الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الكيراتين تحت المجهر.. حين تتحوّل مستحضرات التجميل إلى مصدر قلق صحي

Author
إيمان عبروس 26 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

كشف المنسق الوطني للمنظمة الوطنية لحماية المستهلك فادي تميم، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، عن جملة من المعطيات المقلقة المتعلقة بمنتجات الكيراتين المصمّمة خصيصا لتمليس الشعر، مشيراً إلى أن هذه المنتجات كانت ولا تزال محل جدل بسبب احتوائها – في فترات سابقة- على مواد مصنفة كمسرطنة، وعلى رأسها مادة “الفورمالديهايد” (الفورمول)، التي أثبتت الدراسات العلمية خطورتها على صحة الإنسان.

فادي تميم

لم تعد خدمات تمليس وتلميع الشعر، وعلى رأسها “الكيراتين”، مجرد رفاهية جمالية تلجأ إليها النساء بحثاً عن مظهر أكثر أناقة، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة واسعة الانتشار تثير الكثير من الجدل والتساؤلات، خاصة في ظل تزايد التحذيرات من مخاطر بعض مكوناتها وتأثيراتها المحتملة على الصحة.

وبين الإقبال الكبير على هذه الخدمات داخل قاعات الحلاقة ومراكز التجميل، وتصاعد المخاوف المرتبطة بها، يجد المستهلك نفسه أمام معادلة صعبة تجمع بين الرغبة في الجمال والحفاظ على السلامة الصحية.

من مادة فعالة إلى خطر صحي.. قصة “الفورمول”

يعود الجدل حول الكيراتين إلى سنوات مضت، حين كشفت تقارير علمية وطبية أن العديد من منتجات تمليس الشعر تحتوي على مادة الفورمالديهايد، وهي مركب كيميائي يُستخدم في عدة صناعات، لكنه مصنف ضمن المواد المسرطنة من الدرجة الأولى.

هذه المادة، ورغم فعاليتها الكبيرة في تثبيت الشعر ومنحه مظهراً أملس ولامعاً، تشكل خطراً حقيقياً عند استنشاقها، خاصة أثناء استخدام مكواة الشعر بدرجات حرارة مرتفعة، حيث تتحول إلى أبخرة قد تؤثر على الجهاز التنفسي والعينين، وقد تمتد آثارها إلى مشاكل صحية أكثر خطورة على المدى الطويل.

ويؤكد تميم أن هذه المخاطر دفعت العديد من الدول والهيئات الصحية إلى فرض قيود صارمة على استخدام هذه المادة في مستحضرات التجميل، بل ومنعها في بعض الحالات، ما أجبر الشركات المصنعة على إعادة النظر في تركيباتها.

تحيينات صناعية.. هل اختفى الخطر فعلاً؟

مع تزايد الضغوط الصحية والتنظيمية، سارعت الشركات المنتجة لمستحضرات التجميل إلى تعديل تركيبات الكيراتين، حيث تم الإعلان عن منتجات “خالية من الفورمالديهايد”، في محاولة لاستعادة ثقة المستهلكين.

غير أن تميم يشير إلى أن هذه التحسينات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة اختفاء المخاطر بشكل كامل، إذ أن بعض المواد البديلة قد تتحلل أو تتفاعل تحت تأثير الحرارة، لتنتج مركبات قد تكون ضارة عند استنشاقها.

ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود المادة من عدمها، بل في طريقة الاستخدام أيضاً، خاصة أن عمليات التمليس تعتمد على درجات حرارة مرتفعة، ما يزيد من احتمال انبعاث مواد كيميائية غير آمنة، سواء للمستهلك أو للعاملين في صالونات التجميل.

الخلطات المجهولة.. قنبلة موقوتة في صالونات التجميل

إذا كانت المنتجات الصناعية تخضع – ولو نسبياً – للرقابة والمعايير، فإن الخطر الأكبر، بحسب تميم، يكمن في انتشار خلطات مجهولة المصدر تُستخدم في بعض قاعات الحلاقة ومراكز التجميل.

هذه الخلطات، التي غالباً ما يتم تحضيرها بطرق غير علمية، لا تحمل أي معلومات حول مكوناتها أو نسبها، ما يجعلها خارج أي إطار رقابي أو صحي، ويضاعف من مخاطرها على المستهلك.

ويحذر تميم قائلاً: إذا كانت المنتجات المصنّعة وفق معايير قد تشكل خطراً، فكيف يمكن الوثوق بخلطات مجهولة المصدر قد تحتوي على مواد محظورة أو بنسب خطيرة؟.

ويضيف أن بعض هذه الخلطات قد لا تزال تعتمد على مادة الفورمول أو مشتقاتها، رغم التحذيرات المتكررة، ما يجعلها تهديداً حقيقياً للصحة العامة.

ولا تقتصر مخاطر الكيراتين على احتمال الإصابة بأمراض خطيرة، بل تبدأ في كثير من الأحيان بأعراض فورية قد يلاحظها المستهلك أثناء أو بعد العملية. فقد يعاني البعض من تهيج في فروة الرأس، واحمرار في العينين، وصعوبة في التنفس نتيجة استنشاق الأبخرة، إضافة إلى تساقط الشعر أو تلفه في بعض الحالات.

أما على المدى الطويل، فقد تكون لهذه المواد تأثيرات أكثر خطورة، خاصة إذا كانت تحتوي على مركبات مصنفة كمسرطنة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية، خصوصاً لدى الفئات التي تلجأ إلى هذه الخدمات بشكل متكرر.

العاملون في الصالونات.. ضحايا صامتون

ولا يقتصر الخطر على المستهلكين فقط، بل يمتد أيضاً إلى العاملين في صالونات التجميل، الذين يتعرضون بشكل يومي لهذه المواد، ما يزيد من احتمالات تأثرهم بها على المدى البعيد. ويؤكد تميم أن غياب وسائل الحماية، مثل التهوية الجيدة أو الأقنعة الواقية، يضاعف من حجم المخاطر، داعياً إلى ضرورة توفير شروط السلامة المهنية داخل هذه الفضاءات.

في ظل هذه المعطيات، كشف تميم أن المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده تعتزم مراسلة الوكالة الوطنية للأمن الصحي، بهدف فتح تحقيقات حول المنتجات المستعملة في صالونات التجميل، خاصة تلك مجهولة المصدر.

كما دعا إلى تفعيل دور الجهات الرقابية، من خلال القيام بعمليات تفتيش دورية، ومراقبة نوعية المنتجات المستعملة، والتأكد من مطابقتها للمعايير الصحية.

وشدد على ضرورة فرض استعمال منتجات تحمل أسماء تجارية واضحة، وتتوفر على معلومات دقيقة حول مكوناتها، بما يسمح بتتبعها ومحاسبة الجهات المخالفة.

المستهلك بين الإغراء والحذر

في ظل الانتشار الواسع لهذه الخدمات، يجد المستهلك نفسه أمام خيارات متعددة، غالباً ما تكون مغرية من حيث النتائج والأسعار، لكنها قد تخفي مخاطر صحية جسيمة.

ويؤكد تميم أن وعي المستهلك يشكل خط الدفاع الأول، داعياً إلى ضرورة التحقق من نوعية المنتجات المستعملة، وعدم التردد في طرح الأسئلة أو رفض أي خدمة مشكوك فيها، كما ينصح بتجنب الانسياق وراء العروض الرخيصة أو النتائج السريعة، التي قد تكون على حساب السلامة الصحية.

التوعية.. ركيزة أساسية للوقاية

إلى جانب الرقابة، تبقى التوعية من أهم الأدوات للحد من هذه الظاهرة، سواء من خلال حملات إعلامية أو برامج تحسيسية تستهدف المستهلكين والعاملين في قطاع التجميل.

ويؤكد تميم أن نشر الثقافة الصحية يمكن أن يساهم بشكل كبير في تقليل المخاطر، من خلال تمكين الأفراد من اتخاذ قرارات واعية مبنية على المعرفة.

في النهاية، يطرح موضوع الكيراتين إشكالية أعمق تتعلق بحدود البحث عن الجمال، ومدى استعداد الأفراد لتحمل المخاطر في سبيل تحقيق مظهر معين.

ففي وقت تتطور فيه صناعة التجميل بشكل متسارع، تبقى الحاجة ملحّة إلى مرافقة هذا التطور برقابة صارمة، وتشريعات واضحة، ووعي مجتمعي يضع صحة الإنسان في المقام الأول.

ضرورة إعادة النظر في الممارسات

إن الجدل المتواصل حول منتجات الكيراتين ليس مجرد نقاش عابر، بل يعكس تحدياً حقيقياً يواجه قطاع التجميل، ويتطلب تضافر جهود مختلف الأطراف، من سلطات رقابية، ومنظمات حماية المستهلك، ومهنيين، وحتى المستهلكين أنفسهم.

فالوقاية، في مثل هذه الحالات، تبقى الخيار الأفضل، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواد قد تحمل مخاطر غير مرئية، لكنها قد تكون ذات آثار بعيدة المدى.

وبين وعود الشعر الناعم والنتائج السريعة، تبقى الحقيقة الأهم أن الصحة لا تُعوض، وأن الجمال الحقيقي يبدأ من السلامة، لا من المخاطرة.

رابط دائم
https://elayem.news/uvw35
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي