الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ثقافة

التأثير الموسيقي في السينما.. من الأنغام إلى روح الصورة

Author
هارون عمري 26 نوفمبر 2025
X Facebook TikTok Instagram

منذ اللحظة التي ظهرت فيها السينما إلى الوجود، أدرك المخرجون والمشتغلون بالفن السابع أن الصورة وحدها ليست كافية لخلق الأثر العاطفي الذي يحتاجه الفيلم ليصل إلى قلب المشاهد، فكانت الموسيقى أول عنصر يُستعان به منذ عصر الأفلام الصامتة، إذ كان عازف البيانو أو الأورغن يجلس داخل القاعة ليمنح الصورة معنى، ويوجّه إحساس الجمهور دون أن ينطق ممثل بكلمة واحدة. ومع تطوّر التكنولوجيا وظهور السينما الناطقة، لم تفقد الموسيقى قيمتها إنما تحوّلت إلى عنصر مركزي في بناء الفيلم، يساعد على خلق الجو العام، وتوجيه الإيقاع الدرامي، وصنع هوية صوتية تُميّز كل فيلم عن غيره. ولأن الموسيقى تمتلك قدرة هائلة على لمس العاطفة، أصبحت جزءا لا يتجزأ من التجربة السينمائية، حتى إن كثيرا من المَشاهد الخالدة في ذاكرة المشاهدين ارتبطت أولا بالموسيقى قبل الصورة.

وكما نعلم أن الموسيقى أخذت بعدها التصويري “التصوير بالنغم” أو ”السرد الموسيقي” (Musical Imagery / Sonic Narrative)، فنجد عزفا منفردا يصور عدة مشاهد، إذ إن السينما تداخلت مع الموسيقى، وكما نحن نتحدث عن دخول الموسيقى وتأثيرها أيضا في عالم السينما فقد حدث العكس أيضا إذ صار الصوت يمثل عدسة كاميرا ويصور مشاهد تُرى بالأذن، ومثال ذلك معزوفة “العصفور الطائر” لعازف العود الشهير منير بشير، أو معزوفة “حدث في العامرية” للعازف نصير شمة، وغيرها الكثير من الأعمال الموسيقية التي تأخذ بعدها التصويري، وبذلك فإن الموسيقى لها بعد مهم في إحداث الأثر السينمائي وتطوير الشعور وإكمال المشهد بما تستلزمه الأعمال الفنية والسينمائية.

الموسيقى كلغة سردية داخل الفيلم

أصبحت الموسيقى في السينما أشبه بلغة سردية تُستخدم لشرح ما قد تعجز الصورة وحدها عن قوله، فهي لا تكتفي بمرافقة المشهد ولكنها تُسهم بشكل كبير في تفسيره وتلوين معناه وإبراز خفاياه. فعندما تُفتتح موسيقى فيلم “Jaws” بنغمات منخفضة متوترة، يدرك المشاهد فورا أن خطرا غير مرئي يقترب من الأعماق، حتى قبل أن يظهر القرش نفسه. وفي فيلم “Interstellar”، لا تعمل موسيقى “هانز زيمر” كخلفية، إنما تُصبح جزءا من البنية الشعورية للمشهد، حيث تعكس الفراغ، والحنين، واتساع الكون، وتُعبّر عما يعجز عنه الحوار.

وما فعله برنارد هيرمان في الأفلام الكلاسيكية لألفريد هيتشكوك، ليس سوى مثال آخر على قدرة الموسيقى على دفع السرد إلى الأمام. ففي مشهد الحمّام الشهير بفيلم “Psycho”، لم تكن الطعنات وحدها كافية لصناعة الرعب، فقد كان صوت الكمان الحادّ والمتسارع هو الذي منح المشهد رمزيته وخلوده، وجعل الجمهور يشعر بالخوف حتى بعد انتهاء المشهد بكثير، ومن هنا اكتسبت الموسيقى دور الراوي الخفي الذي يُمهّد للمواقف، ويحذّر من الأخطار، ويشير إلى تحولات الشخصيات، ويمنح الفيلم بُعدا نفسيا عميقا.

تطور الموسيقى السينمائية عبر التاريخ

شهدت الموسيقى السينمائية مراحل تطور متلاحقة، بدأت في قاعات العرض مع عازفين يؤدون مقطوعات حيّة ترافق الفيلم الصامت، لتتحوّل لاحقا إلى موسيقى مكتوبة خصيصا للفيلم، تسجَّل في استوديوهات وتُدمج في شريط الصوت. ومع دخول عصر السينما الناطقة، في ثلاثينيات القرن الماضي، صار من الضروري أن تكون الموسيقى أكثر احترافية وأكثر ارتباطا بالدراما.

وفي الخمسينيات والستينيات، برزت أسماء كبيرة مثل إنيو موريكوني الذي منح السينما الإيطالية والعالمية صوتا جديدا تماما عبر موسيقى الويسترن الشهيرة، ثم جاء عصر الثمانينيات والتسعينيات الذي شهد بروز أساطير مثل جون ويليامز، مؤلف موسيقى “Star Wars” و”Jurassic Park”، وهانس زيمر الذي غيّر مفهوم الموسيقى السينمائية عبر استخدام الآلات الإلكترونية ودمجها بالأوركسترا في أعمال خالدة مثل “Gladiator”، “The Dark Knight”، و”Inception”.

ومع العصر الرقمي، أصبحت الموسيقى السينمائية أكثر تنوعا وانفتاحا، حيث تُستخدم مكتبات صوتية رقمية، وأصوات اصطناعية، وتسجيلات حقيقية للآلات، مما منح المؤلفين حرية أكبر في تشكيل هوية صوتية جديدة تتناسب مع عالم الفيلم.

الموسيقى في السينما العربية

كان للحركة السينمائية العربية، خاصة في مصر، دور رائد في إدراك قيمة الموسيقى داخل الفيلم، إذ ساهم وجود كبار الموسيقيين في القرن العشرين في تطوير موسيقى الأفلام بطريقة أثرت على ذائقة المشاهد العربي. فقد وضع محمد عبد الوهاب موسيقى لعدد من الأفلام، أبرزها “غزل البنات” و”رصيف نمرة خمسة”، كما أسهم فريد الأطرش في تأسيس نمط سينمائي يقوم على المزج بين الموسيقى والدراما، ما جعل موسيقاه جزءا من هوية السينما المصرية.

ومع تطور السينما العربية خارج مصر، ظهرت تجارب جديدة في لبنان وسوريا والأردن، مثل موسيقى طارق الناصر في فيلم “ذيب”، حيث اعتمد على روح الصحراء وبُعدها الشاعري ليخلق موسيقى أصيلة عكست البيئة والموضوع. وبرزت أيضا موسيقى خالد الكمار وهشام خرما، اللذين قدّما أعمالا مميزة في السنوات الأخيرة، ما أعطى السينما العربية صوتا معاصرا يجمع بين التراث والحداثة. ولا يمكن تجاهل موسيقى فيلم “الرسالة” التي وضعها جورج جار، والتي تُعتبر واحدة من أعظم الأعمال الموسيقية في تاريخ السينما العربية، لأنها استطاعت المزج بين الروح الملحمية والعمق الديني بطريقة جعلت المقطوعة الموسيقية جزءا ثابتا من الذاكرة العربية.

ومن أجمل ما رسخ في ذهني التقاء الموسيقى بالدراما في السينما العربية خاصة في فيلم “الراقصة والسياسي” (1990)، الذي يجمع بين أداء نبيلة عبيد وقوة نص إحسان عبد القدوس وجرأة سيناريو وحيد حامد وإخراج سمير سيف. في هذا الفيلم تأخذ الموسيقى التصويرية بعدا خاصا، إذ تتحول في مشاهد بعينها إلى تعبير صريح عن التناقض بين بريق الرقصة وظلام الواقع السياسي المحيط بها. المقطوعة الشهيرة المرتبطة بالفيلم، والتي تتداولها اليوم التسجيلات تحت عنوان “موسيقى فيلم الراقصة والسياسي” من توقيع خالد الأمير، تُستخدم في المشهد الرئيسي للرقص داخل الفيلم، حيث تتصاعد الجملة الموسيقية على مقام “الكرد”، في بناء تدريجي يمزج بين الفرح الظاهري والحزن المكتوم. هذه الثنائية تجعل المشاهد يشعر أن الرقصة ليست احتفالا حقيقيا بقدر ما هي صرخة داخلية، وتُظهر كيف يمكن للنغم أن يقول ما تعجز عنه الكلمات؛ فبين حركات الجسد وإيقاع الموسيقى يتكشّف الصراع بين السياسي والراقصة، بين القوة والهشاشة، وبين الرغبة في الانتقام والرغبة في النجاة. هنا تتجلى قوة الموسيقى السينمائية، لأنها تدخل في صميم المعنى، وتحوّل المشهد إلى لوحة مكتملة الأركان من حيث الصورة والصوت والإحساس.

الموسيقى في السينما الجزائرية

للجزائر علاقة خاصة بالموسيقى داخل السينما، فقد ازدهرت أعمال ثورية وتاريخية جعلت للموسيقى فيها دورا مركزيا في تصوير المشاعر الوطنية، ويُعدّ فيلم “معركة الجزائر” (1966) من أهم الأمثلة، فقد وضع الموسيقى له المبدع إنيو موريكوني، واستطاع أن يخلق مقطوعات نابضة بالحيوية والحزن والغضب، تعكس صراع الشعب الجزائري وتوتر الشوارع آنذاك، حتى أصبحت الموسيقى جزءا من هوية الفيلم العالمية، وفي أعمال أخرى، مثل “سنوات الجمر” لأحمد راشدي أو “ريح الجنوب” لمحمد لطفي، ظهرت الموسيقى كعنصر مرافق للهوية الشعبية الجزائرية، سواء من خلال إيقاعات المالوف القسنطيني، أو الطابع الصحراوي أو الإيقاعات الأمازيغية والشاوية، وقد ساعد ذلك في إعطاء السينما الجزائرية صوتا مميزا، يختلف عن بقية السينما العربية، ويرتبط بالتراث الموسيقي المحلي الغني.

كما أن السينما الجزائرية الحديثة بدأت تفتح الباب أمام موسيقيين شباب قدّموا أعمالا جديدة تُراعي تطور الذائقة السمعية، وتمنح الفيلم بعدا أكثر معاصرة، دون التخلي عن الروائح الموسيقية المحلية.

وفي هذا السياق، تبرز قوة التوظيف الموسيقي، ليس فقط في الأفلام، ولكن أيضا في الدراما التلفزيونية المعاصرة، كما حدث في المسلسل الجزائري ”الرباعة” الذي عُرض في رمضان 2025، في حركة أعجبتني كثيرا، حيث تم إدخال مقطع من إحدى أغنيات فريد الأطرش في مشهد يستعيد زمنا قديما كان فيه هذا الفنان في أوج شهرته وحضوره في البيوت المغاربية والعربية، فاختيار صوت فريد الأطرش في هذا الموضع كان وسيلة بليغة لنقل المشاهد من زمن الحاضر إلى زمن آخر، من خلال مرجع سمعي يعرفه جمهور المنطقة ويتفاعل معه تلقائيا. فالموسيقى هنا لا تعمل فقط على مستوى الجمال، بل تتحول إلى جسر بين جيلين وزمنين، تُذكّر المتلقي بثقافة سمعية مشتركة عاشتها المنطقة، وتُضفي على المشهد عمقا نوستالجيا واضحا؛ فعندما يُفتح الراديو أو التلفاز داخل الكادر وتبدأ الأغنية القديمة في الانبعاث، يشعر المشاهد أن الشخصيات لم تعد تعيش فقط داخل حارة أو بيت أو مدينة، بل تعيش أيضا داخل ذاكرة جماعية أوسع، هي ذاكرة الجمهور نفسه الذي يسمع فريد الأطرش ويرى في الأغنية جزءا من تاريخ عاطفي طويل.

الدور الهويّاتي للموسيقى في السينما العربية

تلعب الموسيقى في السينما العربية دورا هويّاتيا بارزا، لأنها تحمل في نبراتها ملامح الذاكرة الجمعية للعالم العربي بتنوعه الجغرافي والثقافي، فالإيقاعات البدوية في الخليج والأردن، والأنغام الشامية المائلة إلى الشجن، والمقامات المغاربية المتأثرة بالمالوف والأمازيغي، والألحان الصحراوية في موريتانيا والجزائر، كلها أصبحت عناصر تستخدمها السينما لتأكيد هوية المكان ورسم ملامح الشخصيات قبل أن تنطق بكلمة، ومن خلال هذا التنوع الصوتي الواسع، تتحول الموسيقى إلى لغة ثقافية تعكس البيئة والقيم والتاريخ، وتمنح الفيلم روحا محلية واضحة تُشعر المتلقي بأنه يرى ويسمع عالمه الخاص مجسدا على الشاشة.

كيف تصنع الموسيقى الانفعال النفسي في السينما؟

تلعب الموسيقى دورا نفسيا حاسما، إذ تتحكم في المزاج الذي يعيش فيه المتفرج. ففي أفلام الرعب، تُستخدم الوتريات الحادة والإيقاعات المفاجئة لإثارة الخوف، كما في أفلام “The Conjuring” أو “Insidious” وفي الأفلام الرومانسية، تظهر مقطوعات هادئة مبنية على البيانو والكمان لتعزيز الجو العاطفي كما في “LaLa Land” و”The Notebook”، وفي الأفلام الملحمية، تُستخدم موسيقى الأوركسترا الضخمة التي ترفع الإحساس بالبطولة، مثل موسيقى “Braveheart” أو “The Lord of the Rings”. وتُظهر الدراسات النفسية أن الموسيقى قادرة على تعديل مشاعر المشاهد دون أن يدري، فهي تستطيع أن تجعله حزينا أو متوترا أو سعيدا بمجرد تغيير بسيط في الإيقاع أو التوزيع. وقد أصبح المؤلفون يدركون أن الموسيقى ليست ترفا جماليا، بل أداة تأثير مباشرة وقوية تشكّل نصف قوة المشهد، وربما أكثر في بعض الحالات.

المستقبل الموسيقي في السينما بين التقنية والابتكار

مع تطور التكنولوجيا وظهور الذكاء الاصطناعي، أصبحت إمكانية إنتاج موسيقى سينمائية أكثر سهولة من أي وقت مضى، لكن هذا لم يُلغِ الدور الإنساني الذي يحتاج حسا فنيا عميقا لا يمكن للآلة أن تقدمه وحدها، قد تدخل الموسيقى التفاعلية، التي تتغير بحسب حركة الكاميرا أو تطور الحدث، ضمن الأدوات الجديدة للسينمائيين، وقد نشهد أيضا دمجا أكبر بين الموسيقى الإلكترونية والتراث الشعبي، وهو اتجاه بدأت السينما العربية والجزائرية في تبنيه بشكل تدريجي، ومع هذا التطور، ستبقى الموسيقى أحد أعمدة الفيلم الأساسية، لأنها قادرة على صياغة الانفعال الإنساني، وعلى نقل الشعور الذي لا تستطيع الصورة وحدها التعبير عنه، مما يجعلها عنصرا خالدا في قلب التجربة السينمائية مهما تقدم الزمن.

رابط دائم
https://elayem.news/ahp8p
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"