرئيس هواري بو مدين ورئيس الأركان الطّاهر الزبيري ومدير كليّة شرشال العسكرية العقيد عباس.
    ثانياً: حضور نوعي بأوروبا للمناضل الكبير محمد بودية الذي أشعل نار الحرب على أعوان “الموساد” بأوروبا إلى أن تم اغتياله بطريقة همجيّة كما يفعلون الآن بأطفال ونساء غزّة.
    ثالثاً: دعم منظّمة التّحرير بشكل كامل في سنة 1974 لتكون رمزًا لكفاح الشعب الفلسطيني بعد أن كانت منظمة إرهابية، وهذا كلّه بدعم هواري بومدين مع علاقات متميّزة مع كبار رؤساء دول العالم الثّالث، وصداقة راقية مع الأمين العام للأمم المتحدة “كورت ولدهايم”.

أمّا قضايا العرب التي نافح عنها هواري بومدين، فتظهر مباشرة من خلال مشاركة الجيش الجزائري رأساً في الحروب العربية ضدّ الكيان الصّهيوني الذي استفرد بالفلسطينيين مع تأييد غربي سافر بالمال، والدّعاية والسّلاح الفتّاك.

مشاركة الجزائر في تأييد ودعم القضيّة الفلسطينية، هي التي جرّت الجزائر إلى حرب أكتوبر الشّهيرة 1973م (حرب الأيام الستة) التي ظهر فيها كبار المجاهدين الذين دوخوا القوّات الإسرائيلية بقيادة المجرم شارون، مجرم صبرا وشاتيلا ومجازر أهلنا في فلسطين المحتلّة، ومن هؤلاء الرّجال الكبار الضّابط عبد القادر عبد اللاوي، محمد علاهم، خالد نزّار، عبد الرزاق بوحارة، قائد اللّواء 39 زمن الثّورة الجزائرية المباركة، وعدد شهداء الجزائر في هذه الحروب أكثر ممّا تتصوّر كلّ التّقارير التي تحدّثت عن بطولة وقوّة ومروءة المجاهد والجندي الجزائري.

في زمن الردّة والمدّ الشّعوبي القوي، وفي زمن جبن العرب وتواطؤ البعض منهم، تظهر أمام العالم مروءة وشخصيّة هواري بومدين أمام القضيّة المركزية، دون أن ننسى أنّ شخصيّة الرّاحل تظهر بالموازاة مع شخصيّات عربية ستبقى خالدة في الذّاكرة المشتركة للجزائريين، وهم على التّوالي – مهما اختلفنا معهم – صدّام حسين، معمر القذافي، الملك فيصل، رحم الله هؤلاء الرّجال الذين شرّفوا أمّتهم كلّ من مكانه ودوره في تاريخ أمّتنا المعاصرة، ورحم الله علي الموسطاش الذي يذكّرنا به الشّاعر العربي “سيذكرني قومي إذا جدّ جدهم وفي اللّيلة الظلماء يٌفتقدُ البدر”، أو قول الشّاعر: الفحل أبو فراس الحمداني “سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم/ وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ”.. فَإِن عِشتُ فَالطَعنُ الَّذي يَعرِفونَهُ/ وَتِلكَ القَنا وَالبيضُ وَالضُمَّرُ الشُقرُ.

المؤرخ والأستاذ الجامعي رابح لونيسي لـ “الأيام نيوز”:

“التاريخ يخلّد الدور البارز للرئيس بومدين في دعم الحق الفلسطيني”

أكّد المؤرخ والأستاذ الجامعي، رابح لونيسي، أن الرئيس الراحل هواري بومدين كان له دور بارز – كما كل الجزائريين – في دعم وإسناد الحق الفلسطيني ونصرة القضية الفلسطينية التي يعتبرها الشعب الجزائري قضيته المركزية، وذلك ليس نابعًا فقط من الانتماء الحضاري بين الشعبين، وإنما يمتد الأمر إلى التشابه الموجود بين الاحتلالين الفرنسي والصهيوني، المبنيين أساسًا على “الاستيطان”، فهؤلاء الذين أنشأوا الكيان الصهيوني في حقيقة الأمر جاؤوا من دول أوروبية ودول أخرى من العالم مثلما جاء المعمرون الأوروبيون إلى الجزائر.

وفي هذا الشأن، أبرز البروفيسور لونيسي، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أن الرئيس الراحل هواري بومدين اشتهر بمقولته الخالدة “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، هذه المقولة التي رسخت لدعم الراحل بومدين منقطع النظير للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، فبعد وصوله إلى سدة الحكم سنة 1965، لم يتردَّد في إرسال قوات جزائرية لدعم جبهات القتال مع الجيوش العربية ضد الكيان الصهيوني سنة 1967، كتأكيد منه على مواقفه الداعمة للقومية العربية، رغم أن الجزائر – آنذاك – كانت حديثة الاستقلال.

وتابع قائلا: “آنذاك، الرئيس بومدين كان يُطالب بثورةٍ شعبية ضد الكيان الصهيوني تأسيًا بالثورة التحريرية المجيدة التي مكّنت الجزائر من استرجاع استقلالها ودحر المحتل الفرنسي من أرضها، المسألة التي كانت محل خلاف بينه وبين الرئيس المصري جمال عبد الناصر في تلك المرحلة. وفي سنة 1973، كان له موقف آخر في دعم الصراع العربي الصهيوني، على اعتبار أن القضية الفلسطينية مرتبطة بصراع شامل بين العرب والصهاينة، حيث ذهب الرئيس هواري بومدين – حينها – إلى موسكو ومنح ليونيد بريجنيف صكاً على بياض لاقتناء الأسلحة التي تم توجيهها لدعم الجانب العربي في صراعه ضد الكيان الصهيوني”.

في السياق ذاته، أشار البروفيسور لونيسي إلى أن هناك أطرافًا كانت غير راضية عن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، حتى وصل بهم الأمر إلى اعتقال القائد الراحل ياسر عرفات وآخرين، فلم تجد هذه الحركة الدعم إلا من الجزائر آنذاك، حيث قدم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى الجزائر، حيث التقى الرئيس هواري بومدين، الذي قدّم كل الدعم اللازم للمنظمة وللقضية الفلسطينية، والمعروف أن الرئيس بومدين كان من أشدّ الداعمين لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان مؤيدا للطروحات التي أعلنها الميثاق الوطني لمنظمة تحرير فلسطين.

في سياق ذي صلة، أبرز المؤرخ أن الرئيس بومدين لم يكن بأيّ شكلٍ من الأشكال مؤيدا أو مساندا للفكرة السائدة اليوم، وهي فكرة حل الدولتين، دولة للصهاينة، ودولة لفلسطين، حيث كان رافضا لهذه الفكرة ووفيا لميثاق منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن يتم تغييره لاحقًا، وهذا الموقف كان قد عبّر عنه الرئيس بومدين صراحةً، كما عبّر عنه أيضا من خلال الصحف الناطقة باسم الدولة الجزائرية في تلك الفترة، وكان موقفه واضحًا بشأن إقامة دولة فلسطينية واحدة والقضاء على النظام الصهيوني في فلسطين المبني على التمييز العنصري ضد المسلمين والمسيحيين وحتى اليهود الفلسطينيين، ولا نتحدث هنا عن أولئك الذين هاجروا من أوروبا وغيرها.

وأضاف الأستاذ الجامعي أن الرئيس الراحل هواري بومدين قدّم دعما كاملا للقضية الفلسطينية. وأكثر من هذا، أسس لمبدأ أساسي هام جدا، وهو الذي كان يقول دائما نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، بمعنى أنه يؤيد ويدعم كل القرارات الصادرة عن القيادات الفلسطينية، وهذا المبدأ بقيت الجزائر وفية له، والمتمثل أساسًا في عدم التدخل في الشؤون الفلسطينية، فالجزائر وبناءً على قرارات الرئيس الراحل بومدين – آنذاك – كانت البلد العربي الوحيد في العالم العربي الذي لم يتدخل إطلاقا في الشؤون الداخلية الفلسطينية، وفي الصراعات بين مختلف الفصائل الفلسطينية.

وفي ختام حديثه لـ “الأيام نيوز”، أكّد المؤرخ والأستاذ الجامعي رابح لونيسي أن الجزائر كانت – كذلك – البلد الوحيد الذي لم يكن له أي جهة تابعة له داخل منظمة التحرير الفلسطينية، والرئيس الراحل بومدين كان دائما ما يقترح وينصح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالعمل بنموذج جبهة التحرير الوطني، من خلال تأسيس جبهة واحدة، والقضاء على أي حزبية داخل منظمة التحرير الفلسطينية لمواجهة الكيان الصهيوني، تأسيًّا بجبهة التحرير الوطني التي ذوبت كل التيارات والأحزاب والتنظيمات داخل جبهة واحدة واجهت بها الاستعمار الفرنسي وأخرجته من أرضها مدحورا ذليلا.

الباحث المتخصص في تاريخ الجزائر محمد الأمين بلغيث:

“بومدين سلّم مصر شيكا أبيض في حرب 1973 نصرة لفلسطين”

أبرز المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر، البروفيسور محمد الأمين بلغيث، أن الجزائر كانت حاضرة – أولا – في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتجلى حضورها في دعم المقاومة ماليا وعسكريا، وتأييدها كذلك على المستوى الخارجي من خلال شخصيات جزائرية من كبار المجاهدين، الأمر الآخر والمهم جدّا يتمثل في كون الثورة الفلسطينية ومنذ انطلاقتها خلال ستينيات القرن الماضي، كانت تلقى كل الدعم والإسناد من الجزائر سواء تعلق الأمر بالسلطة أو الأحزاب السياسية أوالمنظمات الجماهرية التي كانت ترى في القضية الفلسطينية قضيتها الأم والقضية المركزية للأمة العربية والإسلامية.

وفي هذا الصدد، أوضح البروفيسور بلغيث، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أن الرئيس الراحل هواري بومدين لا يختلف عن غيره من القادة الكبار في العالم العربي، وهو صاحب الكاريزما القوية، السياسة الصارمة والقومية العربية، على غرار الملك فيصل، صدام حسين، والرئيس معمر القذافي، كل هذه الشخصيات كان نبضها واحدًا عربيًا إسلاميًا يخفق لنصرة القدس وحق الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه وتحقيق سيادته.

في السياق ذاته، أشار محدثنا إلى أنه وبعد احتلال القسم الغربي من بيت المقدس واحتلال تقريبا معظم فلسطين، ما عدا غزة والقطاع، وإشراف شكلي من المملكة الأردنية على بيت لحم والأقصى، بقيت الجزائر في المقدمة، حيث شاركت في معركة الاستنزاف سنة 1967 إلى غاية 1969 من خلال الدعم المالي والعسكري، وهذا الأمر يشهد عليه الإخوة المصريون، من خلال الإقامة الراقية التي حظي بها الفريق سعد الدين الشاذلي بالجزائر، والذي يعدُّ واحدًا من القادة العسكريين الكبار الذين خاضوا حرب أكتوبر 1973 بين العرب والكيان الصهيوني.

في نقطة مهمة أخرى، أشار البروفيسور بلغيث إلى أن الجزائر وقّعت على حضورها بشكلٍ فاعل مع القضية الفلسطينية من خلال دعم منظمة التحرير الفلسطينية والمشاركة الفاعلة للجيش الشعبي الوطني سليل جيش التحرير الوطني في معركة حرب رمضان أو معركة الستة أيام سنة 1973، فالجزائر كانت قد شاركت بقوة من خلال فيالق كان لها المكانة الكبرى في عقدة شارون نفسه، حيث إن الجزائريين هم الذين قاموا بجرح وإهانة شارون، الأمر الثاني والمهم جدا هو أن الجزائر كما هو معلوم قبل 1973 كانت قد دفعت شيكا أبيضَ للمصريين من أجل تجديد بنية الجيش المصري والمطارات المصرية التي تعرضت إلى الإبادة والدمار بعد أحداث النكبة.

ختامًا، أكّد المؤرخ والباحث في تاريخ الجزائر، البروفيسور محمد الأمين بلغيث، أن الرئيس الراحل هواري بومدين يبقى شخصية بارزة في دعم وإسناد الحق الفلسطيني، هذا الرجل الذي تميز بكاريزمته وحسه القومي والعربي الإسلامي، فكانت القضية الفلسطينية نبضه الخفاق كما هي الحال بالنسبة إلى كل الجزائريين الذين يرون في دعم الشعب الفلسطيني ونصرة قضيته أمرًا لا مناص منه.

رابط دائم
https://elayem.news/pbr9o