الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ثقافة

“أيام سيفاكس للفيلم الوثائقي”..عين تموشنت تحتفي بالتاريخ

Author
هارون عمري 13 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تستعد ولاية عين تموشنت لاحتضان النسخة الثانية من تظاهرة “أيام سيفاكس للفيلم الوثائقي” (SYPHAX DOC)، المبرمجة في الفترة الممتدة ما بين 23 و26 أفريل 2026، وينظم هذا الحدث السينمائي بدعم مباشر من وزارة الثقافة والفنون، وتحت إشراف مديرية الثقافة والفنون لولاية عين تموشنت، وبالتنسيق مع الجمعية الولائية “أدب وفن”.

تنعقد هذه الدورة تحت شعار “الصورة وثيقة فنية للذاكرة”، لتعكس أهمية الفيلم الوثائقي كأداة فنية ومنهجية لتدوين التاريخ وحفظ الذاكرة الوطنية، كما يشكل هذا الموعد الثقافي فضاءً يجمع صناع الأفلام، والمخرجين، والمهتمين بالتوثيق البصري، بهدف ترسيخ الثقافة السينمائية، وفتح مجال للحوار حول آليات تحويل المادة التاريخية إلى أعمال بصرية تساهم في نقل الهوية الوطنية للأجيال الصاعدة.

إن هذا الحدث يضعنا أمام رحلة تقصي مسار الصناعة الوثائقية في الجزائر، وأهمية البنية التحتية في تطويرها، وصولاً إلى دور الصورة الوثائقية في صون التراث وتدوين التاريخ عبر الفعاليات الثقافية.

صناعة السينما الوثائقية في الجزائر: مسار التطور والتحديات الراهنة

تمثل صناعة السينما الوثائقية في الجزائر جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي الوطني. ارتبطت بدايات هذه الصناعة بفترة الثورة التحريرية (1954-1962)، أين استخدمت الكاميرا كوسيلة إعلامية لإنتاج أفلام وثائقية ثورية قصيرة، استهدفت توثيق مسار الكفاح المسلح ومواجهة الدعاية الاستعمارية التي حاولت توجيه الرأي العام العالمي وتزييف الحقائق التاريخية.

ومع تطور هذا المسار وصولاً إلى الفترة المعاصرة، تواجه صناعة السينما الوثائقية الجزائرية تحديات هيكلية وتمويلية، وتشمل هذه التحديات نقص مصادر التمويل اللازمة لإنتاج أعمال مستمرة وبجودة تنافسية، ومحدودية شبكات التوزيع التي تضمن إيصال الأفلام وقاعات العرض المجهزة للجمهورين المحلي والدولي.

ويطرح الفاعلون في الحقل السينمائي تحدياً إضافياً يتمثل في الحاجة إلى استرجاع الأرشيف السمعي البصري الجزائري المتواجد في عدد من الدول الأجنبية، بهدف ترميمه ورقمنته لجعله متاحاً للباحثين والمخرجين لاستغلاله في أعمالهم الوثائقية.

في المقابل، تتوجه المبادرات الرسمية والمستقلة نحو توفير آليات دعم لتجاوز هذه العقبات. أصدرت وزارة الثقافة نصوصاً تطبيقية لتوفير التسهيلات المالية والإدارية للمشاريع السينمائية، مما يسهم في تشجيع الإنتاج الوثائقي المستقل وتحفيز المخرجين الشباب على خوض غمار التوثيق البصري.

البنية التحتية والفضاءات الحاضنة: قاعة “فلاوسن” نموذجاً للتأهيل

تتطلب الصناعة السينمائية توفر بنية تحتية مناسبة لاستيعاب العروض وتوفير بيئة ملائمة للمشاهدة والنقاش الأكاديمي والفني. ويتزامن تنظيم “أيام سيفاكس للفيلم الوثائقي” مع استكمال مشاريع تأهيل المرافق الثقافية بولاية عين تموشنت، وعلى رأسها قاعة السينما “فلاوسن” التي تعد من المعالم الثقافية البارزة في الولاية.

خضعت هذه القاعة لعملية ترميم وتجهيز شاملة بغلاف مالي قدر بـ 100 مليون دينار جزائري. جاء هذا المشروع بعد توقف الأشغال في المرفق خلال شهر سبتمبر 2015 استجابة لتوصيات هيئة الرقابة التقنية للبناء لأسباب مرتبطة بسلامة سكان الطابق العلوي.

وبعد استئناف الأشغال وإتمامها، تم افتتاح القاعة رسمياً في يونيو 2025، حيث شملت التحديثات الفضاء الداخلي لتبلغ طاقة استيعابها ما بين 310 و330 مقعداً، مع تزويدها بالتجهيزات التقنية والصوتية الحديثة، مع الحرص التام على المحافظة على طابعها المعماري الأصلي.

وتأتي قاعة “فلاوسن” لتدعم المشهد الثقافي المحلي إلى جانب قاعة سينما “الصومام” ذات الـ 360 مقعداً، والتي دخلت حيز الخدمة في السنة التي سبقتها. يتيح هذا التوجه نحو تحديث المرافق الجوارية إنشاء شبكة من الفضاءات المؤهلة لاحتضان العروض السينمائية والأنشطة التكوينية، وتوفير بيئة ملائمة لاحتضان المهرجانات الوطنية والمحلية.

الفيلم الوثائقي كآلية لتدوين التاريخ وحفظ الذاكرة الوطنية

يعتمد تدوين التاريخ الحديث بشكل متزايد على الوسائط البصرية، ويبرز الفيلم الوثائقي كآلية فعالة لحفظ الذاكرة الوطنية، تتميز الصورة المتحركة بقدرتها على توثيق الأحداث ونقلها بأسلوب يضع المشاهد في سياق الحدث التاريخي، مما يسهل عملية إيصال الرسالة بصفة مباشرة للأجيال المتعاقبة ويعزز الشعور بالانتماء.

وتعمل المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، على استغلال الأرشيف السمعي البصري لتوثيق مراحل الكفاح الوطني ودمج هذا الرصيد في بناء السردية التاريخية ضمن منظومات إعلامية تواكب التطور التكنولوجي.

وتظهر أهمية هذا التوجه في إنتاج أعمال وثائقية تسجل وقائع الماضي الدامية، على غرار فيلم “آثار تخترق الزمن” (2022) للمخرج السعيد عولمي، والذي يعرض شهادات حية وموثقة حول الممارسات القمعية التي طالت المعتقلين الجزائريين في مراكز الاستنطاق خلال فترة الاستعمار الفرنسي.

تتحول هذه الأعمال السينمائية إلى وثائق تاريخية إدانة، ومصادر بحثية منهجية تعتمد على الأرشيفات الدقيقة والشهادات لسرد تفاصيل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ومن خلال هذه المقاربة، يساهم الفيلم الوثائقي في إبقاء الذاكرة الوطنية حاضرة في المشهد الثقافي، ويوفر مادة مرجعية للباحثين والمهتمين بالدراسات التاريخية وتوثيق مسار المقاومة.

محمد لمين بن لولو

محمد بن لولو: الفيلم الوثائقي يقدم الحقيقة التاريخية برؤية فنية للمخرج

في هذا السياق، يقول محمد بن لولو، السينمائي ومخرج الأفلام الوثائقية والحاصل على جائزة أحسن فيلم وثائقي في مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، إن العمل التاريخي أو الوثائقي يرتبط بعدة متغيرات أساسية، من بينها توجه المخرج وموقفه من الموضوع الذي يتناوله، لأن الفيلم الوثائقي يقوم على الحقائق التاريخية مع تقديمها من خلال رؤية فنية وفكرية، وهو ما يميزه عن التقرير الإخباري الذي يكتفي عادة بنقل الوقائع.

ويشير مخرج الأفلام الوثائقية محمد بن لولو إلى أن المادة الأرشيفية تمثل عنصرًا محوريًا في هذا النوع من الأعمال، إذ يتحمل المخرج مسؤولية كبيرة في كيفية توظيفها وإبراز قوتها ودلالاتها.

غير أن القيمة الجمالية تبقى مرتبطة بالمقاربة التي يعتمدها المخرج وبالإمكانات المتاحة له ولفريق العمل، لأن البعد الجمالي عنصر مهم في هذا النوع من الإنتاجات.

ويضيف أن التحدي يكمن في جعل الوثائق التاريخية مادة بصرية جذابة ومؤثرة، من خلال توظيف أدوات السينما مثل التصوير والموسيقى وبناء السرد.

فالأفلام الوثائقية كثيرًا ما توصف بطابعها النخبوي وقد لا تستقطب بسهولة جمهورًا واسعًا، وهنا تظهر مهمة المخرج في الحفاظ على دقة الحقائق التاريخية والمواد الأرشيفية مع تقديمها بأسلوب فني قادر على جذب المشاهد وإشراكه وجدانياً مع القصة.

ويؤكد السينمائي محمد بن لولو أن نقل القصة بطريقة مؤثرة يجعل المتلقي يشعر بقرب الأحداث ويستخلص دلالاتها، وهو ما يرتبط بخبرة المخرج وقدرته على صياغة الحقيقة التاريخية في قالب بصري وإنساني مقنع، مضيفًا أن الفيلم الوثائقي يحمل في النهاية رؤية واتجاهًا فكريًا يعبر من خلاله المخرج عن زاوية نظره تجاه القضايا التاريخية التي يتناولها.

شعار “الصورة وثيقة فنية للذاكرة”: التوثيق البصري والتراث اللامادي

يعكس شعار التظاهرة في نسختها الثانية، “الصورة وثيقة فنية للذاكرة”، المقاربة التي تجمع بين الجانب التوثيقي للأحداث والجانب الفني والجمالي في صناعة السينما.

يعتمد المخرج في الفيلم الوثائقي على تقاطعات متعددة تشمل الوثيقة (الواقع المادي)، والحقيقة التاريخية، والرؤية الإخراجية لتقديم المادة البصرية للمتلقي. وتتيح هذه التقنيات السينمائية استعراض تفاصيل دقيقة، مما يمنح العمل أبعاداً سوسيولوجية وأنثروبولوجية تستدعي التفاعل العميق مع الموروث الثقافي.

ويتوسع دور الفيلم الوثائقي ليشمل حماية التراث الثقافي اللامادي، المتمثل في العادات، والتقاليد، والحرف اليدوية، والمرويات الشفوية التي تعكس هوية المجتمع الجزائري.

ويساهم توثيق هذا الإرث باستخدام التقنيات السينماتوغرافية والرقمية الحديثة في حمايته من الاندثار أمام التحولات الاجتماعية، ويضمن نقله عبر الأجيال في قوالب بصرية تواكب متطلبات العصر.

ولضمان الاستفادة المستدامة من هذه الإنتاجات، تبرز الحاجة إلى تنظيم آليات “اليقظة المعلوماتية” وإنشاء بوابات رقمية متخصصة تجمع وتصنف الأفلام الوثائقية الجزائرية، يهدف هذا الإجراء إلى تجاوز مشكلة تشتت الإنتاج، لتكون هذه الأعمال مرجعاً موثوقاً للدارسين ومصدراً منهجياً لفهم التاريخ والتحولات الثقافية.

المهرجانات السينمائية ودعم النشاط الجواري

تساهم التظاهرات والمهرجانات السينمائية المحلية، كفعالية “أيام سيفاكس للفيلم الوثائقي”، في تنشيط المشهد الثقافي خارج المدن الكبرى، مما يدعم مسار اللامركزية الثقافية ويمنح الولايات الجزائرية فرصة لإبراز إمكاناتها وتطوير قدرات شبابها ومواهبها المحلية.

تقدم هذه الفعاليات قيمة مضافة للقطاع الثقافي، حيث تتجاوز وظيفتها عرض الأفلام واستقطاب الجمهور لتشمل جوانب تكوينية موجهة لهواة ومحترفي السينما، ويتضمن برنامج التظاهرات السينمائية المماثلة تنظيم ورشات عمل وتكوينات متخصصة يشرف عليها أساتذة جامعيون وخبراء في الحقل السمعي البصري.

وتتناول هذه الورشات محاور تقنية وعملية مثل أساليب كتابة السيناريو، والتركيب السينمائي، وقواعد التصوير والإخراج، مما يساعد المشاركين على تحسين مهاراتهم الفنية، ويتيح لهم تبادل الخبرات والاحتكاك المباشر مع المخرجين المخضرمين وضيوف الشرف من الساحة الفنية.

يؤدي استمرار تظاهرة “أيام سيفاكس” ودعمها المؤسساتي إلى تفعيل الدور الثقافي لولاية عين تموشنت، وتوفير بيئة داعمة للإنتاج السينمائي تساهم في إثراء المكتبة السمعية البصرية الجزائرية وتوثيق تاريخ المنطقة وموروثها للأجيال القادمة.

 

رابط دائم
https://elayem.news/5bdfz
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"