الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

“إيليزي جنوب”.. شراكة عربية تاريخية تضع الجزائر في قلب السوق العالمية للطاقة


في خطوة تعكس توجه الجزائر نحو ترسيخ موقعها كفاعل محوري في سوق الطاقة العالمية، يأتي عقد المحروقات في الرقعة الاستراتيجية “إيليزي جنوب”، في إطار شراكة طاقوية كبرى تجمع بين المجمع الوطني “سوناطراك” والشركة السعودية “مداد للطاقة شمال إفريقيا”، ليؤكد اعتماد الجزائر على مقاربة طويلة الأمد في تطوير مواردها الطاقوية، من خلال توسيع عمليات الاستكشاف وتعزيز القدرات الإنتاجية، بما يواكب التحولات المتسارعة في سوق الطاقة الدولية.

وفي هذا الصدد، يقول الخبير الطاقوي أحمد طرطار: “إن العقد المبرم لاستغلال رقعة “إيليزي جنوب”، والذي يمتد على مدار 30 سنة قابلة للتمديد بنحو سبع سنوات إضافية، يندرج ضمن المشاريع الاستراتيجية الثقيلة التي لا يمكن الحكم على مردودها الاقتصادي في المدى القريب، ولا يمكن اعتبارها دعماً فورياً للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى خصوصية الاستثمارات الطاقوية التي تحتاج إلى سنوات من العمل والاستكشاف والتطوير قبل بلوغ مرحلة الإنتاج وتحقيق العائدات“.

عقد “إيليزي جنوب” استثمار طويل الأمد لترسيخ مكانة الجزائر في سوق الطاقة

وأوضح طرطار في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا النوع من العقود يقوم أساساً على رؤية بعيدة المدى، حيث يتم توظيف استثمارات ضخمة في مراحل البحث والاستكشاف، يليها تطوير الحقول، ثم الدخول التدريجي في مرحلة الإنتاج، وهي مراحل تتطلب وقتاً وجهداً وتقنيات عالية، ما يجعل انعكاسها على الاقتصاد الوطني مرتبطاً بآجال مستقبلية، وليس بالظرف الاقتصادي الراهن”.

وأشار المتحدث إلى أن المشروع يُعدّ من بين المشاريع الواعدة التي تُعوّل عليها الجزائر لتعزيز قدراتها الطاقوية مستقبلاً، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق الطاقة عالمياً، سواء من حيث تقلب الأسعار أو التحولات في الطلب على مصادر الطاقة التقليدية والبديلة، ما يفرض على الدول المنتجة، ومنها الجزائر، تبني استراتيجيات استباقية لضمان استمرارية دورها في السوق الدولية.

وفي هذا الإطار، أبرز الخبير في الطاقة، أن العقد المبرم مع الشركة السعودية، إلى جانب اتفاقيات أخرى مع شركاء من دول مختلفة على غرار قطر وإندونيسيا، يأتي ضمن حزمة متكاملة من المشاريع التي تم إطلاقها أو تثبيتها خلال السنوات الأخيرة، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى توسيع رقعة الاستكشاف واستغلال الموارد غير المستغلة، بما يسمح برفع القدرات الإنتاجية الوطنية على المدى الطويل.

كما أفاد طرطار، أن توسيع عمليات الاستكشاف من شأنه أن يؤدي إلى اكتشاف حقول جديدة أو تعزيز مردودية الحقول الحالية، وهو ما سينعكس مباشرة على حجم الاحتياطات المؤكدة من الغاز والبترول، الأمر الذي يُعدّ عاملاً أساسياً في الحفاظ على مكانة الجزائر كفاعل رئيسي في سوق الطاقة، خاصة في ظل المنافسة الدولية المتزايدة بين الدول المنتجة.

ونوّه الخبير الطاقوي إلى أن هذه المشاريع لا تقتصر أهميتها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى البعد الجيوسياسي، حيث تمنح الجزائر هامشاً أكبر من التأثير في السوق الطاقوية الدولية، وتعزز من قدرتها على التفاوض وبناء شراكات استراتيجية مع مختلف الفاعلين الدوليين.

من جهة أخرى، يرى طرطار أن الحديث عن مساهمة هذا العقد في تنويع مداخيل الاقتصاد الوطني يظل مرتبطاً بكيفية استغلال العائدات المستقبلية، مشدداً على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة الإنتاج، بل في توجيه الموارد المالية المتأتية من قطاع المحروقات نحو قطاعات منتجة أخرى، كالصناعة والفلاحة والتكنولوجيا، بما يساهم في تحقيق تنويع اقتصادي فعلي ومستدام.

انفتاح الجزائر على مختلف الأسواق

كما أشار إلى أن هذه المشاريع تندرج ضمن سياسة وطنية تهدف إلى تحقيق الأمن الطاقوي، وضمان استدامة الموارد، في ظل تزايد الطلب العالمي على الطاقة، والتغيرات التي يشهدها هذا القطاع، سواء من حيث التوجه نحو الطاقات المتجددة أو التحولات في أنماط الاستهلاك.

وأوضح أيضاً أن الاستثمار في مثل هذه المشاريع يعكس إرادة الدولة في الحفاظ على وتيرة الإنتاج وتعزيز قدراتها التنافسية، من خلال إدماج شركاء أجانب يمتلكون الخبرة والتكنولوجيا، ما يسمح بنقل المعرفة وتحسين الأداء التقني والعملياتي في مجال الاستكشاف والإنتاج.

وفي سياق متصل، أبرز المتحدث أن تعدد الشراكات الدولية في هذا المجال يعكس انفتاح الجزائر على مختلف الأسواق، وسعيها إلى تنويع شركائها، بما يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على طرف واحد، ويمنحها مرونة أكبر في إدارة مشاريعها الطاقوية.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكّد طرطار على أن عقد “إيليزي جنوب”، رغم قيمته المالية الكبيرة، لا يمكن فصله عن الرؤية الشاملة للسياسة الطاقوية في الجزائر، والتي تقوم على الاستثمار طويل المدى، وتعزيز الاحتياطات، وضمان استدامة الإنتاج، معتبراً أن الأثر الحقيقي لهذا المشروع سيظهر تدريجياً خلال السنوات القادمة، من خلال مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة الجزائر في السوق العالمية للطاقة، في ظل بيئة دولية تتسم بعدم الاستقرار والتقلب المستمر.

شراكة عربية غير مسبوقة

يُشار إلى أن العقد الذي أبرم بين المجمع الوطني “سوناطراك” وعملاق الطاقة السعودي شركة “مداد للطاقة شمال إفريقيا بي.في” يُشكّل حجر الزاوية في شراكة طاقوية عربية-عربية غير مسبوقة في الجنوب الجزائري، ويأتي تنفيذا للاتفاق المبرم بين الطرفين في أكتوبر 2025.

وتكشف تفاصيل الصفقة عن أرقام استثمارية قياسية، إذ ستتولى شركة “مداد للطاقة” تمويل كامل الاستثمارات المخطط لها بنسبة 100 بالمائة، بما يعادل نحو 5.4 مليار دولار أمريكي، وتشمل هذه الحزمة الاستثمارية تخصيص 288 مليون دولار للبحث والتنقيب خلال فترة أولية تمتد لسبع سنوات.

ويتسم العقد بالبعد الاستراتيجي، حيث يمتد على 30 سنة مع إمكانية التمديد لعشر سنوات إضافية، بما يعكس الرؤية طويلة المدى للطرفين لتحويل رقعة إيليزي جنوب إلى قطب إنتاجي عالمي.

توقعات إنتاجية قياسية..

تشير البيانات التقنية للعقد إلى أن حجم الإنتاج الإجمالي المتوقع خلال فترة الاستغلال قد يصل إلى نحو 993 مليون برميل مكافئ نفط، ويتوزع هذا الإنتاج بين 125 مليار متر مكعب من الغاز الموجه للتسويق، و204 ملايين برميل من المحروقات السائلة، منها 103 ملايين برميل من الغاز البترولي المسال (GPL) و101 مليون برميل من المكثفات، مما يعزز مكانة الجزائر كمورد طاقوي استراتيجي للقارة الأوروبية والأسواق العالمية.

هذا، وتستند الشراكة إلى أحكام القانون 19-13 المتعلق بالمحروقات، مع تشديد المرسوم الرئاسي على الالتزام الصارم بالمعايير البيئية وأحدث الحلول التكنولوجية الرقمية في عمليات الاستخراج.

ويشمل العقد بندا استراتيجيا لدعم المحتوى المحلي، حيث تُعطى الأولوية في الصفقات والخدمات للمقاولات الجزائرية، مما يضمن ليس فقط رفع الإنتاج، بل خلق حركية اقتصادية في ولاية إيليزي وتوفير آلاف مناصب الشغل، ليصبح هذا المشروع نموذجا حقيقيا للشراكة الرابحة بين الجزائر والسعودية في قيادة مشهد الطاقة العالمي.

رابط دائم
https://elayem.news/u7a2c