الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

تصريح الفريق أول السعيد شنڤريحة يمثل نموذجا متكاملا للخطاب العسكري الواعي


يعكس تصريح الفريق أول السعيد شنڤريحة بمناسبة عيد الفطر وذكرى عيد النصر صورة إيجابية جدا، حول طريقة تفكير القيادة العسكرية الجزائرية، ويُظهر بوضوح أنها تجمع بين الحس الوطني العميق والرؤية الاستراتيجية الواقعية. هذا التصريح ليس مجرد تهنئة بروتوكولية، وإنما في حقيقة الأمر هو خطاب يحمل رسائل متعددة، موجهة للجيش والمجتمع في آن واحد.

في البداية، يمكن ملاحظة أن الجمع بين مناسبة دينية مثل عيد الفطر وذكرى وطنية كبيرة مثل عيد النصر يعكس ذكاءً في توظيف الرمزية. فالدين والتاريخ عنصران أساسيان في تشكيل هوية المجتمع الجزائري، وعندما يتم الربط بينهما في خطاب رسمي، فإن ذلك يعزز الشعور بالانتماء والوحدة. الفريق أول السعيد شنقريحة أراد أن يقول إن الجزائر القوية اليوم هي نتيجة تضحيات الأمس، وأن الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية جماعية. هذه الفكرة مهمة جدا، لأنها تربط الماضي بالحاضر وتمنح معنى أعمق لفكرة الأمن والاستقرار.

من جهة أخرى، يظهر التصريح وعيا كبيرا بما يحدث في العالم، عندما يتحدث الفريق أول عن “تحولات جيوسياسية متسارعة وخطيرة”، فهو يعكس فهما واضحا، أن العالم لم يعد مستقرا كما كان في السابق. هناك عودة للنزاعات، وتزايد في التدخلات العسكرية، وتراجع لدور القوانين الدولية. هذه قراءة واقعية جدا، وتتوافق مع ما نشاهده اليوم من أزمات في عدة مناطق. لكن ما يميز هذا الخطاب هو أنه لا يكتفي بوصف الوضع، بل ينتقل مباشرة إلى ما يجب فعله.

وهنا تأتي النقطة الأهم، وهي الدعوة إلى رفع مستوى الوعي داخل المؤسسة العسكرية. الفريق أول شدد على ضرورة الفهم الجيد لهذه التحولات، وهذا يعني أن الجيش لا يجب أن يكون فقط قوة ميدانية، بل أيضا مؤسسة تفكر وتحلل وتستبق الأحداث. هذا التوجه يعكس تطورا كبيرا في العقيدة العسكرية، حيث أصبح العنصر الفكري والمعرفي جزءا أساسيا من القوة. بمعنى آخر، القوة اليوم لا تقاس فقط بالسلاح، بل أيضا بقدرة الدولة على فهم ما يجري حولها واتخاذ قرارات ذكية.

كما أن الحديث عن الاستباقية يحمل رسالة قوية جداً. فالاستباق يعني عدم انتظار الخطر حتى يقع، بل التحضير له مسبقا، وهذا يعكس ثقة في قدرات الجيش الوطني الشعبي، ويؤكد أنه يعمل وفق رؤية بعيدة المدى، وليس فقط كرد فعل للأحداث. هذا النوع من التفكير مهم جدا في عالم سريع التغير، حيث يمكن أن تتطور الأزمات بشكل مفاجئ.

التصريح يحمل أيضا رسالة طمأنة للمجتمع، فعندما يسمع المواطن الجزائري أن القيادة العسكرية تتابع بدقة ما يجري في العالم وتفهم تعقيداته، فإنه يشعر بالأمان والثقة، هذه الثقة عنصر أساسي في استقرار أي دولة، لأنها تعزز العلاقة بين الشعب ومؤسساته. ومن الواضح أن الخطاب يهدف إلى تقوية هذه العلاقة، من خلال التأكيد على أن الجيش يعمل لحماية البلاد والحفاظ على استقرارها.

إضافة إلى ذلك، يظهر في التصريح اهتمام واضح بوحدة المؤسسة العسكرية، توجيه الكلام إلى مختلف القيادات والمسؤولين يعكس حرصا على أن تكون هناك رؤية مشتركة بين الجميع. هذا الانسجام مهم جدا، لأنه يضمن أن كل مستويات القيادة تعمل في نفس الاتجاه، وهو ما يزيد من فعالية الأداء ويعزز قوة المؤسسة.

في النهاية، يمكن القول إن هذا التصريح يعكس صورة إيجابية جدا عن الجيش الوطني الشعبي وقيادته. هو خطاب يجمع بين البساطة والعمق، وبين الرمزية والتحليل، وبين الماضي والحاضر. والأهم من ذلك، أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الجزائر واعية بما يجري حولها، ومستعدة لمواجهة التحديات بثقة واحترافية.

وبشكل عام، فإن خطاب الفريق أول السعيد شنقريحة يعزز الإحساس بالفخر الوطني، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية ليست فقط أداة للدفاع، بل أيضا عنصر استقرار وفهم استراتيجي في عالم معقد ومتغير. كما يمكن القول أن تصريح الفريق أول السعيد شنقريحة يمثل نموذجا متكاملا للخطاب العسكري الواعي، الذي يجمع بين استحضار التاريخ، وفهم الحاضر، واستشراف المستقبل. وهو يعكس ثقة كبيرة في قدرات الجيش الوطني الشعبي، وإيمانا راسخا بدوره المحوري في حماية الجزائر وتعزيز استقرارها، خاصة في ظل عالم يشهد تحوّلات متسارعة تتطلب أعلى درجات الجاهزية واليقظة.

رابط دائم
https://elayem.news/thlzn
Author محمد الصالح جمال
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية