الأحد، 05 أبريل 2026 — 16 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

النظام في طهران وعصابة الحكم في واشنطن.. من يُسقِط من؟!

Author
رتيبة عماري 31 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

منذ اللحظة الأولى للعدوان الأمريكي الصهيوني على طهران، وضع ترامب، بتأثير من نتنياهو، هدفا واضحا: إسقاط النظام الإيراني وإدخاله في فوضى شاملة. لكن الإيرانيين خرجوا إلى الشوارع في مظاهرات دعم للنظام، وكسروا كل التوقعات، فيما اندلعت في الداخل الأمريكي موجة احتجاجات عنيفة ضد سياسات إدارة ترامب، لتتحوّل المخطّطات إلى كابوس يطارد صنّاع القرار الأمريكيين والصهاينة على حد سواء. هذا الانقلاب الصادم في النتائج لا يعكس فشل الرهان الأمريكي فحسب، بل يفتح الباب أمام تحليلات متعدّدة ومعقّدة، استعرضها محلّلون في تصريحات لـ”الأيام نيوز”، في سياق معادلة تبدو مخالفة لكل أصول المنطق.

وفي أكبر موجة احتجاجات منذ سنوات، في أمريكا، امتدت لتشمل مدنا كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس وأتلانتا وبوسطن وشيكاغو، وحتى شمال العاصمة واشنطن، وقدرت أعداد المشاركين بنحو 9 ملايين شخص في أكثر من 3,300 فعالية، وهو رقم يعكس حجم الغضب الشعبي غير المسبوق، مع تركز الاحتجاجات في مناطق تعد معاقل للجمهوريين، ما يشير إلى تصدع القاعدة التقليدية للرئيس.

حسين الأسعد

ويرى حسين الأسعد، باحث سياسي وخبير في الشأن الإيراني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”. أن شعار الاحتجاجات “No Kings” أو “لا للملوك” يعكس رفضا للاستبداد في السلطة من قبل ترامب، مؤكدا أن الدستور الأمريكي يقوم على مبدأ الديمقراطية وتحديد صلاحيات الرئيس، مع منح المؤسسات الدستورية السلطة الأكبر، وهو ما يتناقض مع النظام الملكي الإنغليزي القائم على قاعدة “الملك لا يخطئ”.

ويضيف أن التحولات الاجتماعية عادة تتكاتف أثناء حالات الحرب، كما حصل خلال غزو العراق عام 2003، إلا أن المثير هذه المرة هو خروج الاحتجاجات إلى الخارج، لتشمل فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وكوريا الجنوبية وأمريكا اللاتينية تحت نفس الشعار، مما يعكس رفضا عالميا للحرب على إيران. ويشير الأسعد إلى أن موجة الاحتجاجات تمثل المظاهرات الثالثة ضد ترامب منذ توليه الإدارة، بعد يونيو وأكتوبر 2025، وهي الأكبر خلال عام واحد لأي رئيس أمريكي، مع أسباب متعددة أبرزها سياسات الهجرة الصارمة والحرب المكلفة في الشرق الأوسط، إضافة إلى شخصية ترامب العنيدة وممارساته الاستبدادية بعد خسارته السابقة للانتخابات.

حامد محمود

قرارات متناقضة وتحالفات مشبوهة

وفي هذا السياق، يؤكد حامد محمود، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، لـ”الأيام نيوز”، أن ترامب يتعامل وفق معايير متناقضة، إذ أن تصريحاته الأخيرة—سواء المتعلقة برفع الرسوم الجمركية إلى 130%، أو التهديد بتفجير أكبر حقل غاز في إيران، أو إعلان أن “الحرب شبه منتهية”—تفتقر إلى الوضوح والثبات في الموقف. ويضيف محمود أن هذا التذبذب يعكس ارتباط السياسات بعوامل ظرفية مثل تقلبات الأسواق أو محاولات كسب ود بعض الأطراف، وهو ما قد يعتبره البعض “عبقرية استراتيجية” لإبقاء الخصوم في حالة ترقب، بينما الواقع يشير إلى أنها انعكاس لتقييمات غير مستقرة ومرتبطة بالمصالح السياسية الضيقة. ويؤكد أن هذه المرونة المفرطة تمنح ترامب القدرة على تغيير مواقفه بسرعة، لكنها تصطدم بالواقع الميداني المعقد، حيث تمتلك إيران القدرة على الاستمرار في المواجهة، مستفيدة من تأثيرها على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الإضرار بالمصالح الأمريكية المباشرة.

جمال واكيم

من جانبه، يشير جمال واكيم، أستاذ العلاقات الدولية، لـ”الأيام نيوز”، إلى أن ترامب كان يميل إلى شن حروب خارجية مدركا عمق الأزمة الاقتصادية داخل بلاده، ساعيا من خلالها لتحقيق مكاسب اقتصادية وتعزيز موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي. إلا أن هذه السياسة لم تنجح في الحالة الإيرانية، إذ فشلت واشنطن في بلوغ الأهداف الجيوسياسية والاقتصادية المرجوة من هذا التصعيد، خاصة أمام خصم يمتلك هامشا من القدرة على الرد والمناورة. ويضيف واكيم أن تكاليف الحرب بدأت ترتفع بشكل واضح، سواء من حيث الإنفاق العسكري أو اضطراب الأسواق وارتفاع أسعار الطاقة، ما انعكس سلبا على الاقتصاد الأمريكي والغربي على حد سواء وزاد من حدة الضغوط الداخلية، وهو ما يفسر خروج المظاهرات المعارضة وارتفاع الأصوات المنتقدة لسياسات ترامب.

توفيق طعمة

توفيق طعمة، خبير في الشأن الأمريكي، لـ”الأيام نيوز”، يوضح أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن ترامب لم يعتمد على تقديرات وتحليلات الأجهزة الاستخباراتية في هذا الملف، بل اختار الانحياز إلى رؤية بنيامين نتنياهو. ويضيف طعمة أن هذا النهج يثير تساؤلات جدية حول طبيعة اتخاذ القرار داخل البيت الأبيض، لا سيما أن تهميش المؤسسات الأمنية، التي تشكل العمود الفقري للقرار الاستراتيجي، لصالح توجهات خارجية ليس أمرا مألوفا إلا في ظل ضغوط قوية أو حسابات سياسية دقيقة. ويشير إلى أن هذا السلوك يفتح الباب أمام عدة فرضيات، من بينها تأثير اللوبيات الداخلية، الاعتبارات الانتخابية، أو محاولات إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط بما يخدم تحالفات محددة، مع التأكيد على أن السبب الحقيقي وراء الانحياز لا يزال محاطا بالغموض.

وفي الكيان الصهيوني، انطلقت احتجاجات غير مسبوقة ضد الحرب على إيران، مع خروج مئات المتظاهرين في مستوطنتي “تل أبيب” و”حيفا” وكذلك القدس المحتلّة، مطالبين برحيل مجرم الحرب، نتنياهو فورا، ومتهمين إياه بإشعال الحرب لأهداف داخلية، أبرزها الهروب من محاكمات الفساد وتمديد بقائه في السلطة. ويلاحظ مراقبون أن الدعم الشعبي للحرب داخل الكيان لا يزال مرتفعا عند نحو 78%، لكن نسبة المعارضين سجلت ارتفاعا ملحوظا من 4% إلى 11.5% خلال شهر واحد، ما يعكس بداية تحول تدريجي في الرأي العام.

“حرب جديدة بلا مبرر”

وفي أوروبا، خرج عشرات الآلاف في مظاهرات حاشدة بلندن وبرلين ومدن أخرى، مع رفع شعارات تحذر من “حرب جديدة بلا مبرر” وتندد بالتورط العسكري خارج الحدود، فيما أظهرت استطلاعات الرأي أن 49% من البريطانيين يعارضون الحرب مقابل 28% يؤيدونها. وأعلنت عدة حكومات أوروبية، بينها بريطانيا وألمانيا وإسبانيا، رفض المشاركة في الحرب، مؤكدة أن “هذه ليست حربها”، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الرفض الدولي للحرب الأمريكية على إيران.

وتعكس هذه الاحتجاجات، سواء في الداخل الأمريكي أو خارجه، هشاشة المقاربة الأمريكية أمام خصم يمتلك القدرة على المناورة والدفاع عن مصالحه، مع تحولات واضحة في موازين القوة الداخلية والخارجية. وتشير هذه المستتجدّات إلى أن السياسات العدائية لترامب لم تحقق أهدافها، بل أدت إلى نتائج عكسية، سواء من حيث التأثير السياسي داخل الولايات المتحدة أو على صعيد العلاقات الدولية وحجم الدعم الشعبي للحرب.

كما أنها تعكس تصاعد الغضب الشعبي الدولي، الذي بدأ يشكل ضغطا متزايدا على الحكومات الحليفة للولايات المتحدة، مما قد يعيد رسم ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، ويضع تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الأمريكي وتوازن القوى الدولي في ظل تحالفات متشابكة ومصالح متقاطعة. وفي المجمل، يرى الخبراء أن المرحلة القادمة قد تشهد إعادة ضبط الحياة السياسية الأمريكية وفق مفهوم الديمقراطية، مع احتمال صعب لكنه وارد لانفصال ولاية كاليفورنيا عن الاتحاد الأمريكي، وهو ما سيؤثر على موازين القوى العالمية والنظام الدولي بأسره.

رابط دائم
https://elayem.news/ti3mj