الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجزائر على أعتاب السيادة الإنتاجية في قطاع الألبان.. أمن غذائي “طازج ومستدام”

Author
صبرينة عيلان 25 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتقاطع رأيا رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، والخبير الفلاحي لعلى بوخالفة – ضمن تصريح لهما خصّا به “الأيام نيوز” – في التأكيد أن قطاع الحليب في الجزائر، لم يعد مجرّد نشاط استهلاكي مرتبط بتزويد السوق، بل أصبح ملفا استراتيجيا يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية وتقليص التبعية للخارج. فهذه المادة البيضاء التي تمثل ركيزة يومية في المائدة الجزائرية تصنف اليوم ضمن أولويات إعادة هيكلة المنظومة الفلاحية، ضمن رؤية وطنية تسعى إلى الانتقال من منطق الاستيراد إلى منطق الإنتاج المحلي المتكامل.

 ويجمع الخبيران على أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء سلسلة الألبان من الحقل إلى الملبنة، عبر تعزيز الإنتاج الوطني للحليب الطازج، ودعم المربين، وتطوير الأعلاف، وتحسين أدوات التجميع والتبريد والتصنيع، بما يسمح بتقليص الاعتماد على مسحوق الحليب المستورد، الذي كلّف في فترات سابقة مبالغ معتبرة من العملة الصعبة. كما يشددان على أن تطوير هذا القطاع يندرج ضمن مسار أوسع لتقليص فاتورة استيراد المواد الاستراتيجية، وتعزيز توازنات الخزينة، ودعم الاستقرار الاجتماعي عبر ضمان تموين منتظم للسوق.

وفي الوقت الذي يعتبر فيه كريم حسن أن التحوّل الجاري ينبغي أن يُدار برؤية قائمة على الاستدامة والشراكة المهنية وتحديث آليات الرقابة، يؤكد لعلى بوخالفة أن العودة التدريجية إلى تقوية الإنتاج المحلي للحليب الطازج تمثل خيارا ضروريا، بعد عقود من الاعتماد الواسع على استيراد البودرة وتحويلها. وبين هذا وذاك، يتفق الطرفان على أن الحليب مادة أمن غذائي بامتياز، وأن تعزيز إنتاجه وطنيا يشكل خطوة أساسية نحو ترسيخ السيادة الاقتصادية وتحقيق الاكتفاء التدريجي ضمن رؤية الزراعة الاستراتيجية الشاملة.

وتشير بيانات التجارة لعام 2025 إلى أن الجزائر وصلت إلى ذروة اعتمادها على سوق الألبان العالمية، خصوصا من أوروغواي، حيث بلغت واردات مسحوق الحليب نحو 343 مليون دولار. ويعكس هذا الرقم، وفقا للاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين، الفجوة الكبيرة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الوطني، في ظل ارتفاع الطلب على الحليب كمادة أساسية في النظام الغذائي.

ويضع هذا الواقع الأمن الغذائي في مواجهة عدة تحديات، أبرزها تقلب الأسعار العالمية، واضطرابات سلاسل التوريد الدولية، إضافة إلى الضغط المتزايد على احتياطيات العملة الصعبة، يضيف المصدر ذاته.

وتابع: “ومع وصول سعر الطن من مسحوق الحليب في بعض الفترات إلى حوالي 4000 دولار، تصبح فاتورة الاستيراد عبئا ماليا ولوجستيا يتطلب إدارة دقيقة للموارد المالية للدولة”. واستجابة لهذه التحديات، لفت الاتحاد إلى إدخال مختبرات متنقلة في الموانئ الجزائرية، تعمل تحت إشراف المركز الجزائري لمراقبة النوعية والرزم.

وتتيح هذه المختبرات إجراء تحاليل دقيقة مباشرة داخل الموانئ وفي دقائق معدودة، ما يحمي المستهلك من المنتجات غير المطابقة للمعايير، ويحفظ المال العام من الإنفاق على واردات ضعيفة الجودة. كما تسهم في تقليل فترة انتظار الحاويات، وخفض تكاليف التخزين وغرامات التأخير، ما يعزز كفاءة المنظومة اللوجستية للتجارة الخارجية.

وتتجه الدولة إلى معالجة جذور المشكلة عبر توطين الإنتاج الوطني. واعتبر الاتحاد مشروع “بلدنا” الزراعي في جنوب الجزائر مثالا بارزا على ذلك، باستثمار ضخم يصل إلى 3,5 مليارات دولار، بهدف إنتاج نحو 1,7 مليار لتر من الحليب سنويا.

ويتيح المشروع استعادة القدرة على التحكم في الأسعار، ويخفف الاعتماد على الأسواق العالمية، كما يحوّل الإنتاج المحلي إلى قيمة اقتصادية مستدامة بعد عدة سنوات، مع خلق فرص عمل وتنشيط قطاعات مرتبطة مثل زراعة الأعلاف والخدمات البيطرية والصناعات الغذائية.

ووصف المصدر ذاته، المرحلة الحالية بالانتقال التدريجي من نموذج يعتمد على استيراد مسحوق الحليب إلى إنتاج محلي واسع للحليب الطازج ومشتقاته. وشدد الاتحاد على أنه مع اكتمال هذه المنظومة، يمكن للجزائر تقليص فاتورة الاستيراد بشكل كبير، مع توفير نحو 600 مليون دولار سنويا من العملة الصعبة، وتعزيز مكانتها كقطب إقليمي محتمل في صناعة الألبان.

الحليب مادة أمن غذائي لتعزيز السيادة وتقليص التبعية

ويذهب رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، بالتأكيد على أن التحوّل الجاري في سوق الألبان يمثل فرصة استراتيجية حقيقية لإعادة بناء المنظومة الوطنية من الحقل إلى الميناء، شريطة أن يُدار الملف برؤية قائمة على منطق الأمن الغذائي والاستدامة، وليس فقط على منطق تسيير الندرة أو معالجة الاختلالات الظرفية.

كريم حسن

وأوضح أن الانتقال التدريجي من الاعتماد الواسع على مسحوق الحليب المستورد، إلى تعزيز الإنتاج الوطني للحليب الطازج، يشكل تحوّلا من “اقتصاد استيراد المسحوق” إلى “اقتصاد سلسلة ألبان وطنية متكاملة”، تقوم على الاستثمار في تربية الأبقار، وتطوير الأعلاف، ودعم الملبنات المحلية، وربط كل الحلقات ضمن رؤية إنتاجية واضحة. واعتبر أن هذا التوجه يسمح بتقليص فاتورة الاستيراد التي بلغت في سنوات سابقة نحو600 مليون دولار سنويا، مع ما يرافق ذلك من تحسين في توازنات العملة الصعبة وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية.

وأشار كريم حسن إلى أن هذا التحوّل يحمل أبعادا اقتصادية واجتماعية وسيادية مترابطة، فعلى المستوى الاقتصادي يساهم في تقوية الإنتاج المحلي ورفع مردودية المربين والحرفيين، خاصة من خلال تشجيع جمع الحليب الطازج بدل الارتهان لتقلبات أسعار المسحوق في الأسواق العالمية. وعلى المستوى الاجتماعي، يضمن استقرار تموين السوق بالحليب المبستر المدعم الذي تتحمل الدولة تكلفته، مع إمكانية ربط الدعم تدريجيا بالإنتاج الوطني وتعزيز فرص العمل في الأرياف ومناطق الإنتاج في مجالات التجميع والتبريد والنقل والتصنيع.

أما على المستوى السيادي، فأكد أن الحليب يعد مادة أمن غذائي وليست مجرد منتوج استهلاكي، ما يستوجب تقليص التبعية للموردين الخارجيين، خاصة في أوقات الأزمات أو الاضطرابات اللوجستية التي قد تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.

وفيما يتعلق بمدى واقعية هدف تقليص فاتورة الاستيراد بنحو 600 مليون دولار، اعتبر رئيس المنظمة أن الهدف قابل للتحقيق إذا تم استكمال المشاريع الكبرى الجارية، خصوصا الاستثمارات المندمجة في الجنوب التي تستهدف إنتاج كميات معتبرة من الحليب الطازج، مع تطوير القطيع الوطني وتحسين السلالات والأعلاف والخدمات البيطرية.

وبيّن أن هذه المشاريع تحتاج إلى آجال تتراوح بين 5 و10 سنوات للوصول إلى طاقتها الكاملة، غير أن آثارها يمكن أن تظهر تدريجيا عبر مراحل زمنية واضحة، تبدأ بخفض نسبي للفاتورة في المدى القصير، ثم تقليص أكبر في المدى المتوسط، وصولا إلى تحقيق أثر استراتيجي في المدى الطويل.

وأكد أن تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك يتطلب معالجة عدد من التحديات الميدانية، من بينها ضعف إنتاجية بعض المربين، وغياب عقود توريد طويلة الأجل بين المنتجين والملبنات، ومحدودية مراكز التجميع البارد، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير منظومة معلومات دقيقة حول الإنتاج والاستهلاك. كما دعا إلى مراجعة آليات الدعم بما يضمن التوازن بين كلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي، بما يشجع الاستثمار ويعزز استقرار السوق.

وشدد كريم حسن على أهمية إشراك الفاعلين المهنيين في هذا المسار، وفي مقدمتهم الاتحاد العام للتجار والحرفيين، وعمادة المهندسين، والمجلس الوطني الأعلى للفلاحة، من خلال إعداد خريطة طريق وطنية لسلسلة الألبان، وتحديد التزامات واضحة لكل طرف، وربط السياسات العمومية بأهداف كمية وزمنية معلنة للرأي العام. واعتبر أن عمادة المهندسين مطالبة بتأطير الجوانب التقنية والعلمية المتعلقة بتحسين الإنتاج وإدارة القطيع، في حين يُفترض بالمجلس الوطني الأعلى للفلاحة المساهمة في ضمان استمرارية السياسات بعيدا عن التغييرات الظرفية.

وأبرز رئيس المنظمة أهمية المخابر المتنقلة في الموانئ كأداة أساسية لتعزيز الرقابة الصحية على الواردات، من خلال تسريع التحاليل المخبرية وربط الإفراج الجمركي بنتائج الفحص، بما يضمن مطابقة المنتجات للمعايير المعتمدة، ويحمي المستهلك والصناعيين الملتزمين، ويحد من أي محاولات للغش أو الإضرار بالمال العام. كما أشار إلى أن تقليص زمن التحليل يساهم في خفض تكاليف التخزين وتسريع حركة الحاويات، ما ينعكس إيجابا على استقرار الأسعار وتحسين انسيابية التجارة.

وأضاف كريم حسن أن المشروع الزراعي الكبير الجاري في جنوب البلاد يمثل ركيزة أساسية في هذا التحول، نظرا لطاقته الإنتاجية المرتقبة وقدرته على المساهمة في تغطية جزء معتبر من الاحتياجات الوطنية، إلى جانب خلق مناصب شغل وتعزيز التنمية المحلية. واعتبر أن نجاح هذه الرؤية يتطلب تكاملا بين الإنتاج في الجنوب، وتحسين المنظومات التقليدية في الشمال، وتعزيز الرقابة في الموانئ، وتفعيل الشراكة بين مختلف الهيئات المهنية، بما يجعل من قطاع الألبان نموذجا وطنيا متكاملا للأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية.

الحليب مادة استراتيجية وسيادة غذائية

من جهته أكد الخبير الفلاحي، لعلى بوخالفة، أن مادة الحليب تعد من المواد الأساسية ذات الطابع الاستراتيجي، نظرا لدورها الحيوي في الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، مبرزا أن مسار هذه الشعبة في الجزائر عرف تحولات مهمة منذ الاستقلال إلى اليوم.

لعلى بوخالفة

وأوضح بوخالفة أنه في المرحلة الأولى بعد الاستقلال كان الاعتماد شبه كلي على الإنتاج التقليدي المحلي، حيث كانت أغلب الأسر تقطن بالمناطق الريفية وتمتلك بقرة أو عددا من الماعز أو الأغنام، وتستغلها لتأمين حاجاتها من الحليب ومشتقاته، خاصة الجبن والمواد الغذائية المنزلية. كما كان بعض الفلاحين يسوّقون الفائض محليا لفائدة الجيران أو المقاهي، في إطار إنتاج عائلي موجّه أساسا للاكتفاء الذاتي.

وأضاف المتحدث أنه ابتداء من سبعينيات القرن الماضي، تم إطلاق فكرة تطوير شعبة الحليب عبر إنشاء مركبات تحويل تعتمد على استيراد الحليب المجفف (البودرة) وتحويله إلى حليب موجّه للاستهلاك، بدل التركيز على رفع الإنتاج المحلي من الحليب الطازج.

وأشار إلى أن الجزائر أنشأت حوالي 16 ملبنة موزعة عبر عدد من الولايات، من بينها باتنة، عنابة، سطيف والجزائر العاصمة، في إطار نشاط استيراد البودرة وتحويلها لتغطية احتياجات السوق الوطنية. وذكر الخبير أن هذه السياسة أدت إلى استيراد كميات معتبرة من الحليب المجفف، تجاوزت في بعض السنوات 600  ألف طن سنويا، ما كلف خزينة الدولة مبالغ كبيرة من العملة الصعبة.

وفي سياق متصل، لفت بوخالفة إلى أن السنوات الأخيرة شهدت بروز مبادرات لتطوير الإنتاج المحلي للحليب الطازج، فقد تمكنت بعض الولايات من تحقيق الاكتفاء الذاتي، على غرار غرداية، إلى جانب ولايات تُعرف بقدراتها الإنتاجية المتميزة مثل سوق أهراس، تيزي وزو، سطيف، وسيدي بلعباس، مشيرا إلى أنها تُصنف ضمن الولايات المنتجة للحليب بامتياز.

وبخصوص معدلات الاستهلاك، اعتبر الخبير أن الأرقام المتداولة التي تشير إلى تجاوز 130  لترا للفرد سنويا مبالغ فيها، موضحا أن المعايير الدولية، بما فيها توصيات بعض الهيئات الصحية، تضع المعدل في حدود 70  لترا للفرد سنويا، في حين لا يتجاوز في بعض الدول المجاورة 45  لترا سنويا. وأكد أن الأرقام المرتفعة المتداولة تعني استهلاكا وطنيا يفوق 6  مليارات لتر سنويا، وهو ما يستدعي مراجعة دقيقة للمعطيات الإحصائية.

وأشار بوخالفة إلى أن رفع الإنتاج المحلي من الحليب يأتي في إطار مسعى وطني شامل لتقليص فاتورة الاستيراد، خاصة أن الجزائر تستورد عددا من المواد الاستراتيجية، على غرار الحبوب واللحوم الحمراء والزيوت والسكر وبودرة الحليب، بكلفة إجمالية تُقدَّر بحوالي 10  مليارات دولار سنويا.

وأكد الخبير الفلاحي أن التوجه نحو تطوير الزراعة الاستراتيجية، الذي أقرّه رئيس الجمهورية، يمثل خيارا محوريا لتعزيز الإنتاج الوطني، ودعم الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يضمن استقرار السوق الوطنية وتحقيق الاستدامة في هذا القطاع الحيوي.

رابط دائم
https://elayem.news/ab890