الجمعة، 13 مارس 2026 — 23 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

وهم إدارة عجلة التاريخ إلى الوراء.. لعنة فرنسا من “الساركوفوبيا” إلى “الماكرونيزيا”

Author
مصطفى بن مرابط 27 يناير 2025
X Facebook TikTok Instagram

قدَرُ فرنسا أن تترنح بين حكم “المخنث” وعبث الأحمق وصلف الأرعن، وتلك لعنة السماء التي على رأسها تنزلت جزاءً بما اقترفت يداها طوال دهر غير يسير، من خداع ومكر وغدر وجرائم بحق الأهالي هنا والشعوب المستضعفة هناك.

غداة توليه منصب الرئيس للجمهورية الفرنسية، أهان “ساركوزي” الفرنسيين بأن جعل سيدتهم الأولى عارضة أزياء إيطالية “كارلا بروني”، وكأنه كان بصدد حضور سهرة ماجنة وليس قيادة بلد بحجم فرنسا، كما عبّر أحد الفرنسيين بكل امتعاض وهو يقارن بين زوجة سلفه “شيراك” السيدة الأولى “برنادات شيراك” التي كانت فعلا تمثل كل نساء فرنسا.

“ساركوزي” وليعبر عن جهله العميق بثقافات الشعوب ومعتقدات الأمم، بادر إلى طرح مشروع جديد أسماه “رمضان فرنسا”، حيث قال أمام عميد مسجد باريس “دليل أبو بكر” حينها، وبعض رواد المسجد؛ “..إخواني المواطنين، المسلم الفرنسي هو فرنسي قبل أن يكون مسلماً، وعليه فإن قهوة الصباح بالــ “كرواصون” تعدّ تقليدا فرنسيا عريقا لا يجب التخلي عليه. ولذا، وانطلاقاً من فتاوى الأزهر حول فقه الأقليات، فإنه يجوز للمسلم الفرنسي الصائم أن يبدأ صباحه بقهوة مع هلالية، كغيره من أبناء الشعب الفرنسي، على الساعة الثامنة قبل الانطلاق إلى العمل..”.

لم يتوقف يومها عند شعيرة الصوم فقط، بل تعدّاها إلى الصلاة حيث “أفتى” بكل جهل وغباء؛ “..إخواني المواطنين، صلاة المسلم الفرنسي لا يمكن أن تشبه صلاة مسلمي الشرق، لذا فإنه لا معنى لمواطن أوروبي أن يقضي ساعة وساعتين بعد العشاء في صلاة التراويح، التي اتفق علماء المسلمين على أنها ليست فريضة. وعليه إخواني فقد أصدرت قراراً جمهورياً يدعوا مساجد فرنسا لإغلاق أبوابها بعد صلاة العشاء مباشرة، حتى ينصرف المواطن إلى بيته ويستمتع بمشاهدة أخبار وبرامج التلفزيون الفرنسي..”.. كل ذلك من دون أن يكلّف نفسه عناء اقتفاء أدنى ما أمكن من معرفة بالإسلام.

الاستثناء الشيطاني..

لم يهدأ الفرنسيون كثيرا، حتى ابتُلوا في شرفهم مرة أخرى بتولي المسمى “ماكرون” رئاسة فرنسا، ويعين بعد ذلك وزيرا أولا غير سوي من “الجنس الثالث”، ووزيرا للخارجية فاجر من الشواذ، وكلهم فرح مسرور بما هو عليه من الاستثناء الشيطاني، في إهانة رسمية لم تعرف حكومات العالم عبر التاريخ أقذر ولا أشنع منها.

ليخرج هذا المسخ مؤخرا، بكل وقاحة وسوء أدب، ويطلب بصيغة الأمر والتهديد من الأفارقة التوجه بالشكر الجزيل لفرنسا، التي لولاها لكانت إفريقيا اليوم أسوأ بعشرة آلاف مرة، فالأفارقة ناكرون للجميل، وسيشكرون فرنسا ذات يوم.. بحسب تصريحه السخيف والمستفز للمشاعر وللتاريخ.

لم يتذكر الرئيس الفرنسي، أو بالأحرى تعمّد تجاهل عصر طويل من الظلم والمآسي التي ارتكبها أسلافه على أديم هذه القارة الجريحة؛ من تجارة الرقيق وأسواق النخاسة التي مارستها فرنسا لوحدها، بحق أكثر من مليون ونصف مليون إفريقي، تم اختطافهم وترحيلهم إلى القارة الأمريكية وبيعهم مثل البهائم والحيوانات.. إلى حروب الاحتلال والمحارق المرتكبة والمجازر المنفذة بحق الأبرياء العزل، وسياسة الأرض المسحوقة والأرواحِ المزهوقة.. إلى الهيمنة والعدوان والاستبداد.. إلى نهب ثروات البلدان وحرمان شعوبها من أبسط وسائل العيش الكريم، بدايةً بمنعهم من التعليم والولوج إلى عالم المعرفة.. إلى تركهم عُرضةً للأمراض والأوبئة.

لم يتذكر “ماكرون” ما تسببت فيه بلاده من مآسي أودت بملايين الأرواح؛ في الجزائر وفي الكونغو.. في السنغال وفي رواندا.. في بوركينا فاسو وفي إفريقيا الوسطى.. في النيجر وفي تشاد.. في مالي وفي الكاميرون والغابون وتونس وجمهورية الريف ومدغشقر.. في كل بقعة وطأتها نعال الجيش الفرنسي القاتل اللعين.

لم يتذكر “ماكرون” ثلاثمائة ألف قتيل ضحايا التهجير القسري من إفريقيا إلى أمريكا في تجارة الرقيق.. ثمانمائة ألف شهيد ضحايا حصار وتجويع منطقة الغرب الجزائري، خاصة قبائل أولاد سيدي الشيخ.. عشرون ألف عامل أجير ضحايا مشروع سكة الحديد الكونغو-الغابون.. إعدام العشرات من الرماة السنغاليين المطالين بالأجور.. خمس وأربعون ألف شهيد إبّان محرقة الثامن ماي خمس وأربعين بسطيف وقالمة.. ثورة التحرير الجزائرية وسقوط أكثر من مليون ونصف مليون شهيد.. نصف مليون كاميروني على يد حلفاء فرنسا من الوطنيين الكونغوليين.. عشرات الآلاف في منطقة الريف المغربي وفي تونس وموريتانيا.. مليون قتيل رواندي بأسلحة فرنسية سخية لقبائل الـ”هوتو” ومثلها للــ”توتسي” تأجيجا لنار الحرب الأهلية.. الخ.. والقائمة تطول ولا تتوقف.

لم يتذكر “ماكرون” دعم بلاده لطغاة القارة وجلادي شعوبها، في شكل “بوكاسا” إفريقيا الوسطى.. “حسين هبري” ومجازر تشاد.. “عمر بانغو” وغابون الثروة المستباحة.. “موبوتو سيسي سيكو” وزائير الماس والأحجار الكريمة بأثمان زهيدة.. و”بليز كامباوري” ودم الثائر “توماس سانكارا”..

لم يتذكر “ماكرون” نهب يورانيوم النيجر بثمن بخس لتشغيل أربعين في المائة من المحطات النووية الفرنسية، في حين، ثمانون بالمائة من سكان النيجر لا يصلهم نور الكهرباء.. خمسمائة ألف هكتار من الغابات الإستوائية تُدمّر كل سنة على أيدي الشركات الفرنسية.. خمسمائة طن من النفايات المشعة تم طمرها في ساحل العاج، والتي أدّت إلى وفاة أكثر من ست عشرة ألف ضحية، من مائة ألف مواطن أصابهم الاشعاع..

لم يتذكر “ماكرون” سيناريو سلفه “ساركوزي” في تدمير ليبيا واغتيال العقيد “القذافي”.. امتهان الشعب المغربي وإذلاله بدعم نظام المخزن وتأييده في مساعي نهب الثروات وتفقير المجتمع… وكذلك هو الشأن بالنسبة لكثير من الأنظمة المارقة في القارة، والتي بدأت في الانهيار، بسقوط بعضها على أيدي جيل جديد من شباب واعٍ، أدرك جيدا تفاصيل اللعبة وخبايا العبث.

بالنهاية، يكون الرئيس “ماكرون” قد أدرك قرب زوال فرنسا الإفريقية، أو تحرر إفريقيا الفرنسة، وبالتالي هو الآن يحاول عبثا إدارة عجلة التاريخ إلى الوراء.