الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
أخبار وتقارير

اللغة الأم.. بين الهوية والإبداع ورهانات البقاء في زمن العولمة

Author
إيمان عبروس 26 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

اللغة الأم ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي الفضاء الأول الذي يتشكل فيه الوعي، وتنبثق منه ملامح الشخصية، وتتأسس عبره علاقة الفرد بالعالم، وتُكتسب عفويًا في حضن الأسرة، قبل المدرسة وقبل أي نظام تعليمي، ولذلك تعد في علم اللسانيات وعلم الاجتماع اللغوي “رأس المال الرمزي الأول” للفرد. وفي مجتمع متعدد اللغات كالجزائر، تتداخل لغة الأم مع اللغة الوطنية واللغة الرسمية، في مشهد لغوي مركب يفرض قراءة دقيقة ومتوازنة.

و تُعرف اللغة الأم بأنها اللغة التي يكتسبها الطفل اكتسابا طبيعيا داخل الوسط العائلي، دون تعليم منهجي.

وهي لغة التنشئة الأولى، والمرآة التي تعكس محيطه الثقافي والاجتماعي، غير أن هذا التعريف البسيط يخفي وراءه أبعادا عميقة، فالكفاية التواصلية التي تحدث عنها عالم الاجتماع اللغوي ديل هايمز تقوم أساسا على تمكّن الفرد من لغته الأولى، إذ بها يتقن التعبير، ويفهم السياق، ويؤوّل الخطاب.

ففي الجزائر، قد تكون لغة الأم عربية دارجة، أو إحدى المتغيرات الأمازيغية كالقبائلية أو الشاوية أو المزابية أو الطوارقية أو الشنوية، أو غيرها من التنوعات المحلية، وهذا التعدد لا يعد تناقضا، بل يعكس ثراء تاريخيا وحضاريا تشكل عبر قرون من التفاعل الثقافي.

بين اللغة الأم والوطنية والرسمية.. حدود المفاهيم

و أوضح البروفيسور فريد بن رمضان، أستاذ التعليم العالي المتخصص في علم الأسماء ورئيس الجمعية الجزائرية لعلم الأسماء الخاصة، في تصريح خص به “الأيام النيوز ”، أن دراسة الوضع اللغوي في الجزائر تقتضي التمييز بين ثلاث وضعيات: اللغة الأم، واللغة الوطنية، واللغة الرسمية.

فاللغة الوطنية ترتبط بالهوية الجماعية والبعد الرمزي والتاريخي للأمة، بينما اللغة الرسمية هي التي تعتمدها الدولة في الإدارة والتشريع والتعليم. وقد لا تتطابق هذه الوضعيات الثلاث في المجتمعات المتعددة اللغات.

فقد يتكلم الفرد لغة أم تختلف عن لغة الدولة، كما قد تتعايش لغة وطنية مع لغات أخرى مستعملة فعليا في المجتمع. هذا التمايز المفاهيمي ضروري لفهم النقاشات اللغوية بعيدا عن التبسيط أو الاختزال، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا الهوية والانتماء.

         بن رمضان فريد 

لغة الأم والإبداع الأدبي.. طاقة التخييل الأولى

ويرى المترجم والمدقق اللغوي عمار قواسمية، أن الإبداع لا يزدهر في فراغ لغوي، بل ينطلق من قوة التمكن من لغة الأم. فالتخييل الأدبي يحتاج إلى شبكة دلالية راسخة، وإلى قدرة على استحضار الإيحاءات الثقافية الكامنة في الكلمات.

ويظهر هذا جليا في الأدب المغاربي، حيث تتشكل الهوية النصية عند كثير من الكُتاب بين العربية والأمازيغية والفرنسية، فتولد طاقة أسلوبية خاصة من احتكاك اللغات. غير أن هذا الثراء يظل محدود الانتشار عالميا، إذ تشير تقارير صناعة النشر إلى أن أقل من 5% من الإنتاج الأدبي العالمي يترجم سنويا، ما يعني أن معظم الآداب تبقى حبيسة ألسنتها، ولا تعبر الحدود إلا عبر جسر الترجمة، وهنا تبرز أهمية دعم الترجمة نحو لغة الأم، إذ تؤكد الدراسات أن الترجمة الاحترافية تُنجز أساسًا نحو اللغة الأم للمترجم، حفاظًا على سلامة النسق الأسلوبي ودقته.

          عمار قواسمية

اللغة والفكر.. هل تشكل اللغة طريقة التفكير؟

ففي حقل الفكر، لا تعد اللغة مجرد وعاء للفكرة، بل هي معمارها العميق. فالمفاهيم تتشكل داخل الحقول الدلالية الخاصة بكل لغة. كلمة “العقل” في العربية مثلا تولد اشتقاقات عديدة: عقل، تعقل، معقول، عقلانية، وهي شبكة مفهومية تؤثر في طريقة التصور.

وتندرج هذه الرؤية ضمن ما يُعرف في اللسانيات بـ”النسبيّة اللغوية” في صورتها المعتدلة، حيث تتأثر أنماط التفكير بالبنية اللغوية دون أن تُحبس فيها. فالفكر قادر على الترجمة والتفاعل، لكنه لا ينفصل كليًا عن لسانه الأول.

الثورة الرقمية.. تحدي الحضور والمصطلح

حيث دخلت اللغة عصرا جديدا مع الثورة الرقمية. فالإحصاءات الحديثة تشير إلى أن أكثر من 55% من محتوى الإنترنت بالإنجليزية، بينما لا تتجاوز نسبة المحتوى العربي 1–2% تقريبًا، رغم أن عدد الناطقين بالعربية يفوق 400 مليون.

ولا يعود هذا التفاوت إلى قصور بنيوي في اللغة العربية، بل إلى ضعف سياسات التوطين الرقمي وصناعة المصطلح. ويُعد توليد مصطلح “الذكاء الاصطناعي” مثالا ناجحا على التعريب الاشتقاقي المنتج، بدل الاكتفاء بالاقتراض الصوتي.

وفي هذا السياق، يصبح تمكين لغة الأم رقميا شرطا لبقائها، إذ إن اللغة التي لا تحضر في المدرسة والسوق والشاشة معًا، تضعف تدريجيا.

كما أفرز الفضاء الرقمي ظواهر لغوية جديدة، أبرزها العربية المكتوبة بالحروف اللاتينية (Arabizi)، وهي شكل من “التحول الكتابي” يعيد تشكيل الرمز دون فقدان النطق الأصلي. كما ظهرت أنماط هجينة تمزج العربية بالفرنسية أو الإنجليزية في خطاب واحد.

فهذه التحولات تعكس دينامية اجتماعية حية، لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالا حول استدامة النسق اللغوي الأصلي، ومدى قدرة لغة الأم على التكيف دون أن تفقد بنيتها.

تعليم اللغة الأم.. من الحفظ إلى الكفاية

ما تزال بعض أنماط تعليم اللغة في العالم العربي أسيرة منطق “الصواب والخطأ” في الإعراب، دون ربط القواعد بالتحليل النصي أو التداولي. فيحفظ الطالب قاعدة “كان وأخواتها” لكنه قد يعجز عن كتابة مقال متماسك.

المقاربات الحديثة، القائمة على الكفاءات، تركز على قدرة المتعلم على إنتاج الخطاب وتحليله في سياقات واقعية، لا على حفظ القواعد فحسب. وهنا يبرز الفرق بين تعليم اللغة بوصفها مادة دراسية، وتعليمها بوصفها أداة تفكير وإبداع.

ولا تعارض بين تدريس اللغة في سياق ديني وبين تحديث مناهجها؛ فاللغة يمكن أن تكون لغة قرآن ولغة مختبر في آن واحد، إذا أحسن تدبير تعليمها.

و يشير اليونسكو في أطلسه العالمي للغات إلى أن نحو 40% من لغات العالم مهددة بدرجات متفاوتة، وأن لغة تموت كل أسبوعين تقريبًا. ويحدث الانقراض حين يتوقف انتقال اللغة بين الأجيال، أي حين لا يتعلمها الأطفال في البيت.

وهذا الواقع لا يخص مناطق بعيدة فحسب، بل يلامس بعض المتغيرات اللغوية في الجزائر، خاصة تلك التي لم يعد يتداولها إلا كبار السن. فاللغة تموت بهدوء، لا بضجيج الحروب، بل بانقطاع النقل العائلي.

الأمازيغية.. من الاعتراف إلى التطبيق

كما شكّل الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية سنة 2002 ثم لغة رسمية سنة 2016 خطوة تاريخية. غير أن الاعتراف الدستوري لا يضمن تلقائيًا الحيوية. فالتعليم ما يزال متفاوتًا بين الولايات، ومسار التقييس مستمر، وحضور اللغة في الإدارة والإعلام يتقدم ببطء.

وقد صدر سنة 2025 الأطلس اللغوي للجزائر عن المحافظة السامية للأمازيغية، في خطوة توثيقية مهمة تسمح بتحديد مناطق القوة والهشاشة، وتوجيه السياسات العمومية على أسس علمية.

الحوكمة اللغوية.. رهان الوحدة في التنوع

إن حماية لغة الأم لا تعني تجميد الماضي، بل ضمان حق الأجيال القادمة في اختيار استعمالها. والتنوع اللغوي لا يصبح مشكلة إلا حين يُهمَّش أو يُتجاهل. أما إذا أُدير بحكمة، فيمكن أن يكون عامل تماسك واستقرار.

التحدي المطروح اليوم في الجزائر، كما في غيرها من الدول المتعددة اللغات، هو التوفيق بين الاعتراف بالهوية والفعالية المؤسسية، وبين الوحدة الوطنية واحترام التعدد. فالتخطيط اللغوي الرشيد، المدعوم بالبحث العلمي والتنسيق المؤسسي، هو الكفيل بتحويل الاعتراف الرمزي إلى ممارسة يومية.

اللغة الأم.. أفق 2038 وما بعده

إن مستقبل لغة الأم في الجزائر مرتبط بقدرتها على الانتقال من البيت إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى الفضاء الرقمي، ومن الفضاء الرمزي إلى الفضاء المؤسسي. وأفق سنة 2038، في ما يتعلق بتعزيز الأمازيغية، يمثل موعدا استراتيجيا لترسيخ هذا المسار.

فاللغة، في نهاية المطاف، ليست مجرد كلمات تُنطق، بل ذاكرة تُحفظ، وهوية تُصان، وأداة إنتاج معرفي.

وإذا أُحسن تدبيرها، صارت قوة ناعمة تعزز حضور الأمة في عالم يتجه نحو التماثل الثقافي. أما إذا أُهملت، فقد تنحسر بهدوء، تاركة وراءها فراغا في الذاكرة الجماعية فتبقى لغة الأم إذن ليست مسألة لغوية فحسب، بل مشروع مجتمع بأكمله.

رابط دائم
https://elayem.news/f9qc5
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي