الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

“المهيبة”.. هل يصمد عيد العروسة أمام الغلاء؟

Author
إيمان عبروس 23 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

حتى بعد العيد، تستمر بعض العادات – المرتبطة بالمناسبة – في فرض حضورها، مهما ضاق بها الواقع، وعلى رأسها “المهيبة” أو “العطية”، حيث يحمل أهل العريس هداياهم إلى بيت العروس، في مشهد يجمع بين الواجب والتقاليد الرمزية. غير أن هذه العادة باتت اليوم تقف على مفترق طرق بين الحفاظ على أصالتها وضغوط الواقع الاقتصادي. فهل تظل “المهيبة” رمزًا للفرح، أم تتحوّل إلى عبء يثقل كواهل المقبلين على الزواج؟

تُعد “المهيبة” من أبرز العادات المرتبطة بفترة الخطوبة في الجزائر، حيث تنتظر الفتاة المخطوبة، بعد أيام العيد، زيارة أهل خطيبها محملين بهدايا متنوعة تشمل الحلويات التقليدية، الملابس، العطور، وأحيانًا الذهب. وتُعرف هذه المناسبة في بعض المناطق باسم “عيد العروسة”، في دلالة واضحة على مكانتها الخاصة داخل النسيج الاجتماعي.

هذا التقليد لا يقتصر على كونه تبادلًا للهدايا، بل يمثل لحظة رمزية لتجديد الروابط بين العائلتين، وتعزيز مشاعر القبول والاحترام المتبادل. فزيارة أهل العريس إلى بيت العروس، غالبًا في اليوم الرابع أو الخامس من العيد، تحمل في طياتها رسائل غير مكتوبة، تؤكد على جدية العلاقة واستمرارها نحو الزواج.

عادات الزيارة.. تفاصيل تحمل دلالات عميقة

تبدأ التحضيرات للمهيبة قبل أيام، حيث يحرص أهل العريس على اختيار الهدايا بعناية، بما يعكس ذوقهم وإمكانياتهم، وفي الوقت نفسه يراعي مكانة العروس وعائلتها. وتتنوع محتويات “القفة” أو “الطبق” بين حلويات العيد مثل المقروط والبقلاوة والغريبية، إلى جانب ملابس جديدة قد تكون تقليدية أو عصرية، بالإضافة إلى العطور ومستحضرات التجميل.

وعند وصول الوفد، يتم استقبالهم بحفاوة، حيث تُقدم القهوة والحلويات، وتُفتح الهدايا وسط أجواء من الفرح والترقب. وغالبًا ما تتحول هذه الزيارة إلى مناسبة عائلية بامتياز، تتخللها الأحاديث الودية وتبادل التهاني، ما يعزز أواصر القربى ويكسر الحواجز بين العائلتين.

و رغم أن “المهيبة” في جوهرها تحمل قيمة رمزية، إلا أن طابعها المادي أصبح أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة. فمع تطور أنماط الاستهلاك، باتت بعض العائلات ترى في هذه المناسبة فرصة لإظهار المكانة الاجتماعية، ما أدى إلى ارتفاع سقف التوقعات، وتحول الهدية من تعبير بسيط عن المحبة إلى استعراض قد يرهق الميزانيات.

هذا التحول أفرز نوعًا من المقارنة بين العائلات، حيث تُقاس “قيمة” المهيبة أحيانًا بما تحتويه من هدايا ثمينة، بدلًا من معناها الحقيقي. وهو ما يخلق ضغطًا نفسيًا على العريس وعائلته، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

غلاء الأسعار.. التحدي الأكبر أمام استمرار العادة

و في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية والملابس، أصبحت “المهيبة” تشكل عبئًا حقيقيًا على الكثير من العائلات الجزائرية. فتكلفة الحلويات التقليدية وحدها قد تتجاوز القدرة الشرائية للبعض، خاصة إذا أضيفت إليها الملابس والهدايا الأخرى.

هذا الواقع دفع العديد من الشباب إلى إعادة التفكير في هذه العادة، حيث يرى البعض أن الالتزام بها بالشكل التقليدي لم يعد ممكنًا، في حين يفضل آخرون تقليصها أو استبدالها بهدايا رمزية أقل تكلفة.

أمام هذه التحديات، تنقسم الآراء بين من يتمسك بالمهيبة كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية، وبين من يدعو إلى التخلي عنها أو تعديلها بما يتناسب مع الواقع.

الفئة الأولى ترى أن هذه العادة تمثل رابطًا اجتماعيًا مهمًا، لا ينبغي التفريط فيه، لأنها تعكس قيم الكرم والتواصل العائلي. أما الفئة الثانية، فتعتبر أن التمسك الأعمى بالتقاليد قد يؤدي إلى تعقيد مسار الزواج، خاصة في ظل التكاليف المرتفعة.

وبين هذين الموقفين، تظهر فئة ثالثة تدعو إلى التوازن، من خلال الحفاظ على جوهر العادة مع تبسيط مظاهرها، بحيث تبقى رمزًا للمحبة دون أن تتحول إلى عبء.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا في تغيير نظرة المجتمع إلى “المهيبة”، حيث أصبحت بعض العائلات تشارك صور الهدايا والزيارات، ما ساهم في خلق نوع من “المنافسة غير المعلنة”.

هذا التوجه قد يدفع البعض إلى المبالغة في تقديم الهدايا، خوفًا من المقارنة أو رغبة في الظهور بمظهر معين، وهو ما يزيد من الضغط على العائلات، ويبتعد بالعادة عن بساطتها الأصلية.

رغم انتشار هذه العادة في مختلف مناطق الجزائر، إلا أن تفاصيلها تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي المدن الكبرى، تميل “المهيبة” إلى الطابع العصري، مع التركيز على الهدايا الحديثة، بينما تحتفظ القرى والمناطق الداخلية بطابعها التقليدي، حيث تُقدم الحلويات المنزلية والملابس التقليدية.

ومع ذلك، يبقى الجوهر واحدًا، وهو التعبير عن المحبة والتقدير، وتعزيز الروابط بين العائلتين.

ولا تقتصر أهمية “المهيبة” على بعدها الاجتماعي، بل تمتد إلى الجانب النفسي، خاصة بالنسبة للعروس، التي ترى في هذه الهدية اعترافًا بمكانتها داخل عائلة خطيبها. كما تمنحها شعورًا بالاهتمام والتقدير، ما يعزز ثقتها في العلاقة.

في المقابل، قد يشعر العريس بضغط كبير لتلبية التوقعات، خاصة إذا كانت إمكانياته محدودة، ما قد يؤثر على استقراره النفسي، ويزيد من توتره خلال فترة الخطوبة.

نحو إعادة تعريف بالمهيبة.. بين الأصالة والتجديد

وفي ظل هذه التحولات، يبرز توجه متزايد نحو إعادة تعريف “المهيبة”، بحيث يتم الحفاظ على رمزيتها، مع التخلي عن المبالغة في مظاهرها. ويقترح البعض اعتماد هدايا رمزية، أو التركيز على الزيارة في حد ذاتها، بدلًا من قيمة ما يُقدم.

هذا التوجه يعكس وعيًا متناميًا بضرورة التكيف مع الواقع، دون التفريط في القيم الاجتماعية التي تشكل جزءًا من الهوية الثقافية.

كما تلعب العائلة دورًا محوريًا في تحديد شكل “المهيبة”، حيث يمكنها أن تسهم في تخفيف الضغط من خلال تبني رؤية معتدلة، تركز على المعنى بدل المظهر. فحين تتفق العائلتان على تبسيط العادة، يتحول اللقاء إلى لحظة فرح حقيقية، بعيدًا عن الحسابات المادية.

كما أن توعية الشباب بأهمية التوازن بين التقاليد والإمكانيات قد تساعد في الحفاظ على هذه العادة بشكل مستدام.

ورغم كل التحديات، لا يبدو أن “المهيبة” في طريقها إلى الزوال، بل هي في مرحلة تحول، تعيد فيها صياغة نفسها بما يتناسب مع متغيرات العصر. فالتقاليد التي تحمل قيمة اجتماعية عميقة، غالبًا ما تجد طرقًا للاستمرار، حتى وإن تغيرت أشكالها.

وقد يكون مستقبل هذه العادة مرتبطًا بقدرة المجتمع على التوفيق بين الحفاظ على هويته، ومواكبة واقعه الاقتصادي، بحيث تبقى “المهيبة” عنوانًا للفرح، لا مصدرًا للقلق.

وتبقى “المهيبة” واحدة من أجمل صور التقاليد الجزائرية، بما تحمله من معانٍ إنسانية عميقة، تعكس روح التضامن والتواصل بين العائلات. غير أن استمرارها في ظل الظروف الحالية يتطلب إعادة نظر، توازن بين الأصالة والواقعية.

ففي النهاية، ليست قيمة “المهيبة” فيما تحتويه من هدايا، بل فيما تعبر عنه من مشاعر، وما تخلقه من لحظات فرح تقرب القلوب، وتبني جسورًا من المحبة تدوم لما بعد العيد.

رابط دائم
https://elayem.news/vtl4l
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي