الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

23 مارس ليس كأيّ يوم آخر في تيزي وزو.. لا تنسوا شهداء معركة “إيزمورن”

Author
علي مغازي 22 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

اليوم، 23 مارس، تتجدّد الذكرى البطولية لمعركة إيزمورن (تيزي وزو)، عام 1957، حيث واجه أبطال جيش التحرير الوطني، جحافل الاستعمار الفرنسي بصمود وإرادة قوية، وأحبطوا محاولاته للقبض على قيادات الثورة. ويؤكد الدكتور ياسين زيدان، المتخصّص في علم الاجتماع لـ”الأيام نيوز”، أن المعركة أبرزت تكتيكات حرب العصابات ومرونة المجاهدين، وقوّت ثقتَهم بأنفسهم، وعزّزت من تلاحم المجتمع حول الثورة رغم التفوّق العسكري للعدو.

ويعتبر يوم 23 مارس 1957، محطة مفصلية في تاريخ الولاية الثالثة، حيث تخلّد ذكرى معركة إيزمورن (تيزي وزو)، التي جسّدت صمود مجاهدي جيش التحرير الوطني ونجاحهم في إحباط محاولات الاستعمار الفرنسي للقبض على قيادات الثورة التحريرية. هذه المعركة، التي دارت رحاها بدائرة مقلع، أصبحت رمزًا لتضحيات المجاهدين وإصرارهم على الدفاع عن قضيتهم، إذ تمكنوا من كسر حصار الجيش الاستعماري الذي حاول إخضاعهم بالقوة.

اندلعت المواجهات على عدة جبهات، أبرزها تيسيرث نشيخ، حيث واجه المجاهدون العدو بشجاعة فائقة. وبعد تعزيز القوات الفرنسية، حاول الاحتلال نقل الحصار نحو إيزمورن لتعقب قيادات الثورة، لكن كل محاولاته باءت بالفشل. وعلى الرغم من التفوق العددي والتجهيزات العسكرية المتقدمة، تكبد الجيش الاستعماري خسائر فادحة، بينما سقط في صفوف جيش التحرير الوطني 140 شهيدا، خلدوا تضحياتهم في سجل الشرف للولاية الثالثة.

تندرج معركة إيزمورن ضمن سلسلة المعارك البطولية التي خاضها مجاهدو جيش التحرير الوطني في هذه الولاية، خلال مرحلة شهدت تصعيدا عسكريا مكثفا من قبل الفرنسيين، الذين سعوا للقضاء على مراكز القيادة وخنق نشاط الثورة في منطقة القبائل. وقد جاء الهجوم ضمن محاولات فرض حصار محكم على وحدات الجيش الوطني، مستندًا إلى قوة ضخمة شملت الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة، بهدف عزل المجاهدين عن محيطهم الشعبي ووقف نشاطهم القتالي.

مع ذلك، استطاع المجاهدون، بفضل إيمانهم العميق بالقضية الوطنية ومعرفتهم الدقيقة بالتضاريس الجبلية، إضافة إلى التنظيم والانضباط، امتصاص الهجوم وإعادة الانتشار بمرونة تكتيكية عالية. دارت المعركة في ظروف صعبة تحت قصف مكثف، لكن عمليات التفاف وهجمات مباغتة أربكت الفرنسيين، مكّنت الجيش الوطني من كسر الطوق. انتهت المعركة بفشل محاولات الاحتلال، مقابل صمود المجاهدين واستمرار نشاطهم، ما أسفر عن إفشال المخطط الاستعماري، وتماسك الوحدات، وتكبيد العدو خسائر معتبرة، وتعزيز ثقة السكان بالنصر المؤكد.

درس انتصار الإرادة والتنظيم على العتاد والتكنولوجيا

أهمية المعركة تتجاوز الانتصار العسكري وحده، إذ تمثل انعكاسا مباشرا للاستراتيجية العامة لجيش التحرير الوطني خلال الثورة. ويشير الدكتور ياسين زيدان، لـ”الأيام نيوز”، إلى أن المعركة “تكتسي أهمية خاصة عند تحليلها في إطار الاستراتيجية العامة لجيش التحرير الوطني، التي قامت على حرب التحرير الشعبية والاعتماد على تكتيكات حرب العصابات بهدف استنزاف قدرات العدو بدل مواجهته في معارك تقليدية غير متكافئة”.

ويضيف أن المعركة “جسدت المبادئ الأساسية للعقيدة القتالية للثورة، وفي مقدمتها المرونة في التحرك، والاستغلال الذكي للطبيعة الجغرافية، خاصة التضاريس الجبلية الوعرة، إلى جانب المبادرة والهجوم المباغت الذي أربك حسابات الجيش الاستعماري”. ويؤكد أن ذلك يوضح أن “التفوق العسكري المادي الذي كان يتمتع به الاستعمار الفرنسي لم يكن كافيًا لحسم المعركة أمام إرادة شعب مؤمن بحقه المشروع في الحرية والاستقلال”.

الانتصار لم يقتصر على البعد العسكري، بل شمل الأثر النفسي والمعنوي للمقاومين والسكان، إذ ساهم في رفع الثقة بقدرة المجاهدين على مواجهة جيش متطور ومدجج بالسلاح. ويشير زيدان إلى أن “لهذا الانتصار الرمزي أثر بالغ في نفوس المجاهدين والسكان على حد سواء، إذ ساهم في رفع معنويات المقاتلين وتعزيز ثقتهم، كما رسخ التفاف السكان حول الثورة باعتبارها قوة حقيقية تدافع عنهم وتجسد تطلعاتهم”.

كما بعثت المعركة برسالة قوية للاستعمار مفادها أن الثورة “متجذرة في عمق المجتمع ولا يمكن القضاء عليها بالقوة”. ومن هذا المنظور، توضح إيزمورن كيف يمكن دمج التخطيط الاستراتيجي مع الدعم الشعبي، لضمان استمرار المقاومة رغم الضغوط.

العوامل التي مكّنت المجاهدين من كسر الحصار، رغم التفوق العددي والتكنولوجي للعدو، تعكس مهارات تنظيمية وعسكرية فائقة. استغلال التضاريس الجبلية حد من فعالية المدفعية والطيران، فيما أربكت أساليب الكرّ والفرّ والهجمات المباغتة حسابات الفرنسيين. وعلق زيدان قائلاً: “شكلت العقيدة الثورية دافعا أساسيا للصمود والتضحية في أصعب الظروف، إلى جانب المعرفة الدقيقة بالتضاريس الجبلية الوعرة التي استغلها المجاهدون بذكاء للحد من فعالية الطيران والمدفعية الثقيلة”.

وأشار أيضا إلى أن “المرونة التكتيكية، من خلال اعتماد أساليب الكرّ والفرّ والهجمات المباغتة وتفادي المواجهة المباشرة الطويلة، أربكت العدو وأفشلت مخططاته”. وهنا يتضح أن عناصر النجاح لم ترتبط بالقوة المادية وحدها، بل بالتخطيط الذكي والتكيف مع طبيعة الميدان.

كما لعب الانضباط داخل وحدات الجيش دورا محوريا، فمكّن المجاهدين من التنسيق وإعادة الانتشار بكفاءة عالية، فيما كان الدعم الشعبي عنصرا حيويا من الإمداد والمأوى والمعلومات. ويشير المحلل إلى أن المعركة تؤكد أن “عنصر الإرادة البشرية والوحدة بين الشعب والمجاهدين يبقى أكثر حسما من التفوق العسكري المادي”.

وفي ختام حديثه، أضاف زيدان: “يمكن استخلاص دروس عميقة تؤكد أن حروب التحرير لا تحسم بالتفوق العسكري وحده، بل بالإرادة والتنظيم، وأن التكيف مع طبيعة الميدان يعد عنصرا حاسما في تحقيق النصر، كما يبرز الدور المركزي للعنصر البشري، وأهمية وحدة الشعب والمجاهدين كقاعدة صلبة لأي انتصار”.

إيزمورن رمز التضحية والإصرار على الاستقلال

تاريخيا، بدأت المعركة من اجتماع تنسيقي نظم ما بين 19 و21 مارس 1957 بقرية معاوية بمقلع، بحضور عدد من مسؤولي جيش التحرير الوطني، من بينهم كريم بلقاسم وعمار أوعمران ومحمدي سعيد والنقيب سي قاسي وعبد الرحمان ميرة، إلى جانب قادة آخرين. ومع وصول خبر الاجتماع إلى الفرنسيين، قامت القوات الاستعمارية بتعبئة أكثر من 20 ألف جندي مدعومين بمدرعات ومدفعية ثقيلة وطائرات حربية، لفرض حصار كبير على قرى آث فراوسن.

على الرغم من بدء الحصار يوم 22 مارس، تمكن المجاهدون من الانسحاب المنسق بعد انتهاء مهمتهم، ما حال دون اعتقال قيادات الثورة. واشتبك الجيش الوطني مع العدو على عدة جبهات، حيث فشلت محاولات نقل الحصار نحو إيزمورن لتعقب القادة، وخسر الفرنسيون عشرات الجنود بينما استشهد 140 من المجاهدين، الذين خلدوا تضحياتهم في سجل الشرف، في واحدة من أعنف المعارك بالولاية الثالثة.

وهكذا فإن معركة إيزمورن، كانت – بكل المقاييس – رسالة رمزية بأن إرادة شعب مؤمن بحقوقه يمكن أن تتحقق رغم التحديات. فقد عززت هذه المعركة مكانة الولاية الثالثة بوصفها معقلا ثوريا رئيسيا، وأبرزت دور القيادة المنظمة والمجتمع المحلي في دعم المقاتلين، لتصبح نموذجا يحتذى في دراسة استراتيجيات الثورات الشعبية.

من هذا المنظور، تبقى إيزمورن علامة فارقة في التاريخ العسكري الجزائري، حيث تجسدت فيها مقومات النجاح الثوري: الإيمان بالقضية، الصمود في مواجهة التفوق العددي، المرونة التكتيكية، الدعم الشعبي، والتنظيم الدقيق، لتثبت أن أي قوة استعمارية مهما بلغت قوتها المادية لا تستطيع القضاء على إرادة شعب مصمم على الحرية، ما يجعل ذكرى المعركة محفورة في الوعي الوطني رمزا للبطولة والإصرار على الاستقلال.

رابط دائم
https://elayem.news/9pis3